الناصرة

في الناصرة* الطوائف المسيحية التالية: اللاتين، والروم الكاثوليك، والموارنة، والروم الارثوذكس، والبروتستات، والأرمن، والأقباط، والسريان. ولبعض تلك الطوائف وللرهبانيات الكاثوليكية الكثيرة (ومنها رهبانيتان محصنتان) مدارس ومياتم، ومدرسة للأولاد المتخلفين عقلياً، وأخرى للبكم والصم والمكفوفين، وثالثة إصلاحية، ومدرسة صناعية، ومدرسة اكليركية، ومستشفيات، وملجآن للمسنات، ودور ضيافة لزوار الأرض المقدسة. ذلك أن بلدية الناصرة مكانة كبيرة في الانجيل والمسيحية* فالانجيل يشهد أن مريم* أم السيد يسوع المسيح كانت تسكن الناصرة، وأن يوسف النجار كان يعمل هناك، وأن الناصرة هي الموضع الذي فيه بشر الملاك مريم بأنها ستكون أما للمسيح، وهي القرية التي عاش فيها المسيح نحو ثلاثين سنة قضاها في الصلاة والطاعة والعمل. وأما فليس غريباً تكاثر الأديار والكمائس في الناصرة. 1) كنيسة البشارة: وهي الكنيسة الأولى التي تجذب من يزور الناصرة. وتقوم في الطرف الجنوبي من الناصرة القديمة. وتذكر هذه الكنيسة ما يرويه القديس لوقا في الاصحاح الأول من انجيله (36 – 38) عما جرى هناك، وهو بشارة الملاك لمريم “وتأنس” كلمة الله على أثر تلك البشارة. وكنيسة البشارة الحالية كنيسة حديثة بنيت بين سنتي 1960 و1969. والحفريات التي أجريت لهذه المناسبة (1955-1960). أضفت النور على تاريخ الكنائس التي تعاقبت في هذا المكان المقدس وأسهمت في معرفة أكبر لها. تأتي الطليعة مغارة البشارة التي كانت تؤلف جزءا من مسكن مريم المبني على غرار ما كانت عليه مساكن الناصرة التي كشفت الحفريات عن كثير من بقاياها. وقد خض الأهلون المسيحيون هذه المغارة بأعظم اكرام منذ القدم لأنها أقدس أماكن المسيحية. وحرصت جميع الكنائس المتعاقبة أشد الحرص على حفظها. وتبادل الحفريات على أنه كان هناك كنيسة صغيرة بالقرب من المغارة منذ القرن الثالث الميلادي. ومن الكتابات الموجودة كتابتان جديرتان بالذكر هما: “السلام يا مريم” و”هنا مكان مريم المقدس”. أقيمت بدل الكنيسة المذكورة كنيسة بيزنطية مرصوفة بالفسيفساء (427م) وفيها درج ينزل عليه من القسم الشمالي منها إلى المغارة. وقد بقيت هذه الكنيسة حتى القرن الحادي عشر أو القرن الثاني عشر عرضة للخراب تارة والترميم طوراً. وقد شاهدها نتائج سنة 570م فكتب فيها: “ان بيت مريم هو الآن بازيليكا Basilique”، أي كنيسة من الدرجة الأولى أقل مرتبة من الكاتدرائية. وفي أوائل القرن الثاني الميلادي أقام الصليبيون على أنقاض الكنيسة المذكورة كنيسة أخرى أكبر منها، بل أكبر من الكنيسة الحالية. وكانت المغارة ضمن القسم الشمالي من الكنيسة وينزل اليها بدرج. وقد صلى (القديس) لويس التاسع ملك فرنسا في الكنيسة سنة 1254م، وبعد ذلك بعشر سنوات كان آخر العهد بها. وتوالت القرون. وفي سنة 1620م سمح الأمير المعني فخر الدين بن قرقماز* للأباء الفرنسسيين بأن يأتوا إلى الناصرة فحصلوا على مكان الكنيسة. وبعد ذلك (1730م) بنوا في سبعة أشهر كنيسة خالية من كل مظهر فني وتتجه من الجنوب نحو المغارة. والكنيسة الحالية امتد بناؤها من 1960 إلى 1969 بعد كشف وافٍ عن جميع آثار الماضي، ودرس تام لكل عنصر من تلك الآثار. وقد أسهم العالم الكاثوليكي في هذا المشروع وأقبل مختلف رجال الدين الدوليين على جعل الكنيسة الجديدة جديرة بالذكريات الانجيلية التي أقيمت لها. وتتألف الكنيسة الجديدة من الكنيسة السفلى والكنيسة العليا، وطولهما معاً 67,85م وعرضهما 28,60م وطولهما 20م، مع قبة علوها 57م. وقد أفرغ الجهد في أن تحافظ الكنيسة السفلى على كل ما تبقى من الكمائس السابقة وأن تكون مغارة البشارة محور كل هذه التحفة الفتية. ففي سقف الكنيسة السفلى فتحة كبيرة