آثار العصور القديمة

تقسم المراحل الحضارية الأولى في فلسطين إلى عصور يتميز بعضها عن بعضها الآخر بالأدوا بحسب المادة التي إستخدمها الإنسان الفلسطيني في صنعها، ففي البداية إستعمل الحجر والصوان والعظام في شؤون حياته، ولما إكتشف المعادن إستعملها في صنع الأدوات بدلاً من الحجارة كالنحاس والبرونز، ثم إستعمل الحديد بعد ذلك بدلاً من أدواته الحجرية والبرونزية وتسمى هذه العصور الثلاثة: العصر الحجري والعصر البرونزي وأخيراً عصر الحديد. ويقسم العصر الحجري Stone Age  كما يلي: أ-العصر الحجري القديم (200.000- 17.000.ق.م) Paleolithic Age  ويقسم بدوره إلى ثلاثة أقسام: 1-العصر الحجري القديم الأسفل Lower Paleolithic Age  : وهو أقدم أدوار العصر الحجري القديم ويتزامن مع أواخر العصر الجليدي الرابع بلايستوسين Pleistocene، ومنها تطورت المراحل الأولى لحضارة (الفأس اليدوي)Hand Axe  وهي أدوات تم تشذيبها بشكل بيضاوي ومدببة عند أحد طرفيها وقد رافقها (الشاطور) وهو آلة صوانية صنعت للسلخ لها حافة قاطعة حادة متعامدة على المحور الطويل. ومن أهم الأمثلة على هذه الحضارة الثقافة الأبفيلية Abbevillian Culture  نسبة إلى مكان في شمال فرنسا حيث درست لأول مرة، وأبرز معالمها الفأس الحجرية كبيرة الحجم وغير مكتملة التشذيب، وتمثل بداية ما يعرف بالثقافة الشوليةChellean Culture  نسبة إلى مكان في فرنسا أيضاً. والأدوات الأولى لهذا الدور قديمة جداً، وتعرف حضارة الفأس اليدوية بإسم (حضارة النواة) ومنها الثقافة التي تعرف بإسم المكان الذي عثر عليها فيه لأول مرة في Core culture بفرنسا (الثقافة اللفلوازية – الموستيرية)Levallois-Mousterian Culture  حيث نجد منها في فلسطين أدوات الشظايا الصوانيةFlake Tools  ذات الحجم الأصغر نسبياً من أدوات الثقافات السابقة، كما استخدمت إلى جانب أدوات الشظايا أدوات تسمى (أدوات النواة) Core Tools والتي كانت أوسع انتشاراً، ويقع العصر الحجري القديم في فلسطين في الفترة التي حدثت خلال ما يعرف في علم الجيولوجيا بالعصور الجليدية الثلاثة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية ويقابلها في فلسطين وأنحاء الشرق الأدنى فترات مطرية ساعدت على نمو النبات والحيوان والإنسان. وكانت الثقافة (الشولية) واسعة الإنتشار في معظم أنحاء العالم القديم وخصوصاً في أرض فلسطين، وتطورت أساليب الحياة البدائية خلالها من مرحلة جمع الغذاء المؤلف من الأعشاب والثمار البرية وصيد الحيوان والتنقل من مكان إلى آخر، والتكيف على أحوال بيئات متعددة. وقد وجدت مواقع هذه الثقافة في فلسطين داخل الكهوف وفي السهول والمناطق الساحلية، وعرف إنسان فلسطين خلالها استعمال النار وبناء الأكواخ البسيطة. وأما النوع البشري الذي يرتبط بهذه الثقافة فهو النوع المعروف بإسم الإنسان منتصب القامة Home Erectus  وأهم الأماكن الفلسطينية التي عثر فيها على أدوات العصر الحجري القديم هي كهوف جبل الكرمل عند مدينة حيفا وأم قطيفة شمالي البحر الميت وكهوف الزطية شمال غرب البحر الميت، ومغارة الطابون في جبال الجليل وغيرها من الأماكن بفلسطين. ويتبين من دراسة الهياكل العظمية البشرية التي عثر عليها في كهوف جبل الكرمل صفا تشريحية نجدها في الإنسان العربي الفلسطيني وسائر أنحاء سوريا ويعرف هذا النوع بإنسان جبل الكرمل Mount Carmel Man . 