إخراج الفلسطينيين من ديارهم

قدر الصهيونيون أن إرهاب الفلسطينيين العرب وإخراجهم من ديارهم سينسيانهم حق العودة إليها، أو أنهم سيتنازلون عن حقوقهم السياسية في بلادهم يذوبانهم في البلاد العربية المجاورة. فلما أظهر الفلسطينيون كل تمسك ببلادهم وحقوقهم، وخاب تدبير الصهيونيين، أراد الصهيونيون تضليل الرأي العام، فافتروا على العرب الكذب، وقالوا إن زعمائهم أمروهم بالخروج حتى يخلوا الميدان للحرب بين الجيوش العربية والإسرائيليين، وزعموا أن العرب لم يخرجوا ولم يكرهوا على الخروج. وأول ما يلاحظ على هذا الزعم أنه لم يصدر في وقت الحوادث بل بعدها بكثير، إذ لم يذكره الوزراء الإسرائيليون، لا تصريحاً ولا تلميحاً، عندما كان وسيط الأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت في خريف 1948 يحثهم على وجوب رجوع العرب الذين أخرجوا من بيوتهم بسبب الحرب، أي يشير العصابات الإرهابية أولاً، ثم بتدبير الجيش الإسرائيلي ثانياً. وثاني ما يلاحظ أن الدعاية الإسرائيلية لم تسم زعيماً عربياً واحداً أصدر الأمر المزعوم، ولم تذكر في أي تاريخ كان صدوره، ولا من أي محطة في فلسطين أو خارجها أذيع، ولا في أي جريدة في فلسطين أو خارجها نشر. وثالث ما يلاحظ أن أمراً كهذا لا يمكن أن يصدر دون أن تعلم به الصحف العربية والصحف الأجنبية ومحطات الإذاعة الصهيونية السرية ومحطات الإذاعة الأجنبية. فلا ذكر للأمر المزعوم في الصحف العبرية، ولا ذكر له في الصحف الأجنبية حتى تلك التي كانت ميالة إلى الصهيونيين. والواقع أن الصحف العبرية ومحطات الإذاعة الصهيونية ذكرت أوامر للزعماء العرب بالصمود لا بالخروج. وحدث أن اهتم بالموضوع صحافي إرلندي اسمه إرسكين شلدرز عندما كان ضيفاً على وزارة الخارجية الإسرائيلي، فطلب التفصيلات، ووعده المسؤولين في (إسرائيل) بتقديمها، وأخلفوا وعدهم وهو بينهم، ثم أخلفوه بعد سفره وتذكيرهم به كتابة. فدفعه ذلك إلى التحقيق، فاكتشف أن الزعم الصهيوني لا أساس له. فراجع الصحفي المذكور سجلات هيئة الإذاعة البريطانية وسجلات وكالة الأنباء المركزية (الأمريكية) الخاصة بكل ما أذيع في اللغات العربية والعبرية والإنكليزية من فلسطين والبلاد المجاورة في سنتي 1947 و1948، وقد سجلت هذه الإذاعات يوميا في قبرص. وكانت النتيجة برهاناً آخر على اختلاق الأمر المزعوم.  وعنوان ما كتبه الصحفي الإرلندي هو “الخروج الآخر”. وهو يقصد خروج العرب من فلسطين، بالمقابلة مع خروج الإسرائيليين القدماء من مصر. والعنوان مستمد من سفر الخروج في التوراة*. ومن المؤسف أن كثيرين من كتاب العرب، حتى بعض الاختصاصيين قد استعملوا هذا الاصطلاح غفلة منهم أو تقليداً للأوروبيين. وكان الواجب عليهم أن يقولوا “إخراج” بدلاً من “خروج” فالأول ينطبق على ما حدث للفلسطينيين غير المحاربين بإرعابهم وإرهابهم وإخراجهم بالعنف والقوة من بيوتهم. أما الخروج فيوحي بمعنى الحرية والاختيار. لا جدال أن بعض العرب قد خرجوا من تلقاء أنفسهم. ولكن الأكثرية الساحقة قد أُخرجت كرها. أما الأولون فكانوا أقلية من الأغنياء والتجار الذين لهم أقارب أو متاجر في البلاد المجاورة. وكانت بيوت هؤلاء غالباً في الأطراف بين بيوت العرب وبيوت اليهود في البلدان المختلطة. فالضرر من خروج هؤلاء ظهر عند اشتداد القتال إذ اعتصم الصهيونيون في البيوت الخالية لإطلاق النار منها على الأحياء العربية المجاورة. ولكن ما الأوامر التي أصدرها الزعماء العرب فعلاً ؟ كان الأمر الأول ما أصدرته اللجنة القومية في حيفا. فقد جاء في بيان لها: “نرجو أن يتذرع كل عربي وعربية بالثبات، وألا تغره الشائعات وأن يظل في مركزه وعمله “وجاء في بيان آخر “اثبتوا في منازلكم ولا تخلوها ولا تذعنوا للتهديد” وأهم من ذلك أمر الهيئة العربية العليا لفلسطين*، فقد منعت الخروج حتى للأطفال في برقية مؤرخة في 3/3/1948: “هجرة الأطفال وغيرهم من فلسطين إلى دمشق وبيروت مضرة بالمصلحة. راجعوا الجهات المختصة في دمشق وبيروت لمنعها”. وكانت الهيئة قد طلبت من الحكومات العربية عدم السماح لأي فلسطيني قادر على حمل السلاح بدخول بلادها، ولم تستثن من ذلك إلا الطلاب والمرضى.  هذه هي الأوامر التي ذكرتها الصحف العبرية، وهذه هي الأوامر التي أشار إليها راديو الهاغاناه*، دون الإشارة إلى أي أمر آخر يحالفها، داخل فلسطين أو خارجها. وتوجد تسجيلات مرصدة متكررة لنداءات، بل لأوامر صريحة عربية إلى سكان فلسطين بأن يبقوا في ديارهم. فقد أذاعت محطة جيش الإنقاذ* من دمشق يوم 4/4/1948 أن غرض الصهيونيون هو إرهاب العرب غير المحاربين، فهم الذين أرعبوا المدنيين بما أذاعوه من محطاتهم وما قالوه بمكبرات الصوت بوجوب إخلاء المدن والقرى من النساء والأطفال. وأذاعت محطة جيش الإنقاذ أيضاً من دمشق يوم 24 نيسان حين بلغ إخراج الفلسطينيين من ديارهم حداً كبيراً: “بعض العناصر والعملاء اليهود ينشرون أخباراً إنهزامية ليخلقوا الفوضى والذعر بين السكان المسالمين. وإن بعض الجبناء يتركون بيوتهم أو قراهم أو مدنهم. إن العملاء الصهيونيين والجبناء الفاسدين سوف يعاقبون بشدة”. وبرهان ذلك الأمثلة الآتية: 1) في أوائل شباط 1948 ذهب وفد من اللجنة القومية في القدس إلى حي الطالبية واقترح على سكانه العرب تعيين حرس وطني للمحافظة على الأمن. وكان سكان هذا الحي وأصحاب معظم البيروت فيه من النصارى العرب (من طائفة البروتستانت) وكان فيه قليل من اليهود في بيوت عربية مستأجرة. ولهذا السبب رأى السكان عدم استفزاز اليهود، فاعتبرت الهاغاناه هذا علامة ضعف، وعينت هي حرسها يطوف الحي ليلاً ونهاراً. فلما أطلقت النار على أحدهم طافت سيارة عليها مكبر للصوت، بعد ظهر اليوم نفسه، تأمر بلغة عربية: “على جميع العرب في الطالبية أن يخرجوا حالاً”. فخرج معظمهم، ولكن توسط مطران الإنكليز مع المندوب السامي جعل الحي “منطقة سلامة” بإحاطته بأسلاك شائكة، ووضع حرس بريطاني على مداخل الحي فلا يدخلها إلا من معه بطاقة رسمية. 2) انسحب الجيش البريطاني من مدينة حيفا إلى منطقة مينائها في 21/4/1948. ويذكر مناحيم بيغن في كتابه “الثورة” ما قاله مراسل حربي يهودي هو آرثر كوستلر الذي كان في المدينة بعد ذلك بشهر، وأن الهاغاناه بدأت حرب الأعصاب تمهيداً للهجوم العسكري، فأخذت مكبرات الصوت تخوف العرب غير المحاربين من أهوال الحرب، وتحثهم على أن يخرجوا نساءهم وأطفالهم من المدينة، بل تعدهم بسلامة المرور من المنطقة اليهودية إلى بلد عربي يختارونه، ثم تنذرهم بسوء المصير إذا هم لم يقبلوا “النصيحة”. 3) عندما اشتد هجوم عصابة الإرغون* في حي المنشية في يافا من جهة تل أبيب في 28 نيسان، وهجوم الهاغاناه على الأحياء المتطرفة من جهة الجنوب، سمع السكان غير المحاربين إذاعات من راديو الهاغاناه وغيره تخبرهم بما حل بحيفا وغيرها من المدن والقرى. ويقول قائد الإرغون بيغن (الذي أصبح فيما بعد رئيس وزراء إسرائيل) إن العرب هربوا من بيوتهم في اتجاه الميناء وهم يصيحون: “دير ياسين”. 