أحبّاء صهيون

أحباء صهيون أو هواة صهيون، ترجمة للاسم العبري “حوفيفي تسيون” وهو اسم يطلق على جمعيات صهيونية نشأت في روسيا سنة 1881 بعد صدور قوانين أيار التي فرضت قيوداً على الأقلية اليهودية هناك بين عامي 1881 -1883، وعلى حركة المهاجرين اليهود من روسيا وبولونيا ورومانيا إلى فلسطين (الهجرة الأولى 1881 – 1904). وكان هدف حركة أحباء صهيون محاربة اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، و”العودة إلى صهيون”. وقد اتخذت شعاراً لها “إلى فلسطين” ودعت إلى الاستعداد للهجرة لشراء الأراضي فيها، ومساعدة الاستيطان اليهودي هناك. وكانت حركة أحباء صهيون همزة الوصل بين ما أطلق عليه “طلائع” الصهيونية في منتصف القرن التاسع عشر وبداية الصهيونية السياسية مع ظهور يتودور هرتسل وانعقاد المؤتمر الصهيوني* الأول في سنة 1897.          وقد سبق هذه الحركة أفكار ومشاريع مختلفة من جانب أشخاص فرادى، مثل الحاخام تسفي هيرش كليشر ويهودا القلعي وموشيه هيس، والأدباء دافيد غوردون وبيرتس سمولينسكين واليعيزر بن يهودا وآخرين. كما قامت في تلك الفترة أيضاً جمعيات يهودية تعمل من أجل الاستيطان في فلسطين أطلقت عليها في البداية أسماء مختلفة. وكان القاسم المشترك بينها فكرة أنه لا خلاص لليهود في أماكن وجودهم، والحل هو العودة إلى “صهيون”.          وقد انتشرت حركة أحباء صهيون بين اليهود في روسيا ورومانيا وغربي أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وإن كان بعض أعضائها قد راودتهم المخاوف من الشك في وطنيتهم ومن ازدواج الولاء. وكان يغلب على الحركة في دول أوروبا الوسطى والغريبة طابع ثقافي نظري، غير أنها ساهمت بدور كبير في مكافحة الاندماج، ووضعت الأساس للحركة الصهيونية السياسية وظهور هرتسل على منبر الصهيونية.          وضع يهودا ليون بينسكر (1821 – 1891) الأساس الفكري لحركة أحباء صهيون في كرامة “التحرير الذاتي” نشرت بالألمانية أولا سنة 1882، ثم ترجمت إلى اللغتين العبرية والروسية. وقد عقد أول مؤتمر لحركة أحباء صهيون، بمبادرة بينسكو، في كاتوفيتش في تشرين الثاني 1884، وحضره 35 ممثلاً عن جمعيات أحباء صهيون في روسيا وأوروبا، وتم فيه تشكيل لجنة مركزية مؤلفة من 19 عضواً، للإشراف على نشاط أحباء صهيون وتوحيد قواهم ونشاطهم خارج فلسطين وداخلها. وتم انتخاب الدكتور بينسكو رئيساً للجنة المركزية، وشكلت لجنة فرعية تابعة لها في وارسو. وكان أهم ما تمخض عنه هذا المؤتمر البحث عن السبل الكفيلة بتقوية المستعمرات الصهيونية في فلسطين، وتوفير الدعم المالي لها، وتوحيد صفوف الحركة، وإقامة علاقات حسنة مع السلطات التركية. ومن أجل تحقيق هذا الغرض قرر المؤتمر تشكيل “جمعية مونتفيوري” – بمناسبة مرور مائة عام على ميلاد موشيه مونتفيوري – مهمتها تشجيع الزراعة بين اليهود، وتشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين. ومن القرارات التي اتخذها المؤتمر إرسال وفد إلى فلسطين لدراسة أوضاع المستعمرات، ولحث سبل دعمها، وبذل المساعي لدى الحكومة التركية لإلغاء القيود التي فرضتها على دخول المهاجرين اليهود إلى فلسطين.              