2- العصر الحجري القديم الأوسط Middle Paleolithic Age: وأهم ثقافاته الثقافة الموستيرية Mousterian Culture نسبة إلى مكان اكتشفت فيه أصلاً داخل كهوف (موستير) Moustere بوادي (دور دون) بفرنسا، وظهرت في هذه الثقافة الأدوات المحددة الأطراف التي كان يستعمل بعضها رؤوس حرب ذات شكل مثلث، بالإضافة إلى مكاشط ذات حد قاطع على جانبها وهي من صنع الإنسان المعروف بإسم إنسان (نياندرتال) Neandertal نسبة إلى الوادي الذي يحمل هذا الإسم قرب مدينة (هايدل برغ) Heidel berg بألمانيا حيث عثر على بقاياه لأول مرة ووجدت هذه الثقافة منتشرة في أماكن عديدة بفلسطين. 3- العصر الحجري القديم الأعلى Upper Paleolithic Age : ظهرت في هذا العصر صناعة النصال والشفرات الرفيعة والسكاكين ومكاشط الجلود والأزاميل ورؤوس الرماح والسهام التي تستخرج من النواة الصوانية هرمية الشكل، وإستعان الإنسان بها على صنع أسلحة أفضل من الخشب والعاج وقرون الوعل والعظام، وفي صنع أدوات الزينة كالخرز والمنحوتات، وكان أول هذه الثقافات ما يعرف بالثقافة (الأوريجناسية) Aurignation Culture نسبة إلى كهوف (أرويجانس) في حوض نهر (الرون) Rhon بفرنسا حيث عثر على آثارها لأول مرة وتاريخها حوالي 85.000 سنة مضت ومن المحتمل أن (الأوريجناسيين)، شعب تطورت ثقافتهم في مكان آخر ربما في الشرق الأدنى حيث وجدت آثار مشابهة، وقد تلا هذه الثقافة في هذا العصر أيضاً ثقافات عرفت بإسم (السوليتريانية)Solutrean Culture  نسبة إلى مكان اكتشافها بفرنسا والثقافة (المجدلية) Magdalenian Culture نسبة إلى كهف (لامادلين) بفرنساأيضاً، وهي آخر ثقافات العصر الحجري الأعلى من العصر الحجري القديم الباليثي، ويعود تاريخها إلى حوالي 20.000 سنة مضت، وتعرف بحضارة عصر الرنة، إذ إنتشر فيها هذا الحيوان وهاجر جنوباً حتى البحر المتوسط، ومن الأدوات التي تميزها عصا الصولجان التي كانت تصنع من قرون الرنة، وتقدمت الفنون خلالها وخاصة الأدوات العظمية والعاجية، وإتقان الرسم على جدران الكهوف لتصوير الحيوانات وخصوصاً الثيران والخيول وغزلان الرنة، وتوجد أهم الأمثلة على هذا الفن في كهوف (لاسكو) Lasceau بفرنساوكهوف (التاميرا) Altamira بإسبانيا. إن النوع البشري الذي يرتبط بهذه الحضارة هو النوع المعروف بإسم (كرومانون)Cro-Magnon Man، وإلى سلالته تنتمي معظم الآثار الحضارية التي وجدت في أوروبا في ذلك العصر الذي يؤرخ له منذ 40.000 سنة إلى 13.000 سنة ق.م وأهم مميزاته الجسدية كبر الرأس بحيث يشبه رأس إنسان (نياندرتال) ولكن دون بروز عظمي فوق الحاجب والجبهة العالية وقحافة الرأس مستديرة والوجه متناسق والأنف ضيقة وظاهرة مع بروز في الذقن، كما أن المميزات الجنسية واضحة في تركيب الرأس، فحجم مخ الأنثى ينقص قليلاً عنه في الرجل شأنه في ذلك شأن الإنسان الحديث، وقد ظهرت أقدم تقنيات النصال والشفرات الرفيعة أو ما يسمى بثقافة النصال Blade Industry  في فلسطين حوالي 40.000 ق.