تمكن من رؤية المغارة من الكنيسة العليا. والقبة التي تعلو السقف تخيم على المغارة. وهكذا فإن من يدخل الكنيسة السفلى يلاحظ على الفور أن بقايا الكنائس السابقة ما زالت حتى آن تشهد على مقدار تكريم الأجيال المتعاقبة للسيدة مريم العذراء في بيتها وفي بشارتها. وتزين الكنيسة السفلى زخارف شتى من جملتها تمثيل للقاء قداسة أثينا غورس بطريرك القسطنطينية وقداسة البابا بولس السادس الذي زار هذه الكنيسة وخاطب فيها العالم كله سنة 1964. وما زال العمل فيها مستمراً. وبما يجذب النظر في الكنيسة العليا ما فرشت به أرضها من رسوم تذكر بالمجامع الكنيسية التي كان البحث بدور فيها عن العذراء مريم. والصور التي تبرعت بها مختلف الشعوب المسيحية وتمثل العذراء مائلة على جدران الكنيسة بحسب فن كل شعب. وما يتصدر حية الكنيسة من رسوم تشيد بكنيسة المسيح في ضوء المجتمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965). ويقوم خارج الكنيسة شمالاً مكان العماد، وفي هذه النواحي آثار كثيرة من ضيعة الناصرة القديمة. 2) كنيسة القديس يوسف: تقع على بعد 150 م شمال كنيسة البشارة. وقد بنيت سنة 1914 على آثار كنيسة صليبية، وسبقتها كنيسة قديمة لليهود المتضرين تذكرة بالموضع التقليدي الذي كان فيه بيت القديس يوسف. فإلى هذا البيت جاء يوسف بمريم نزولاً عند أمر الملاك (متى 1: 20-24) وفيه عاشت الأسرة المقدسة (يسوع ومريم ويوسف) وقضى يسوع نحو ثلاثين سنة. وفيه أو في جواره كان يسوع يعمل بيديه. 3) كنيسة القديس جبرائيل أو البشارة للروم الأرثوذكس: على بعد 800م من كنيسة البشارة على طريق طبرية تقع عين ستنا مريم. وقد بنيت سنة 1862 ودعيت كذلك لأن مناءها يجري من عين الناصرة التي كانت مريم تردها كسائر نساء القرية. وهذه العين قريبة من كنيسة الروم الأرثوذكس المدعوة “كنيسة مار جبرائيل” أو”كنيسة البشارة”. وقد بناها الروم الرثوذكس سنة 750م بغض النظر عما طرأ عليها من التجديد والتزيين على آثار كنيسة كانت معروفة أيام الصليبيين، وقد يكونون هم الذين بنوها مكان بناء أقدم. وفي القسم الشمالي من الكنيسة ينزل إلى بناء معقود قديم جداً تجري فيه ماء العين. وكان هذا البناء يؤلف القسم الأسفل من الكنيسة المعروفة أيام الصليبيين. ويعود اسم الكنيسة إلى ما ورد في انجيل يعقوب (وهو انجيل غير قانوني برأي بعض الطوائف) من أن الملاك جبرائيل ظهر للعذراء وهي قادمة بجرتها لترد الماء فتركت الجرة من خوفها وركضت إلى بيتها حيث وافاها جبرائيل بالبشارة. 4) كنيسة الروم الكاثوليك والمجمع القديم: في ساحة كنيسة الروم الكاثوليك تشاهد على بعد 150م شمالي الكازانوفا عن اليسار كنيسة صغيرة تسلمها الروم الكاثوليك سنة 1771م. ويقول تقليد من القرن السادس الميلادي انه كان يقام هناك المجمع الذي كان المسيح يتردد إليه في الناصرة وفيه جرى ما يرويه القديس لوقا في الفصل الرابع من انجيله (14-30) من مصارحة المسيح مواطنيه بأن ملكوت الله ليس موقوفاً عليهم وعلى أمتهم بل مفتوح لجميع الناس. فثار ثائر الجماعة لما سمعوا هذا الكلام ودفعوا المسيح إلى خارج الضيعة كي يفتكوا به. هذه هي أهم كنائس بلدية الناصرة التي كان يقال فيها أيام المسيح: “أو يخرج من الناصرة شيء صالح” (يوحنا  1: 46) ومنها خرج المسيح. وبعد ألفي سنة ما زالت الناصرة، بسبب ذلك، من أهم مراحل الحجاج المسيحيين.   المراجع:   Bagatti, B.: Gli Scavi di Nazret, Gerusalemme 1979. Bagatti, B.: La Terra Santa, Gerusalemme 1978. J.: L’Eglise Judeo-Chretienne de Nazareth, Jerusalem 1975. J.: Guide de Terre Sainte, Jerusalem 1979. Hoade, E.: Guide to the Holy Land, Jerusalem 1979. M.J. Nazareth, Jerusalem 1967.