عملت اللجنة المركزية لحركة أحباء صهيون على توحيد صفوف أحباء صهيون، فارتفع عدد الجمعيات التي انضمت إلى الحركة خلال الأشهر الأولى من سنة 1885، إلى 55 جمعية، منها 51 جمعية داخل روسيا، قدر عدد أعضائها بنحو 8.500 عضو، و4 جمعيات في الخارج، ووصل عدد أعضاء الجمعيات كلها إلى ما يقارب 14 ألفاً. غير أن الخلافات سرعان ما نشبت داخل الحركة بين المتدينين والعلمانيين، مما أدى إلى أضعافها وازدياد تأثير روتشيلد ونفوذه على النشاط الاستيطاني في فلسطين.          عقد المؤتمر الثاني لحركة أحباء صهيون في دروسكينك، في حزيران 1887، بحضور مندوبين عن 30 جمعية من جمعيات الحركة في روسيا فقط. ونشبت فيه خلافات بين الشبان العلمانيين (مناحيم أوسيشكين وم. ديزنجوف وآخرون) وبين المتدنيين الذين كان على رأسهم الحاخام شموئيل موهيليفر، أعضاء في اللجنة المركزية. وقرر المؤتمر عدم إقامة مستعمرات جديدة في فلسطين ما لم تنته عملية تأسيس المستعمرات القائمة هناك، وأوصى بإقامة مكتب في فلسطين لشراء الأراضي وتقديم الخدمات للمهاجرين والمستوطنين.          ضعفت الحركة بعد ذلك، مما استدعى عقد المؤتمر الثالث لها في فيينا، في آب 1889. وقد تمت الغلبة فيه الأوساط المتدنيين وانتخبت قيادة جديدة للحركة، كان الحاخام موهيليفر من أبرز أعضائها. وجرى توسيع تمثيل المتدينين ونفوذهم في داخل الحركة، مما حدا بعض الزعماء العلمانيين إلى البحث عن تعبير ثقافي وروحي آخر لصهيونيتهم، وبرز على هذا الصعيد اشرتسفي جينزبرج (1856 – 1927) المعروف باسم آحاد هاعام، الذي نشر أولى مقالاته تحت عنوان “ليست هذه هي الطريق” وانتقد فيها نظرة زعماء أحباء صهيون إلى أوضاع المستعمرات اليهودية في فلسطين، ووصفها بأنها نظرة غير واقعية ودعا إلى تقوية الاهتمام بما أسماه “نجاح الأمة بأسرها في بلاد أجدادها، دون الاهتمام بسعادة الفرد”. ونادى بضرورة إصلاح اليهود في المهجر كشرط مسبق لإنقاذهم. وقد أثارت آراؤه تلك جدالاً شديداً بين زعماء حركة أحباء صهيون ومفكريها لمعارضتها لنظريات الحركة. لكن آحاد هاعام اتجه إلى العمل، وتم تأسيس جمعية “بني موشيه” (أبناء موسى) في آذار 1889 لتقوية الروح القومية بين اليهود. وتولى هاعام رئاستها، فشدد على أولوية العمل الثقافي بين اليهود في العالم. غير أن هذه الجمعية لم تنجح فيما كانت تصبو إليه، وجرى حلها في سنة 1897. وكان الخلاف في هذه المرحلة يدور حول الألويات، إذ كان دعاة الاتحاد العمل يؤيدون النشاط الاستيطاني المباشر، في حين كان الثقافيون يرون ضرورة النشاط الثقافي كمقدمة للاستيطان، وليس كمرحلة لاحقة. وقد أسس أحباء صهيون جمعيات لإحياء ونشر اللغة العبرية، وأصدروا دوريات أدبية. كما أن جمعية “بني موشيه” أسست في سنة 1893 دار “أحيآساف” للنشر في وارسو، وقد نشرت أعمالاً أدبية عدة، وأصدرت مجلة عبرية باسم “هاشيلواح” بين سنوات 1896 و1914، ثم انتقلت فيما بعد إلى فلسطين.          حصلت حركة أحباء صهيون في أواخر شباط 1890 على ترخيص من الحكومة الروسية لممارسة نشاطها بصورة رسمية، وأسست في السنة ذاتها جمعية عرفت باسم “جمعية دعم اليهود الفلاحين والحرفيين في سورية وفلسطين”. وهكذا أضعفت الحركة طابعاً رسمياً على نشاطها في أنحاء روسيا، وأطلق على لجنتها المركزية اسم “اللجنة الأوديسية”، نسبة إلى مدينة أوديسا، حيث المقر الرئيسي لأحباء صهيون.          