م، وشهدت نهاية هذه المرحلة من العصر الحجري القديم الأعلى تطورات مهمة في نمط العيش والإقتصاد البدائي، فالإنسان الذي ينتسب إلى هذا العصر اهتم بالفنون وخصوصاً الرسم على جدران الكهوف والواجهات الصخرية ونحت الأشكال الحيوانية من الحجارة والعاج والعظم، وأهم مثال على ذلك ما نجده في الثقافة (المجدلية) التي انتشرت في أوروبا الغربية حوالي 15.000 ق.م، كما توجد أمثلة على ذلك في فلسطين ومناطق الإحساء والعروض في شرق الجزيرة العربية وفي بادية الشام ووادي رم في الأردن. ب- العصر الحجري المتوسط Mesolithic Age : وهو استمرار للعصر الحجري القديم الأعلى، ويمتد من حوالي 10.000 إلى 8000 ق.م تقريباً، وقد وضع هذا المصطلح أصلاً لوصف المخلفات الأثرية لهذه الفترة في شمال أوروبا ولكنه استخدم في مناطق أخرى، ثم تقلص استخدامه مؤخراً في فلسطين والشرق الأدنى وأفريقيا على أن الفترة هي امتداد طبيعي للعصر الحجري القديم الأعلى ويسميها بعضهم بالمرحلة الإنتقالية: Epi – Paleolithic  وقد تبين من المكتشفات الأثرية في المناطق التي يعود تاريخها إلى هذا العصر، أنه شهد المراحل الإنتقالية في حياة الإنسان من الترحال والإقامة في أماكن ثابتة والبحث عن وسائل الزراعة لإنتاج الغذاء واستئناس الحيوان، وكان أول الحيوانات التي دجنها الإنسان في فلسطين الكلب والماعز وأول النباتات البرية التي عرفت القمح والشعير وكان ذلك بداية مرحلة جديدة ظهرت نتائجها في العصر الحجري الحديث الذي بدأ في هذا العصر في حوالي الألف الثامن ق.م.   وظهرت في هذا العصر الحجري المتوسط الأدوات الصغيرة جداً وبخاصة النصال والشفرات الهلالية الشكل Lunettes وأدوات مصنوعة من العظام ومنها عظم الغزلان، والأصداف ومن هذه الأدوات الخطاف والسنارة والمنجل المؤلف من شفرات صوانية مثبتة في ثلم من العظم وله مقبض مزين ينحت على شكل حيوان، وتسمى هذه الحضارة أيضاً بحضارة الأدوات الدقيقةMicrolithic Culture  وقد رافقت هذه الأدوات الحجرية مجموعة من الجواريش والمدقات المصنوعة من البازلت ومن الحجر الطباشيري، ومن أبرز ثقافات هذا العصر في الشرق الأدنى الثقافة النطوفية Natufian Culture  نسبة إلى وادي نطوف قرب القدس بفلسطين. إن فلسطين تحتل مكانة متميزة في تاريخ الحضارة العالمية، فهي من أقدم المواطن التي عاش فيها البشر حيث وجد فيها (إنسان فلسطين) أو (إنسان جبل الكرمل) الذي يعده العلماء حلقة الإتصال بين الإنسان البدائي منتصب القامة Homo Erectus  والإنسان العاقل Homo Sapiens، كما دلت نتائج البحوث الأثرية على وجود قرى ومدن فلسطينية تفوق في قدمها ما عثر عليه من مواطن بشرية في الشرق الأدنى والعالم وقد بينت الآثار في فلسطين من هذا العصر، أسلوب دفن الموتى ووضع بعض الأدوات والملابس مع الموتى مما يشير إلى نشوء المعتقدات والشعائر بفكرة الحياة بعد الموت. ج- العصر الحجري الحديثNeolithic Age : وبعد مرحلة الإنتقال نحو حياة الإستقرار، شهد هذا العصر الأخير من العصور الحجرية أول ثورة في تاريخ الحضارة باكتشاف الزراعة، تلك الثورة التي غيرت حياة الإنسان كلياً ومهدت الأساس لقيام الحضارات في العصور التالية، ويختلف زمن بداية هذا العصر من منطقة إلى أخرى ولكن غالبية المؤرخين يرون أنه من الفترة من حوالي عام 8000 إلى حوالي 4000 ق.