المقامات والمزارات

أرض فلسطين أرض الأنبياء والأولياء والقديسين والصالحين، عاش ومات فيها منهم عدد لا يضاهيها في كثرته أي بلد آخر. فلا عجب أن انتشرت المقامات والمزارات والمشاهد في طول البلاد وعرضها، في المدن والقرى والحقول وعلى رؤوس الجبال حتى أطراف الصحراء. فليس هنالك من قرية تقريباً إلا ولها ولي أو أكثر مدفون فيها. ففي قرية عناتا من أعمال القدس مثلا سبعة أولياء، وفي جبل الطور* ستنة، وفي قالونيا* خمسة، وفي عورتا* من أعمال نابلس أربعة عشر. وهكذا في سائر المدن والقرى مقامات ومزارات كثيرة ما بقي منها أقل بكثير مما اختفى واندثر. وأصحاب المقامات هؤلاء يقسمون الى قسمين : قسم قبل الاسلام وقسم بعده. ويتألف القسم الأول من الأنبياء مثل نوح ولوط وابراهيم* واسحق* ويعقوب* ويوسف* وداود وزكريا، من أقاربهم. وهناك أيضا من أصحاب المقامات عدد كبير من الصالحين القدامى الذين أطلقت عليهم صفة الأنبياء دون أن يكونوا كذلك مثل صموئيل ومعين وطوبا واسكندر ويامين وسعين وغيرهم ممن لا تعرف حقيقتهم في أكثر الأحيان. وفي الجدول الملحق ذكر لنحو 57 مقاماً من مقامات الأنبياء. ويتألف القسم الثاني من الأولياء والصالحين المسلمين. وهؤلاء على أنواع كثيرة، فمنهم عدد من أقرباء الرسول صلى الله عليه وسلم من بينهم الحسين بن علي (عسقلان) والفضل بن العباس ابن عم النبي (الرملة) وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم النبي أيضاً (قرية سلمة). وقد أحصي من أقرباء الرسول عشرة بينهم اثنتان من النساء. ولكن الثابت أن كثيراً من هؤلاء لم يدفنوا في فلسطين وانما هناك مقامات نسبت إليهم فيها. ومنهم عشرات من صحابة الرسول توفي أكثرهم في طاعون عمواس سنة 18هـ، وفي معارك صدر الاسلام. ومعظمهم دفن في الديار اليافية، ولا سيما قرية سلمة* وغور الأردن، وفي بيت المقدس. وفي الجدول الملحق ذكر لمقامات سبعة عشر من الصحابة. ومنهم الأولياء الصالحون الذين هم أكثر عددا من غيرهم من أصحاب المقامات الآخرين . ومن هؤلاء: أقطاب الصوفية العباد والزهاد. الخلفاء (وهم مؤسسو الزوايا). النساك. المجاهدون، وفي ثرى فلسطين منهم عدد كبير جدا في كل الأماكن، ومن كل العصور. ومن أصحاب المقامات من تعرف أسماؤهم، ومنهم من تعرف أجزاء من أسمائهم، ومنهم من لا تعرف أسماؤهم. ومن الأمثلة على ذلك الشيخ عيد في القدس*، والنبي معين في قرية بئر معين* من أعمال القدس، والشيخ زيد والشيخ أحمد في قرية كفر مالك (رام الله*)، والشيخ عطا في قرية حجة، والشيخ شعلة في سبسطية*، والشيخ ضرار في قرية الزاوية (منطقة نابلس)، والشيخ مجاهد والشيخ محمد العجان والشيخ زكي(غزة*)، وأبو شعير وعامر وعمار (بني صعب)، والسيد خليف وأبو الريش وعمار(صفد*). ومما تجدر الاشارة إليه أن كثيرا من مقامات الأولياء التي يقدسها القرويون بصورة خاصة انما تضم في الحقيقة شهداء الحروب، ولا سيما الحروب الصليبية وهناك ظاهرة شائعة أخرى تتعلق بمقامات الأنبياء وبعض الصحابة ومشاهير الأولياء هي أن لكثير من هؤلاء أكثر من قبر وأكثر