يوسيفوس فلاويوس

من أبرز المؤرخين اليهود القدماء في فلسطين. ومؤلفاته هي المصدر الرئيس لتاريخ اليهود وحوادث تمردهم على الحكم الروماني. ولد يوسيفوس في القدس* من أسرة يهودية ذات مكانة دينية واشتهر منذ شبابه بانصرافه إلى دراسته الشريعة اليهودية. وبعد اعتكافه في السادسة عشرة من عمره مع جماعة من الزهاد التي كثر عددها في عصر المسيح انضم إلى طائفة الفرنسيين* الذين كانوا يدعون إلى التمسك بتعاليم التوراة* والتقاليد الحرفية المتناقلة عن السلف. وفي سنة 64 م سافر يوسيفوس إلى روما ونجح في اطلاق سراح بعض الكهان يهود المسجونين في العاصمة الرومانية. وقد أعجب بحضارة روما ومظاهر رفاهيتها وثقافتها، ولا سيما قوتها وتنظيماتها العسكرية. وما كان يعود إلى القدس حتى اشتغلت ثورة اليهود على الرومان في سنة 66م. وقد عارض يوسيفوس هذا التمرد ودعا في السنهدرين مع كثير من الكهان إلى التفاوض والتفاهم مع الحكام الرومان. ولكنه اضطر فيما بعد إلى الانضمام إلى الثوار. وقد استطاع الجيش الروماني بقيادة فسبسانوس* القضاء بسرعة على المقاومة اليهودية في الشمال سنة 67م. وتخلص يوسيفوس من الأسر اذ تنبأ بأن فسبسيانوس سيتولى عرش الامبراطورية قريبا. ولما تحقق ذلك سنة 69م نال حظوة لدى أسرة الامبراطور فسار مع فسبسيانوس إلى الاسكندرية، ثم انضم إلى جيش تيتوس ابن فسبسيانوس عندما جاء لمحاصرة القدس سنة 70م. وبعد سقوط المدينة وقتل سكانها وتهديم الهيكل انتقل يوسيفوس إلى روما ليسكن فيها حتى آخر حياته. وقد انتسب إلى أسرة الامبراطور واتخذ اسم “يوسيفوس فلاويوس”، ومنح راتبا ضخما واقطع أرضا في فلسطين فانصرف إلى التأليف. كان أول مؤلف ليوسيفوس هو كتاب “الحرب اليهودية” في سبعة أجزاء، وقد كتبه باللغة الآرامية. ولكن نسخته الأصلية ضاعت وبقيت ترجمتها اليونانية التي أشرف عليها يوسيفوس بنفسه واستعان ببعض الكتاب اليونانيين لاخراجها في أسلوب قصصي ولغة فصيحة فجاءت لغتها مختلفة عن لهجته اليونانية المنعثرة البعيدة عن الصقل والرشاقة في مؤلفاته الأخرى. استعرض المؤلف في الجزءين الأولين خلاصة تاريخ اليهود من استيلاء أنطيوخوس الكبير على القدس سنة 198 ق.م. إلى تمرد اليهود من سنة 66-70م، وقد اعتمد في ذلك على مؤرخين سابقين، ولا سيما المؤرخ والفيلسوف اليوناني نيقولا الدمشقي الذي كان قد ألف كتابا ضخما في تاريخ العالم فحفظ لنا يوسيفوس مقاطع هامة منه. ثم وصف حوادث الحرب اليهودية التي اشترك فيها بنفسه فانتقد الثوار اليهود وهاجمهم بقسوة. وسعى في كتابه إلى اقناع اليهود المشردين بأن روما لا تغلب، وأن من الجنون التفكير في مقاومة الجيوش الرومانية. وقد تعرض يوسيفوس لنقمة اليهود الذين اعتبروه مرتدا وخائنا لشعبه، ولم يغفروا له انحيازه إلى الرومان حتى بعد أن ألف كتابه الضخم عن “آثار اليهود القديمة” في عشرين مجلدا. وقد بدأ هذا الكتاب بتاريخ اليهود من بدء الخليفة إلى تمردهم (66-70م)، ولم يعتمد في هذا الكتاب على العهد القديم حسب الترجمة السبعينية فحسب بل اعتمد كذلك على مؤرخين يونانيين ورومان، وحاول أن يدافع عن شرائع اليهود وتقاليدهم بالبراهين العقلية وأن يجرد عقائدهم من روح التعصب ويلائم بينها وبين الثقافة الهلنستية المعاصرة. ولا يخلو الكتاب من التدقيق والترقيع، ويبدو عليه الضعف في الأسلوب. ولكن قيمته تعود إلى المقاطع المنقولة فيه عن مصادر قديمة ضاعت ولعل من أهم الأخبار التي تضمنها ما ورد في الجزء الثامن عشر عن المسيح. وقد اشتهر هذا المقطع باسم “الشهادة الفلاويوسية” التي ثار حولها الجدل فاعنبرها الكتاب المسيحيون شاهدا على حياة المسيح من كاتب معاصر في حين وصفها النقاد بأنها مزيفة ومدسومة. وهناك كتاب آخر يستحق الاهتمام عنوانه “ضد  أبيون” ألفه يوسيفوس للرد على الفيلسوف اليوناني الذي انتقد اليهود واتهمهم بالفساد والتخلف. وقد أثبت يوسيفوس في هذا الكتاب تمسكه بديانته واخلاصه لعقيدته الفرنسية واليهودية عموما، ولكنه لم يستطيع أن يتجرد من أنانيته وغروره وقسوته، كما كشف عن تزلفه لحكام واحجامه عن كل تضحية، الأمر الذي دفع معاصريه إلى احتقاره. تعد مؤلفات يوسيفوس في نظر الكثيرين من أهم المصادر عن تاريخ اليهود وفلسطين في العهد الهليسنتي، وقد طبعت مرارا وترجمت إلى عدة لغات.   المراجع:   – Encyclopedia Britannica. – Encyclopedia Universatis. – Thackeray H.St.J: Josephus, the Man and Historian London 1929 – Williamson.G.A.: The World of Josephus, London and New York 1964.