م وأقدم مكان شهد مراحل هذا التحول الحاسم في تاريخ البشرية هو مدينة أريحا* بفلسطين، حيث كشف العلماء فيها عن آثار قرية زراعية واسعة الأرجاء، يبدو أنها مرت بمرحلتين حضاريتين أطلق على الأولى (أريحا قبل اكتشاف الفخار) 8500-5500ق.م (Pre-Pottery Neolithic) ويلي ذلك (أريحا بعد اكتشاف الفخار) 5500-4500ق.م (Pottery Neolithic) ولا شك أن هذا التقسيم يبرز أهمية الفخار بالنسبة للدراسات الأثرية والحضارية لأنه دون غيره من المواد التي صنعها الإنسان سهل التشكيل وقليل الكلفة ويدوم زمناً طويلاً على الرغم من أنه سهل الكسر، ولكثرة الكسر التي قد تنتهي إليها الأدوات الفخارية فإن من الممكن إعادة تركيبها وتكوين فكرة عن شكلها حتى لو فقدت بعض تلك الكسر، وتعد الأواني والأدوات الفخارية المعيار الأفضل للتاريخ النسبي وتوضح تطور الفنون والمستوى الإقتصادي والإجتماعي للحضارات السابقة. وامتازت حضارة أريحا بكثرة الأواني الفخارية التي شكلها الإنسان من الطين أو الصلصال وجففها في الشمس أو داخل الأفران، واستعملها لخزن الطعام والشراب الفائض عن حاجته ليقيم أوده في فصول السنة غير الملائمة للزراعة فتبدلت تبعاً لذلك الحياة الإجتماعية ومعتقداته الدينية وتطورت وتنوعت أدواته الزراعية وأخذت القرى تنمو تدريجياً وفق مخطط بدائي فيه الطرقات والأزقة والمباني العامة أحياناً والأسوار والأبراج الدفاعية. وعرف الأنسان الفلسطيني في هذه المرحلة حياكة الملابس والمنسوجات وازداد استعماله للعظم والخشب في صناعة الأدوات والحلي وفي البناء. أما المعتقدات الدينية في هذا العصر فقد تركزت حول ظاهرة الخصوبة والتكاثر، وعثر على تماثيل طينية صغيرة لأنثى عارية تظهر أنوثتها كرمز لهذه الظاهرة وقد عرفت فيما بعد بآلهة الأمومة وفي أريحا بفلسطين تبين وجود معبد صغير لهذه الآلهة داخل بيت للسكن كما عثر على عدد من الجماجم البشرية شكلت وجوهها بالجبس بدقة وعناية ووضعت أصداف في محاجر الأعين ويظن العلماء أن هذه الجماجم البشرية تشير إلى عبادة السلف. د- العصر النحاسي الحجري Chalcolithic Age  4500-3200ق.م:     تلا العصر الحجري الحديث عصر أطلق عليه العلماء مصطلح (العصر الحجري المعدني) لأن الإنسان استخدم فيه المعادن وأولها النحاس إلى جانب الحجار الصوانية في الري والعيش داخل القرى، ولعل النحاس هو أول ما استخدمه الإنسان من المعادن فيما عدا حديد النيازك الذي كان يجده مصادفة ويتميز النحاس أنه يوجد قرب سطح الأرض مختلطاً بمواد يمكن صهرها وفصلها دون جهد كبير وتحت حرارة ليست شديدة جداً ومن المحتمل أن يكون سكان فلسطين قد اكتشفوه بالصدفة في صحراء سيناء وكان لاستعماله أثر بعيد في انتشار التجارة لأن مناجمه تتوزع في مناطق جغرافية محددة، وأدت التجارة به إلى إنتقال المهارات والصناعات من مكان إلى آخر، وانتهت بذلك العزلة النسبية التي ميزت حياة المجتمعات في العصور السابقة، وأهم الثقافات التي تظهر في فلسطين خلال هذا العصر هي ثقافة بئر السبع Beersheba Culture  وثقافة تليلات الغسول قرب البحر الميت  Ghassulian Culture  *وقد وجدت آثار هذه الثقافات في أنحاء فلسطين وخصوصاً في بيسان* وأريحا وغزة* وخان يونس* . وكان سكن فلسطين آنذاك عرباً أقحاحاً بدليل أن الهياكل العظمية البشرية التي عثر عليها في أنحاء البلاد