من مقام في فلسطين مع أن المعروف أن عدد منهم لم يدفن فيها. وليست هذه الظاهرة مقصورة على فلسطين بل تتكرر في بلدان عربية أخرى. فللنبي صالح مثلا مقام في الرملة ومقام في عكا. وللنبي يونس مقام في حلحول* (الخليل)* وفي قرية كفر كما (الناصرة)*. وللصحابي سلمان الفارسي مقام في جبل الطور بالقدس وفي بلدة بورين* (نابلس ) وفي قرية اسدود* (غزة)، على حين أنه مدفون فعلا في المدائن (العراق). وللامام علي مقامات ومشاهد في شمال أريحا* ومقبرة رجال العمود بنابلس وقرب عكا. ولأبي هريرة مقام على طريق غزة – بئر السبع وجنوب طبرية*. وللنبي زكريا مقامات في القدس وسبسطية ودمشق. وللنبي يحيى مقامات في قرية جماعين والقدس ودمشق. ويرجع تعدد المقامات في أحيان كثيرة إلى الرغبة في التبرك بالنبي أو الولي المعني. تعلق عامة الشعب بالأولياء وأحلوهم منزلة سامية من الاحترام فقدموا لهم النذور وأقسموا عند قبورهم الأيمان وتلوا الدعوات وأقاموا الصلوات والمواسم والاحتفالات. وكان للأولياء سلطان قوي على الناس وقوة روحية كبيرة في الأزمنة الماضية. وكثيرا ما كان يعزى النجاح في الحياة إلى بركة الولي والفشل إلى سخطه. وكانت تعزى للأولياء أيضا القدرة على شفاء المراض والعاهات، ومنهم من كان محصنا بشفاء عاهات معينة. والافراط في تقديس الأولياء والقديسين أمر شائع بين المسلمين والمسيحين على حد سواء. فيما يتغنى المسيحيون بمار نقولا والحمامات الثلاث البيض التي ترمز في العادة للرسل الثلاثة بطرس*، وبولس*، ويوحنا، يتغنى المسلمون بالألوياء الكثيرين، ولا سيما الأقطاب الأربعة الرفاعي، والدسوقي، والحيلاني، وأحمد البدوي. ولذلك كانت المقامات تحظى بناية مستمرة من تجميل واصلاح وتقديم للهدايا. ومن العادات التي ما تزال جارية تقديم القرابين وأنواع المأكولات التي تعطي للفقراء باسم الولي. وكان الكثيرون يتبرعون للمقام بالزيت لاضاءة القناديل والبخور، ويقدمون مواد البناء والعمل الشخصي لتعميره. وهذا كله ساعد على بقاء كثير من المقامات وحفظها من عوادي الزمان. هنالك خصائص متكررة في مباني المقامات ومواقعها. فالمقام – وتسمياته الأخرى: مزار، وقبة، ومشهد – هو في معظم الحالات بناء رباعي الشكل، له باب واطىء، ونافذة واحدة على الأغلب، وقد يكون له أكثر من نافذة. وفي أكثر الحالات يكون ذا قبة. وأما من الداخل فهناك “طاقة” أو أكثر، غير نافذة تشبه الخزانة الطويلة. وهناك في العادة محراب بجانب القبر الذي يكون وسط غرفة المقام. وفي حين أن أكثر المقامات تقتصر على غرفة أو غرفتين ومساحة فان بعضها يتألف من عدة غرف فيها مسجد ملحق بالمقام، أو كتاب، أو مسكن الشيخ أو الخطيب القيم على المكان، أو مضافة، أو مكان لغسل الموتى. وهذا نوع آخر من المقامات الكبيرة التي تحتوي على غرف متعددة لاقامة الزوار والحجاج. وهذه المقامات هي في العادة للأنبياء كمقام النبي موسى ومقام النبي صالح. وفي كثير من الأحيان كانت المساجد تبنى عند مقامات الأولياء. والمقامات على أنواع : مقامات فيها أضرحة، اما داخل مبناها واما