4) شهد صحافي يهودي انتهاء الانتداب البريطاني في القدس وإعلان (دولة إسرائيل)، فسجل في مذاكرته في يوم 15/5/1948 أن مكبرات الصوت كانت تنذر السكان المدنيين باللغة العربية بوجوب الخروج من المدينة حالاً على الطريق إلى أريحا. ومن تلك الإنذارات “أشفقوا على نسائكم وأطفالكم وأخرجوا من هذه المعمعة الدموية”. أما المسلحون فطلب منهم أي يسلموا سلاحهم أو أن يهربوا على الطريق إلى أريحا “أما إذا بقيتم فستجلبون المصيبة إلى أنفسكم”. هذه بعض الشواهد على ما فعله الصهيونيون بالعرب من أجل إخراجهم من وطنهم. إلا أن العامل الأكبر والأهم في اغتصاب فلسطين وطرد العرب من ديارهم كان الإرهاب الذي مارسه الصهيونيون على شكل عمليات متنوعة وعديدة، قصدوا من ورائها إجبار العرب على الهرب بأرواحهم وأنفسهم من القتل والإبادة (رَ: الإرهاب الصهيوني). وليست العمليات الإرهابية التالية التي جرت جميعها قبل إعلان قيام (إسرائيل) سوى بعض ما اقترفه الصهيونيون لتحقيق غرضهم: ففي 19/12/1947 هاجمت الهاغاناه قرية الخصاص* في شمال فلسطين، وقتلت عشرة من سكانها العرب. وفي 29/12/1947 ألقت عصابة إرغون برميلا مملوءا بالمتفجرات عن باب العامود بالقدس فقتل 14 عربياً وجرح 27، وفي اليوم التالي رمت عصابة إرغون من سيارة مسرعة في القدس قنبلة انفجرت فقتلت 11 عربياً وبريطانيين أثنين. وفي 31/12/1947 هاجمت الهاغاناه قرية بلد الشيخ* على سفح جبل الكرمل* وقتلت 17 عربياً وجرحت 33. في 4/1/1948 وضعت عصابة إرغون سيارة مملوءة بالمتفجرات بجانب الرأي القديمة في يافا فهاجمتها وما جاورها وقتلت 30 عربياً وجرحت 98. وبتاريخ 5/1/1948 هدمت الهاغاناه بالمتفجرات فندق سميراميس في حي القطمون بالقدس فقتل 18 عربياً وعربية وجرح عشرون. وبدأ بعد ذلك نزوح سكان الحي لقربه من الأحياء اليهودية. وفي 7/1/1948 قتل 18 عربياً وجرح 41 بقنابل رمتها عصابة إرغون في أماكن مختلفة. وفي 16 كانون الثاني دخل صهيونيون متخفون بلباس الجنود الإنكليز مخرناً بقرب عمارة المغربي في شارع صلاح الدين في حيفا بحجة التفتيش، ووضعوا فيه قنبلة موقوتة انفجرت فهدمت العمارة وما جاورها، وقتلت 31 من الرجال والنساء والأطفال وجرحت ضعف هذا العدد. وفي يوم 28 كانون الثاني دحرج صهيونيون من حي الهادار المرتفع على شارع عباس العربي في أسفل المنحدر برميلاً مملوءا بالمتفجرات فهدم البيوت على من فيها، وقتل عشرون شخصاً وجرح نحو خمسين.  وفي 14/2/1948 هاجمت الهاغاناه قرية سعسع* في الجليل وقتلت 11 عربياً، وفي 20/2/1948 سرقت عصابة شتيرن (ليحي*) سيارة جيش بريطانية وملأتها بالمتفجرات، ثم وضعتها أمام بناية السلام في القدس فقتلت 14 عربياً وجرحت 26. وفي 13/3/1948 هاجمت الهاغاناه قرية الحسينية* في الجليل فهدمت بيوتها بالمتفجرات وقتلت أكثر من ثلاثين عربياً. وبتاريخ 31/3/1948 فجر الصهيونيون ألغاماً تحت قطار إلى الجنوب من حيفا فقتلوا أربعين عربياً وجرحوا كثيرين. وفي 9/4/1948 نفذ الصهيونيون مذبحة دير ياسين*. وفي اليوم التالي هاجمت الهاغاناه قرية ناصر الدين* من أعمال طبرية وأحرقتها، وقتلت معظم سكانها وأخرجت الباقين تمهيداً للهجوم على مدينة طبرية (رَ: ناصر الدين، مذبحة). كما هاجمت في اليوم نفسه قرية قالونيا* بين القسطل* والقدس وأحرقتها. وبتاريخ 13/4/1948 هاجمت الهاغاناه قرية اللجون* من أعمال جنين وقتلت 13 عربياً. كما هاجمت في 16/4/1948 قرية ساريس* على الطريق إلى القدس، وهدمت معظم بيوتها، وطردت سكانها، واحتلت في 19/4/1948 مدينة طبرية “وسهل” الجيش البريطاني ترحيل العرب (رَ: طبرية، معركة).  