تتطابق أوصافها التشريحية وسماتها البدنية مع أوصاف القبائل العربية القديمة من الكنعانيين والأموريين والفنيقيين وغيرهم. ويعتقد بعض المؤرخين وعلماء الآثار أن القبور التي عثر عليها في الكهوف الكبيرة المنتشرة في فلسطين والبالغ طولها مئات الأمتار، والمباني الحجرية الضخمة المعروفة بإسم (دولمنز) المبنية بكتل حجرية صوانية ضخمة على أسس دائرية والمنتشرة في فلسطين تدل على وجود قبائل كان أفرادها كبار الأجسام كالعمالقة أو العماليق، وهم قدماء العرب الذين هاجروا من شمالي الجزيرة العربية إلى فلسطين، وعرفهم البابليون باسم (ماليق) ثم أضافت التوراة إلى اسمهم لفظة (عم) بمعنى (الشعب) فقيل (عماليق)، أو (عمالقة) ومن أهم هذه القبائل عماليق وادي الرافدين أصحاب دولة بابل الأولى التي ملك عليها (حمورابي)، وعماليق وادي النيل الذين عرفهم المصريون باسم (هكسوس) Hyksos، وبقايا العماليق هم: عاد الأولى وطسم وجديس والأنباط والتدمريون وجرهم الأولى وغيرهم. هـ- العصر البرونزي: العصر التاريخي The Bronze Age  3200-1200ق.م : ويعرف هذا العصر بإسم عصر التحضر والمدنية، إذ أخذت تظهر المدن المحصنة في أماكن كثيرة من فلسطين مثل مدينة عاي قرب رام الله*، وتل بيت مرسم في جبل الخليل*، وبيسان وتل الدوير ووادي غزة وتل الفارعة وتل الجزر وأريحا ومجدو وتل النصبة وغيرها من المواقع، وتطورت القرى القديمة وتوسعت لتصبح مدناً محصنة بأسوار منيعة، ويعرف هذا الزمن أيضاً بالعصر التاريخي Historic Age . ويقسم هذا العصر إلى ثلاث مراحل حضارية كما يلي: 1- العصر البرونزي القديم Early Bronze Age  3200-1900ق.م : ازدهرت فلسطين ازدهاراً كبيراً خلال هذا العصر وانتشرت المدن في جميع الأرجاء وازداد عدد سكانها، وتطور الخزف فظهرت الجرار والأباريق المختلفة والأطباق والزبادي وغير ذلك من الأشكال الفخارية وكان أغلبها يطلى بألوان تتخذ أشكالاً هندسية، وفي أواخر هذا العصر ظهر في شمالي البلاد وخصوصاً في خربة الكرك في شمالي فلسطين قرب بحيرة طبرية نوع مميز من الخزف المطلي باللون الأسود أو الأحمر أو اللونين معاً ومصقولاً بدرجة عالية، وازدهرت صناعة الأدوات البرونزية من خناجر ورؤوس أسهم وتماثيل خصوصاً للآلهة الأم رمز الخصوبة والتكاثر، كما ظهرت صناعة الأختام ومنها ما كان مستورداً من وادي الرافدين، وتطورت صناعة الحلي وأدوات الزينة من قلائد وأساور وخواتم وخلاخيل وكان بعضها يزخرف بالحجارة الكريمة. 1-   العصر البونزي المتوسط Middle Bronze Age  1900-1550ق.م: شهد هذا العصر تطورات سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة نتيجة وصول موجات بشرية جديدة من العرب إلى فلسطين، وعرف هؤلاء العرب بإسم (العموريون) كما يعتقد المؤرخون بأن هجرة إبراهيم* الخليل عليه السلام حدثت في هذا العصر في نحو عام 1850ق.م. وقد ضعفت العلاقة التجارية والسياسية بين فلسطين ومصر خلال هذه الفترة على أثر هذه الغزوات الجديدة لأرض فلسطين وتدفق الغزاة في موجتين: واحدة شملت عناصر غير عربية وهم الحوريون وقد استولوا على شمالي الهلال الخصيب، والثانية خلال القرن السابع عشر ق.