انعقد المؤتمر الرابع للحركة، بعد وقت قصير من الاعتراف بها في روسيا، فانتخبت فيه لجنة تنفيذية جديدة وأعيد انتخاب بينسكر رئيساً للحركة. وقد امتنع الحاخامون عن حضور هذا المؤتمر، بسبب غضبهم من المستوطنين في فلسطين الذين لم يلتزموا جميعاً بتعاليم الشريعة اليهودية، ولم يمتنعوا عن فلاحة أراضيهم خلال الموسم الزراعي لسنة 5649 عبرية (1889 – 1890) التي كانت “سنة تبوير” (وسنة التبوير تحل مرة كل سبع سنوات، وينبغي على اليهودي الملتزم بتعاليم الذين الامتناع خلالها عن فلاحة أراضيه أو استغلال ثمارها، إلا بناء على فتوى يصدرها حاخامون معتمدون، وفي ظروف قاهرة).          قامت اللجنة التنفيذية الجديدة لأحباء صهيون بنشاط تنظيمي واسع، وجمعت مبالغ كبيرة، وقدمت المساعدات المالية للمهاجرين إلى فلسطين، وساهمت في شراء الأراضي. وتقرر إنشاء لجنة تنفيذية في يافا* للإشراف على عمليات شراء الأراضي والهجرة والاستيطان. وأوفدت الحركة في أواخر سنة 1890 زئيف طيومكين للقيام بهذا العمل. ونشاط طيومكين، بشكل خاص، في مجال تنسيق عمليات شراء الأراضي، واستطاع حصر هذا النشاط باللجنة التنفيذية لأحباء صهيون وحدها، إلا أن روتشيلد عارض هذا الاتجاه، ورفض زعماء المستوطنين في فلسطين التعاون مع طيومكين مما اضطره إلى ترك فلسطين. ومع ظهور هرتسل وإقامة المنظمة الصهونية العالمية*، انضمت معظم جمعيات أحباء صهيون ونشيطيها إلى الحركة الصهيونية. وواصل أحباء صهيون نشاطهم العملي في إقامة المستعمرات في فلسطين. وتقديم المساعدات للمدارس العبرية وغير ذلك. وفي سنة 1900 سافر وفد خاص من أحباء صهيون برئاسة آحاد هاغام إلى فلسطين لبحث وضع المستعمرات هناك. كما اقترح وفد آخر على البارون روتشيلد إلغاء وصاية الموظفين على اليشيوف* اليهودي في فلسطين، وإدخال تغييرات في إدارة شؤون المستعمرات. وقدم أحباء صهيون مساعدات للمستعمرات القائمة، وشجعوا وساعدوا في إقامة مستعمرات أخرى جديدة. كما هاجر كثيرون منهم إلى فلسطين، وأقاموا مستعمرات ريشون لتسيون* في آب 1882، وروشبينا بعد عدة أسابيع، ثم تلتها في العام نفسه مستعمرة زمارين التي أطلق عليها فيما بعد اسم زخارون يعقوب، تخليداً لوالد البارون روتشيلد، بعد أن تعهد بتقديم المعونة المالية لها. كذلك أقيمت مستعمرة يسود هامعلا غربي بحيرة الحولة* في شمال فلسطين. وحدد أحباء صهيون الاستيطان في بتاح تكفا*. وبلغ مجموع ما صرفته جمعيات أحباء صهيون على إقامة المستعمرات الصهيونية في فلسطين حتى نهاية الهجرة الأولى، سنة 1903، نحو 87 ألف جنيه إسترليني.   المراجع: –         عبد الوهاب المسيري: موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية، القاهرة 1975. –          صبري جريس: تاريخ الصهيونية، ج1، بيروت 1977. –         أسعد رزوق: إسرائيل الكبرى، دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني، بيروت 1968. الأحجار الكريمة: رَ: المعادن