وقد بلغ عدد العرب غير المحاربين الذين أخرجوا من ديارهم بين 175 ألفاً و200 ألف من الرجال والنساء والأطفال. هذا بعض ما فعله الصهيونيون حتى 15/5/1948. أما بعد ذلك فقد تصرف الجيش الإسرائيلي كما تصرفت العصابات الإرهابية نحو غير المحاربين من المدنيين. ففي الحادي عشر والثاني عشر من تموز 1948 هاجم الجيش الإسرائيلي مدينتي اللد والرملة، ولم يكن فيهما جيش عربي (أردني أو عراقي أو مصري)، فكان احتلالهما يسيراً. وحالاً أذاع الجيش الإسرائيلي بمكبرات الصوت يأمر السكان بالخروج من منازلهم “للتفتيش”، فكان هذا “تشليحاً” ونهبأ للدراهم والحلي والساعات وأقلام الحبر. بعد ذلك استولى الجيش على وسائل النقل، وأمر الناس بالمشي في شهر رمضان وحر تموز نحو الشرق إلى رام الله (رَ: اللد والرملة، معركة). ونكتفي هنا بالإشارة إلى ما كتبه إسحق رابين رئيس وزراء (إسرائيل) السابق، وقائد لواء “هاريل” في حرب 1948* الذي احتل اللد والرملة. فقد كتب هذا في مخطوطة مذكراته التي نشرت عام 1979 أن بن غوريون أمره وبيغال آلون بطرد سكان اللد والرملة البالغ عددهم خمسين ألف عربي من بيوتهم وتهجيرهم. واستعمل الإسرائيليون القوة والارهاب لتحقيق غرضهم . وكانت عملية اقتلاع الفلسطينيين من ديارهم عسيرة ومأساوية ، حتى أن بعض الجنود رفضوا الاشتراك في العملية. وقد اضطرت القيادة الاسرائيلية فيما بعد ، حسب اعتراف رابين ، الى بذل جهود ونشاطات دعائية مستمرة ” من أجل ازالة المرارة من نفوس هؤلاء الشبان ، ومن أجل شرح الأسباب التي اجبرتنا على القيام بمثل هذا العمل القاسي الوحشي ” كما ورد في مخطوطة رابين. غير أن الحكومة الاسرائيلية رفضت الموافقة على نشر رواية رابين هذه بشأن اللد والرملة . وقد نشرت جريدة نيويورك تايمز الأمريكية في عددها الصادر في 23/10/1979 النص الكامل للمقطع المحذوف. ولعل المرء يتساءل: هل كان نجاح الصهيونيين ممكناً دون الإلتجاء إلى إرهاب المدنيين وإخراجهم؟ كيف نجحوا في خمسة أسابيع حيث أخفق الإنكليز في سنين؟ ما الذي قصم ظهر العرب؟ لا بد من الصراحة عبرة للمستقبل، فالشعب العربي الفلسطيني أظهر من الشجاعة والتضحية في حرب الصهيونيين ما أظهره في حرب الإنكليز، وقد شهد له حتى الأعداء أنه حارب حرب المستميت في القدس ويافا وحيفا، من شارع إلى شارع بل من بيت إلى بيت، وأن أهل القرى، على قلة سلاحهم وتدريسهم، نجحوا حتى شهر نيسان 1948 في التغلب على الصهيونيين في كل معركة. ولكن الشعب العربي الفلسطيني، والحق يقال، قد زج في حرب لم يستعد الزعماء لها، ولم يعدوا السلاح اللازم، كما أنهم استهانوا بقوة العدو جهلاً، ولم يتعلموا من الأمر الواقع أثناء المعركة. وأفظع تقصير هو عدم إعلان التجنيد العام كما فعل الصهيونيون، وعدم إقامة قيادة موحدة عندها ما يلزم من الجنود والسلاح، والاعتماد على المتطوعين الذين كان ينقصهم التدريب العسكري كما كان ينقصهم السلاح. وأعظم نقص في الاستعداد للحرب كان ترك المدن والقرى، وخاصة المجاورة للمستعمرات والأحياء اليهودية، دون حرس وطني له سلاحه وقيادته. وقد قصرت جامعة الدول العربية كما قصر زعماء فلسطين، في تسليح الشعب قبل المعركة وأثناءها أيضاً. المراجع: –         عارف العارف: النكبة، بيروت 1956. –        The Economist, August 21, 1948. –         Erskine B. Childers:  The Spectater, May 12, 1961. –         Menahem Begin: The Revolt, London 1951. الإخشيديون: رَ: العصر العباسي الأخلامو: رَ: الآراميون