م، وشملت قبائل عربية توجهت نحو شمالي الوادي في الدلتا حيث أقاموا دولتهم فيها وقد عرفهم المصريون بإسم (هكسوس) ويعني الحكام الأجانب، ويعتبر عصر الهكسوس من العصور الزاهية في تاريخ فلسطين فقد جلبوا معهم المركبة الحربية الخفيفة ذات العجلتين التي يجرها حصان، الأمر الذي دفع بسكان البلاد الكنعانيين إلى بناء أسوار منيعة لصد هجمات المركبات الجديدة. وانتشر استعمال أواني فخارية مصنوعة على الدولاب السريع ومصقولة صقلاً جيداً ورقيقة الأشكال ومشوية بدرجات حرارة عالية فتبدو وكأنها أدوات معدنية، واكتشفت قبور مدهشة ذات محتويات من الأثاث الخشبي والمنسوجات والجلود وأدوات الزينة والأواني الفخارية المتنوعة. وفي أحد القبور بأريحا عثر على هياكل عظمية للخيول وهي عادة هندية أوروبية ولكننا نجدها في مدافن الهكسوس في تل العجول قرب غزة، ومن الأسلحة الجيدة التي ظهرت في ذلك الزمن السيف المنحني المصنوع من البرونز والقوس المركب، كما بلغت صناعة المعادن في عصر الهكسوس درجة عالية من الإتقان والجودة كما تقدمت صناعة الحلي والعاج والزخرفة تقدماً كبيراً وخصوصاً باستعمال العظم أوالعاج في تزيين المصنوعات الخشبية كالصناديق والأثاث. وقد عثر على بقايا هذه الحضارة في العديد من الأماكن بفلسطين في تل العجول وتل بيت مرسم وبيتين وبيسان ومجدو وتل الدوير وتل الفارعة وتل الجزر وتل القاضي وأريحا وبلاطة قرب نابلس*. ت – العصر البونزي الأخير Late Bronze Age  1550-1200ق.م: استطاع المصريون في بداية هذا العصر إنهاء حكم الهكسوس لبلادهم بقيادة الفرعون (أحموس) مؤسس السلالة الفرعية الثامنة عشرة ثم تفرغ لإرسال حملات عسكرية إلى فلسطين لإستعادة الهيمنة المصرية عليها ومطاردة الهكسوس في أنحاء البلاد والقضايا عليهم وقد واصل المهمة أحد خلفائه وهو الفرعون (تحوتمس الثالث) فقاد نحو ستا عشرة حملة عسكرية إلى فلسطين حتى وصل حدود وادي الرافدين عند نهر الفرات بشمالي سوريا. وفي القوائم المنقوشة على جدران معبد الكرنك من ذلك الزمن نجد أسماء نحو 231 مدينة فتحها المصريون في سوريا منها 119 مدينة في فلسطين بينها حاصور (تل وقاص) وشونيم (الشونة) وتعنك وعكا* ويافا* واللد* وراحوب وجازر وبيسان. ونجد أن قوائم الأسرى من عهد الفرعون (أمنحوت الثاني) إلى عهد (تحوتمس الرابع) 1450-1425ق.م تشير إلى الخليط السكاني في البلاد، ففيها ذكر (المريانو) وهم النبلاء من السكان الأصليين وزوجاتهم وأبنائهم وعشيقاتهم، والكنعانيين من الأمراء بالإضافة إلى (العبيرو) و(الشاسو) وهم القبائل البدوية و(الحورو). وقد عرف المصريون أرض الكنعانيين آنذاك بإسم (راتينو) ويرد إسم كنعان بصيغته الأكادية (كنخنو) وفي رسائل تل العمارنة (كنياخي)، وتعتبر رسائل تل العمارنة من أهم مصادرنا التاريخية عن فلسطين إذ تلقي ضوءاً كبيراً على أحوال البلاد وأسماء حكامها من الكنعانيين وعلى تكوين سكانها خلال القرن الرابع عشر ق.