في الساحة المجاورة له. مقامات بلا أضرحة ، وكأنها أقيمت تخليدا لولي مع الاعتراف الضمني بأنه غير مدفون فيها. قبر بلا أي نوع من أنواع الأبنية. كهوف تضم أضرحة أو لا تقسم. ومثالها مغارة الأدهمية في القدس. مقامات تتألف من سور بسيط محيط بقطعة أرض. مقامات تقتصر على شجرة أو كومة من الحجارة. أما من حيث الموقع فيلاحظ بصورة عامة أن المقامات كانت تبني غالباً في أماكن مشرفة مرتفعة على رؤوس الجبال أو في سفوحها. والقليل القليل منها يقوم في الأماكن المنخفضة كالأودية والسهول. وقد أحصى توفيق كنعان* مواقع المقامات والمزارات في ست وعشرين قرية من قرى لواء القدس (في عهد الانتداب البريطاني) فوجد أن 70% منها كانت على قمم الجبال والتلال و24% في السفوح و6% فقط في الأودية. وهنالك أيضاً صلة بين هذه المقامات والأشجار والكهوف والينابيع. فكثير منها كان يقام على مقربة من هذه الأشياء، وكانت هذه الأشياء علامات عليه. ولوحظ أن 45% من تلك المزارات كانت مقامات مبنية، و18% كانت أضرحة فقط، في حين كان 37% منها ينابيع أو آباراً أو أشجاراً أو كهوفاً أو مساحات مقدسة. ويلاحظ أيضا وجود صلة بين المقابر والمقامات. فعلى حين كان كثير من المقامات خارج المقابر وجد عدد كبير ضمنها ففي خمس من قرى لواء القدس وجدت الأعداد التالية من الأماكن المقدسة موزعة داخل المقابر وخارجها على النحو التالي: إن نسبة المزارات في المقابر هي 37%، ولكنها في فلسطين بوجه عام لا تتعدى 30%. ومن الوجهة التاريخية لم يعد لجميع المقامات السابقة للعصر الأيوبي* وجود تقريباً. وهذه حقيقة تشترك فيها المساجد والزوايا والآثار الاسلامية الأخرى. فان أكثر هذه الآثار قد زال من جراء الكوارث الطبيعية والحروب والاهمال. وقلما يتمكن الباحث الآن من التأكد من هوية المقامات السابقة لعصر الحروب الصليبية. والاعتماد الأول في أكثر الحالات انما هو على المصادر الأدبية. وبعد الحروب الصليبية أبدى ملوك الأيوسين ثم حكام المماليك* اهتماما بتعمير مقامات الأولياء، كما اهتموا بتعمير المقامات الاسلامية الأخرى. ومعظم الآثار الباقية انما ترجع الى جهودها في التعمير والانشاء. ومن ذلك على سبيل المثال بناء قبر ومنارة على مسجد النبي يونس في حلحول (الملك المعظم 623هـ/1626م)، وبناء مقام النبي موسى قرب القدس (بيرس* سنة 668هـ/1269م)، ومقام سلمان الفارسي في أسدود (بيرس 667هـ/1268م)، وقبر البسير في مغارة الأحزان بصفد (عمره المقبر السيفي دبل كافل المملكة الصفدية سنة 805هـ/1402م)، ومقام الفضل بن عباس ابن عم الرسول في الرملة (بنى الأمير شاهين الكمالي على مقامه مسجد ومنارة سنة 854هـ/1450م). وأكثر المقامات كانت تتألف من بنايات بسيطة أقامها القرويون. ولم تكن تقوى على البقاء طويلا فنهار. وقد جدد بعضها وأكثرها اندثر. ومما زاد الحال سوءا بالنسبة إلى المقمات الاسلامية في فلسطين استخفاف الصهيونيين بالمقامات الإسلامية عموماً واعتمادؤهم المتعمد عليها ورغبتهم في ازالة معالمها من الوجود. ومن الحقائق التي يمكن أن تذكر