عربة

انتهت حرب 1948* بتوقيع اتفاقيات هدنة دائمة بين الأردن ولبنان ومصر وبين (إسرائيل )*، وبالتالي التفتت الحكومة الإسرائيلية لتفريغ الأراضي المحتلة من سكانها الأصليين، تطبيقاً لمخطط الصهيونية في المحافظة على “نقاء الدولة”. فسعت إلى الضغط على العرب بشتى الوسائل لاجبارهم على النزوح. وعمدت إلى ترحيل العرب بشتى الوسائل لاجبارهم على النزوح. وعمدت إلى ترحيل العرب من القرى الحدودية إلى داخل البلاد، بداعي الأمن، ووضعتهم في مناطق جرداء قاحلة، حيث فرضت عليهم الإقامة الجبرية، لا يخرجون من مناطق تجمعهم إلا بتصريح خاص، نادراً ما كانوا يحصلون عليه، كما أنها في بعض القرى منعت الأهالي من الخروج إلى مزارعهم إلا بتصريح تماثل هذا الصعوبات الجمة التي يصادفها أي عربي إذا ما حاول الحصول على تصريح لزيارة أهله أو أصدقائه في قرية مجاورة. ولم تعدم سلطات الاحتلال وسيلة لايجاد مختلف الأعذار لاعتقال الشبان، وأنشأت لذلك معسكرات خاصة في مناطق بعيدة عن العمران، تفتقر إلى أدنى متطلبات الحياة، تحشد فيها العرب دون تمييز في السن أو الجنس، وبدون أي سبب سوى رغبتها في أن تذيقهم شتى أنواع التعذيب والإذلال، وتجبرهم على التخلي عن أرضهم وطنهم وممتلكاتهم. وقد فرضت السلطات العسكرية الإسرائيلية حظراً تاماً على أنباء هذه المعتقلات فلم يسمع بها أحد، ولم يتصور مكان وجود مثلها إنسان، حتى كانت مأساة وادي عربة التي كشفت هذه الأعمال الوحشية. تفتق ذهن قائد معسكر الاعتقال في مستعمرة جديراه (المبنية على أراضي قرية قطرة* العربية) جنوب فلسطين عن أسلوب جديد يرهب به المعتقلين ويتخلص من بعضهم نهائياً، فاختار يوم 31/5/1950 وعشرين شخصاً من مختلف الأعمار، بينهم أطفال لم يتجاوزوا الثامنة من العمر وشيوخ تخطوا الثمانين، وكدسهم في سيارتي نقل وسيقوا تحت الحراسة، عبر بئر السبع* نحو وادي عربة* القاحل، الواقع بين البحر الميت* وخليج العقبة*، حيث لا ماء ولا نبات ولا حياة. وطلب الحراس منهم النزول من السيارتين في موقع يدعى عين حصب*، ثم وزعوهم إلى مجموعات يتراوح عدد كل منها بين أربعة وخمسة أشخاص. وأشار قائد الحرس إلى جبال بعيدة في الشرق قائلاً: “هذه الجبال هناك واقفة ضمن أراضي المملكة الأردنية وما عليكم سوى الوصول إليها لتخلصوا من وضعكم الحالي، وإن هذا الاجراء لصالحكم” وما أن أنهى كلامه حتى أمر المجموعة الأولى بالانطلاق عدواً نحو الجبال مؤكداً أمره باطلاق النيران فوق رؤوسهم وحولهم لارهابهم، وكرر الاجراء نفسه مع المجموعات الأخرى. ولم يزود هؤلاء المساكين بماء أو زاد عند اطلاقهم بل على العكس من ذلك، سكب الحرس المياه على الرمال أمام عيون المعتقلين العطش، إمعاناً في التعذيب. توقع قائد المعسكر والسلطات الإسرائيلية موت جميع هؤلاء في ظل الظروف الطبيعية القاسية وحال المعتقلين الصحية. ولكن إرادة الحياة أدت إلى وصول بعضهم شبه أموات، يروون للعالم أجمع أساليب الصهيونية* الوحشية وسوء معاملتها للسكان العرب الذين لا ذنب لهم سوى اصرارهم على البقاء في وطنهم وأرضهم. وقد اتضح من الفحوص الطبية التي أجريت على الناجين أنهم تعرضوا خلال فترة اعتقالهم لأنواع متعددة من التعذيب الجسدي، كالجلد بالسياط وتحطيم الأسنان وقلع الاظافر. شكلت لجان متعددة، من مختلف المنظمات، وقابلت الأحياء واستمعت إلى إفاداتهم وشاهدت آثار التعذيب. وفي جامعة الدول العربية ملف ضخم كامل مزود بالصور يروي المأساة، ويشهد بوحشية الصهيونيين وبربرتهم.   المرجع:   – الأمانة لجامعة الدول العربية: اعتداءات إسرائيل قبل هجوم 29 اكتوبر 1956 على مصر، القاهرة 1958.