م وهي رسائل مكتوبة بالخط المسماري على ألواح طينية بين أمراء فلسطين وفرعون مصر، وقد نشطت الزراعة والتجارة والصناعة خلال هذا العصر وتطورت أساليب تحصين المدن بأسوار مبنية بالحجارة الضخمة يتخللها بوابات ثلاثية وأبراج للحراسة على جوانبها، أصبحت القصور تبنى حول ساحة داخلية تحيط بها الغرف. وأما المعابد فكانت تحتوي على غرفة مزدوجة بمذبح في الطرف المقابل للباب الرئيسي وأمامها ساحة مكشوفة، وكانت المدافن خارج أسوار المدينة. وفيها عثر على التحف والفخار والأسلحة والحلي وأدوات الزينة، وفي أغلب الأحيان كان المدفن يستعمل عدة مرات كما في العصر البرونزي المتوسط. وقد نشطت تجارة استيراد أواني فخارية من قبرص وبعض جزر حوض بحر إيجه، وأواني فخارية ورخامية من مصر، وعثر على تماثيل الإله (رشف) في عدد من المواقع الفلسطينية في تل أبو حوام وتل الدوير وفي مجدو (تل المتسلم). وحدثت تجارب للكتابة بأحرف هجائية بدلاً من الكتابة بالمقاطع كما كان الحال في مصر ووادي الرافدين فقد عثر على كتابة من (سرابيط الخادم) بصحراء سيناء وعلى جرة عليها كتابة من تل الدوير. وكان فن النحت قليلاً جداً في فلسطين آنذاك، ولكن عثر في تل بيت مرسم على تمثال إمرأة يلتف حولها ثعبان. على أن البلاد استوردت من المناطق المجاورة بعض المسلات الحجرية مثل تلك التي عثر عليها في بيسان ووضعها الفرعون (سيتي) تعبيراً عن سيادته على تلك المنطقة من فلسطين وكذلك عثر في (مجدو) على عدد من الأنصاب الحجرية المستوردة من مصر، واستمر أسلوب دفن الموتى في قبور جماعية كما في العصر السابق. و- عصر الحديد Iron Age  1200-539ق.م : يعتقد المؤرخون بأن لفظة (فلسطين) التي عرفت بها أرض الكنعانيين مشتقة من إسم إحدى القبائل التي هاجرت من آسيا الصغرى وجزيرة كريت إلى منطقة الدلتا بمصر خلال القرن الثاني عشر ق.م واسمها (فلستي) أو(بلستي) وهي من القبائل التي يذكرها المصريون في مدوناتهم باسم (شعوب البحر) وقد جلبوا معهم حضارة آسيا الصغرى وجزر بحر ايجة. ويتكون تنظيم الفلسطينيين القدماء سياسياً من اتحاد فدرالي بين مدنهم الخمس وهي: غزة وعسقلان* وأسدود* على الساحل وجات وعكرون في سفوح الجبال المقابلة بالإضافة إلى (تيمنات) التي يعتقد أنها المكان الذي حدثت فيه أسطورة لقاء شمشون مع دليلة. وعلى أثر ضعف الهيمنة الفرعونية على أرض الكنعانيين خلال القرن الحادي عشر ق.م استطاع الفلسطينيون توسيع مناطق نفوذهم ومهاجمة القبائل الإسرائيلية التي تسللت إلى البلاد زمن النبي موسى* عليه السلام، ولكن الإسرائيليين استطاعوا صد هذه الهجمات بعد أن توحدوا بزعامة أول ملوكهم وهو (شاؤول) ثم اتساع مملكتهم زمن النبي داود وابنه النبي سليمان عليهما السلام. ويعد زمن النبي سليمان من العصور الزاهية في تاريخ فلسطين من الناحية الحضارية وأهم آثاره: مباني الاسطبلات في مجدو التي تتسع لنحو 450 من الخيول وقد ذكرت في (سفر الملوك) الإصحاح الأول، الفصل 9 (15-19). وقصر الحاكم في مجدو أيضاً وكان بناؤه بالحجارة المشذبة التي يظهر استعمالها في فلسطين لأول مرة آنذاك ويعتقد بأنها من صنع العرب الفنيقيين الذين أقام معهم سليمان علاقات طيبة، كما نجد استعمال العمود المعروف بالتاج الأيوبي والبوابة المؤلفة من ثلاث دعامات أو جسور قليلة العرض يفصل بينهما زوجان من الأعمدة، ومسافة تفصل بين العمودين وهو طراز من البناء شاع استعماله سابقاً في شمالي سوريا وآسيا الصغرى ويعود أصله إلى العصر البرونزي المتوسط حيث جلب الهكسوس معهم هذا الأسلوب المعماري في التحصينات المدنية، وينسب لسليمان تاريخ الأفران التي كانت تستعمل لصهر النحاس في موقع تل الخليفة (عصيون جابر) قرب العقبة. وعلى أثر وفاة سليمان انقسمت مملكة إسرائيل إلى مملكتين متناحرتين، إحداهما في الشمال ومؤسسها (عمراي بن أخاب) واتخذ مدينة (ساميريا) عاصمته وقد احتلها الآشوريون وأقاموا مكانها ولاية آشورية. وأهم المكتشفات من ذلك الزمن مجموعة النقوش التي تلقى ضوءاً على أسفار التوراة وتشتمل على: تقويم تل جازر وفيه أوقات المواسم الزراعية وتاريخه القرن العاشر ق.