في هذا المجال هدم حارة المغاربة بالقدس وفيها قبر الشيخ عبد في المدرسة الأفضلية، وهدم ضريح الشيخ شهاب الدين أحمد الثوري بحي الثوري في القدس وتحويله إلى دار سكن، والاعتداء على مقام سيدنا عكاشة في القدس أيضا سنة 1969، وإزالة ضريح شهاب الدين بادار عند مدخل قرية لفتا*، وهدم مقام أبي قميص أمير الصعيد في مدينة صفد وتحويل أرضه إلى موقف للباصات، وإزالة ضريح علي بن عليل ومقامه في قرية الحرم* (سيدنا علي) شمال يافا وتحويل موقعه إلى محطة رادار. وقام المحتلون كذلك بهدم مقام الصحابي سلمة بن هشام المخزومي (توفي 140ه) في قرية سلمة. وأزالوا مقبرة النحام التي تضم قبور عدد من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم منهم نعيم بن عبد الله النحام وأبان بن سعيد بن العاص وخباب بن الأسود المخزومي وهشام بن العاص بن وائل وتميم بن الحارس السهمي. وأزالوا مقبرة يافا بالجرافات وأقاموا عليها فندقا. وجرفوا كذلك مقابر حيفا وبئر السبع وأبو غوش وغيرها. وفي القدس اعتدى الصهيونيون على مقبرة مأمن الله التاريخية فحولوا قسما منها الى حديقة عامة، وبنوا في قسم مباني سكنية وتجارية كثيرة، وشقوا فيها الطرقت، وجعلوا قسما منها موقفا للسيارات. وفي قرية قسارية* قرب حيفا أهدمت الآثار العربية الاسلامية أو شوهت، وحولت قبور الأنبياء إلى مرافق صحية.     المراجع:   مجير الدين الحنبلي: مجير الدين الحنبلي: الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، النجف الأشرف 1968. أحمد سامح الخالدي: أهل العلم والحكم في ريف فلسطين، عمان 1968. ناصر خسرو: سفر تامة (مترجم)، بيروت 1970. مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، بيروت 1965 – 1974. شيخ الربوة الدمشقي: نخبة الدهر في عجائب البر والبحر، لايبزغ 1923. محمود العابدي: الآثار الاسلامية في فلسطين والأردن، عمان 1973. محمود العابدي: صفد في التاريخ، عمان 1977. عارف العارف: تاريخ غزة، القدس 1943. كامل جميل العسلي: معاهد العلم في بيت المقدس، عمان 1981. كامل جميل العسلي: أجدادنا في ثرى بيت المقدس، عمان 1981. ابن فضل الله العمري: سالك الأبصار في تلك الأعصار، القاهرة 1924. محمد كرد علي: حفظ الشام، دمشق 1928. عبد الله مخلص: مئذنة الجامع الأبيض في الرملة، القدس، لا ت. البشاري المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقليم، ليدن 1906. أسعد منصور: تاريخ الناصرة، مصر 1923. عبد الغني النابلسي: الحضرة الأنسية في المرحلة المقدسية، مصر 1902. احسان النمر: المختار من الحضرة الأنسية، نابلس 1976. احسان البر: تاريخ جبلي نابلس والبلقاء، نابلس 1975. الهروي: كتاب الاشارات إلى معرفة الزيارات، دمشق 1953. Canaan .T.: Mphammedan Saints and Sanctuaries in Palestine, J.P.O.S., Vol.IV. C. Archaelogical Researches in Palestine, Vol.II. London 1896. Gibb and Kramers: Shorter Encyclopedia of Islam, Ithaca N.Y.1961.     المقاومة (صحفية -): رَ: الجبهة الوطنية المتحدة في قطاع غزة