أشور

يطلق اسم “أشور” على أقدم العواصم الأشورية، وعلى إله الأشوريين الأعظم، وعلى البلاد التي استوطنها الأشوريين في شمال العراق، وعلى الدولة التي أقاموها. اصطلح المؤرخون على تقسيم التاريخ الأشوري إلى ثلاثة عهود: الأول عهد تأسيسي قديم أشهر ملوكه شمس – أدوالأول (1813 – 1781ق.م.) الذي كان أول من مد نفوذ الأشوريين إلى مناطق خارجية عندما استولى على مدينة ماري (تل الحريري على نهر الفرات في سورية). وقعت البلاد تحت نفوذ الملك البابلي حمورابي، ثم بدأ العهد الثاني بعد سقوط دولة بابل الأولى (حوالي 1600ق.م.) وحكم خلال هذا العهد عدد من الملوك الأقوياء أشهرهم تغلات بلاسر الأول (1115 – 1077 ق.م.) الذي كان أول ملوك أشور الذين وصلوا بفتوحاتهم إلى البحر المتوسط. وجاء العهد الثالث الحديث حوالي سنة 911 ق.م. بعد فترة تراجع عسكري واقتصادي. وفي هذا العهد كان لدولة أشور علاقات قوية بسورية وفلسطين. وشهد قيام إمبراطوريتين أشوريتين عظيمتين. وكان من أشهر ملوك الإمبراطورية الأولى أشور ناصر بال الثاني (883 – 859ق.م.) الذي غزا سورية ووصل إلى “البحر العظيم”، أي البحر المتوسط، لكنه لم يدخل فلسطين. وكان ابنه شلمناصر الثالث (858 – 824 ق.م.) أول ملك أشوري يذكر “إسرائيل” حين تحدث عن الحلف الذي عقد بين ملك دمشق الآرامي بن حدد وآخاب ملك إسرائيل وعدد من المدن السورية للوقوف في وجه الأشوريين في معركة قرقر. وفي حملة ثانية انتصر شلمناصر على الملك الإسرائيلي “ياهو” وفرض عليه ضريبة كبيرة. وحفر شلمناصر أخبار انتصاراته على مسلته المشهورة” المسلة السوداء”، وكان الملك الأشوي أداد نيراري الثالث (805 – 782 ق.م.) أول ملك أشوري يذكر اسم فلسطين. ضعفت أشور أواخر القرن التاسع قبل الميلاد إلى أن تولى الملك تغلات يلاسر الثالث سنة 747 ق.م. وهو يعد مؤسس الإمبراطورية الثانية التي وصلت أشور فيها إلى قمة مجدها العسكري والاقتصادي، وتوالت حملاتها على سورية وفلسطين. بدأ تغلات بلاسر الثالث عهده بغزو بابل، ثم قام بهجوم على مدن فلسطين فأوقع الهزيمة بملك غزة ووقعت عمون وآدوم ومآب ويهودا تحت نفوذه. وورد في التوراة* أن “مناحيم” ملك “إسرائيل” دفع له جزية تقدر بألف قنطار من الفضة. وأطلق تغلات بلاسر على “إسرائيل” اسم “بيت عومري” وكان تغلات بلاسر يضطلع بدور كبير في أحداث فلسطين، ويهب لنصرة الملوك الموالين له. ولما استعان به “آحاز” ملك “يهودا” لحمايته من “فقح” ملك “إسرائيل” و”رصين” ملك دمشق اللذين عقدا حلفاً عليه ضرب تغلات بلاسر جيوش الحلف، وخلع فقح عن العرش وأقام “هوشع” ملكاً على “إسرائيل”، وكان الثمن الذي دفعه “آحار” لهذه الحماية سبباً من أسباب انهيار “يهودا” الاقتصادي فيما بعد. وثارت “إسرائيل” في عهد شلمناصر الخامس (سنة 726 – 722 ق.م.) فحوصرت السامرة حتى سقطت على يد الملك التالي صارغون الثاني (721 -705 ق.م.) فانهارت بسقوطها دولة إسرائيل (720 ق.م.) وحارب صارغون المدن الفلسطينية التي أعلنت العصيان عليه. وفي عهد ابنه سنحاريب (704-681 ق.م.) تجددت الاضطرابات ، وثار نبلاء عكرة على ملكهم الموالي للأشوريين ، وسلموه الى “حزقيا” ملك”يهودا” الذي ثار اعتمادا على تأييد مصر له. فغزا ستحاريب المدن الفلسطينية ، وانتصر على الجيش المصري الذي تقدم لنصرتها، وحاضر القدس التي لم تنج من الدمار الا بتقديم هدايا ثمينة.ورأى الملك أسرحدون(680-669 ق.م.) أن استقرار الأحوال في فلسطين يستدعي وضع حد لتدخل دولة مصر فغزاها وأسقط الأسرة الحبشية التي كانت تحكم آنذاك.وتوقف التدخل المصري في فلسطين حتى نهاية الدولة الأشورية.وكان أشوربائيال آخر ملك أشوري قوي غزا فلسطين وانتصر على “يهودا”، وآدوم، ومآب، غزة وعسقلان. يتضح مما ذكر أن علاقة الأشوريين بفلسطين بدأت في القرن التاسع قبل الميلاد ، واستمرت إلى أيام الملك أشور بانيبال الذي انتهى حكمه في سنة 625 ق.م. وقام الأشوريون خلال هذه الفترة بدور بارز في الأحداث التي كانت تجري في فلسطين، وهم الذين أسقطوا دولة “إسرائيل” وتركوا دولة “يهودا” ضعيفة منهارة لتسقط بعد فترة وجيزة على يد نبوخذ نصر الكلداني. لم تقتصر الحروب الأشورية على المناطق الغربية فقط بل شملت الجهات الشرقية في إيران، والشمالية في بلاد الأناضول، والجنوبية في بابل وعيلام. وكان لها أثر بعيد في حياة شعوب هذه المناطق وتاريخها، وعملت سياسة التهجير التي اتبعت على مزج الشعوب بعضها ببعض.  اهتم الأشوريون اهتماما كبيراً بالأعمال العمرانية فشيدوا العواصم الكبيرة كنينوى، وكلخ، ودور شروكين، وزينوا قصورهم بالنقوش والتماثيل، وبذلوا عناية خاصة في أمور لم تكن مألوفة من قبل، كإقامة حدائق الحيوانات وغرس الأشجار الغريبة في المنتزهات. واهتموا بالتدوين فوصلت منهم كتابات مفصلة لم تكشف عن التاريخ الأشوري فحسب، بل كشفت عن تاريخ شعوب أخرى ما كان تاريخها ليعرف لولا المدونات الأشورية.  سقطت الدولة الأشورية في سنة 612 ق.م. على يد الكلدانيين والميديين الذين تحالفوا على إسقاطها بعد أن أنهكتها الحروب المتواصلة. المراجع: –         طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، بغداد 1973. –          Luckemobill, D.D.: Ancient Records of Assayria and Babylonis (ARAB), Chicago 1926 and 1927. –          Olmstead, A.T.E.: History of Assayria, New York 1923.