م، وحجر مؤاب أو مسلة ميشع ويعود تاريخها إلى منتصف القرن التاسع ق.م. وكتابات بالحبر على قطع فخارية من سبسطية – ساميريا وعددها سبعون قطعة فيها قرارات وأوامر إدارية مختلفة، والنقش الموجود على مدخل نفق المياه بين سلوان* والقدس* بالحروف القديمة وتاريخه نهاية القرن الثامن ق.م . وأخيراً الكتابات على الأختام من القرن الثامن والسابع ق.م. ويلي ذلك من المصادر: عاجيات سبسطية من القرن التاسع والثامن ق.م وهي منحوتات فنية بالعاج على هيئة نباتات وحيوانات وأشكال آدمية تشبه بأسلوبها العاجيات الفنيقية والآشورية بنهاية القرن التاسع ق.م وتشير هذه الحاجيات الفلسطينية إلى تأثر البلاد بالفن المصري القديم، فالموضوعات فيها مقتبسة من الأساطير المصرية مثل أبو الهول وبالفنون السورية التي تتمثل بوجود صور الأسد والثور ومنظر (السيدة خلف النافذة)، وفي مجال العمارة يذكر التحصينات الدفاعية في سبسطية التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع ق.م والأسوار المزدوجة والبوابة الرئيسية للمدينة وجميعها مبني بالحجارة المشذبة. وفي دفن الموتى انتشر استعمال القبور المنحوتة داخل الصخر أو في الكهوف الصخرية حيث يوضع مع الموتى ممتلكاتهم من الحلي وأدوات الزينة والأسلحة والأختام والملابس بالإضافة إلى الطعام والشراب داخل أواني فخارية، واعتاد الفلسطينيون القدماء دفن موتاهم بتوابيت من الفخار وينحتون على أغطيتها صور الموتى. وعثر في مجدو على مجموعة من المنحوتات العاجية، من بينها صندوق صغير وعلى جوانبه صور أسود وحيوانات أسطورية مجنحة، وتمثال صغير لإمرأة وعصا صولجان عليها منظر ملك جالس على العرش المنحوت على التابوت (احيرام) من مدينة جبيل. وتراجعت صناعة الفخار في هذا العصر، وكثرت المستوردات منه من بلاد الفنيقيين التي اشتهرت بأنها الأجود في الصناعة والزخرفة. وكثر بناء خزانات المياه أو حفرها في الصخور كما استمرت صناعة تماثيل آلهة الخصب والتكاثر. المراجع:  –    سبتينو موسكاتي، الحضارات السامية القديمة(مترجم)، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1957م. –         شوقي شعث (محرر)، دراسات في تاريخ وآثار فلسطين، المجلد الأول، حلب، 1984م. –         عدنان الحديدي، تاريخ الشرق الأدنى القديم، منشورات جامعة القدس المفتوحة، عمان، 1994م. –         ول ديورانت، قصة الحضارة، مجلد1، ج2، بيروت، 1988م. –         Albright, W.F. The Archeology of Palestine, Penguin Books, Harmondsworth, Middlesex 1960. –         Anati, E., Palestine Before the Hebrews, Macmillian, NewYork, 1963. –         Kenyon, K.M., The Archeology of the Holy Land, Ernest Benn Ltd, Warminster, 1960. Perrot,J., Syria-Palestine, Nagel Publishers, Geneva, 1979.