الوفود الفلسطينية إلى الأمم المتحدة

أدركت الحركة الوطنية الفلسطينية أهمية العمل الدبلوماسي والنشاط السياسي في المستوى الدولي من أجل دعم حقوق الشعب العربي الفلسطيني. وكان من بين ما فعلته ارسال الوفود إلى منظمة الأمم المتحدة. أ- الوفد الفلسطيني عام 1947: قررت الهيئة العربية العليا لفلسطين* ارسال وفد فلسطيني الى الأمم المتحدة للقيام بكل ما يستطيع لعرض قضية فلسطين والدفاع عنها أمام الدورة الاستثنائية الأولى للجمعية العامة التي دعت اليها بريطانيا* ووافقت على حضورها أغلبية الدول الأعضاء في شهر نيسان من عام 1947. وقد تألف الوفد من اميل الغوري (أمين عام للوفد) ورجائي الحسيني وهنري كتن وعيسى نخلة وراسم الخالدي وواصف كمال. وسافر الوفد (باستثناء راسم الخالدي الذي رفضت القنصلية الأمريكية في القدس متجه تأشيرة دخول الى الولايات المتحدة) فوصل إلى نيويورك في 25/4/1947 قبل يومين من ابتداء أعمال الدورة الاستثنائية. حمل اليهود وأنصارهم والصحف وأجهزة الدعاية الأمريكية حملة شعواء على الوفد الفلسطيني، وأنحوا بالملائمة على السلطات الأمريكية لأنها سمحت “للارهابيين الفلسطينيين” بدخول الولايات المتحدة، وحذروا الأمم المتحدة من الموافقة على مثول الوفد أمامها. ووضع الوفد الفلسطيني مخططا للعمل وسمي اميل الغوري ناطقا رسميا باسمه. وقرر وجوب الادلاء بآرائه ومطالبه أمام الجمعية العامة ولجانها، وكلف هنري كتن اعداد مشروع بيان سياسي عن القضية يلقيه أمام المنظمة الدولية بعد أن يقره الوفد. كما تقرر أن يشترك أميل الغوري بالنيابة عن الوفد في المناقشات العامة التي ستجري بشأن فلسطين في الجمعية العامة ولجانها المختصة. وعرض الوفد قراره هذا على الوفود العربية في اجتماعها المنعقد في 2/5/1947. وبعد المداولة رأت هذه الوفود عدم تقدم الوفد بطلب إلى الجمعية العامة للمثول أمامها وأمام لجانها المختصة. وكانت حجتها أن الوكالة اليهودية* ستقدم بطلب مماثل، وهذا ليس في مصلحة العرب. وقد أكد الوفد الفلسطيني ان الوكالة اليهودية ستقدم بطلب المثول أمام الجمعية العامة سواء أقدم هو عليه أم لم يقدم. ولكنه نزل عند رأي الوفود العربية على الرغم من عدم اقتناعه به حرصا على التعاون مع هذه الوفود. وفي الثالث من أيار قدم وفد الوكالة اليهودية إلى رئيس الجمعية العامة طلبا بالسماح له بالاشتراك في جلسات الجمعية العامة فسارع الوفد الأمريكي والأمين العام للأمم المتحدة (تريغفي لي) إلى تبني طلب الوفد اليهودي، وقرر رئيس الجمعية العامة عقد جلسة في 5 أيار للبحث في طلب وفد الوكالة اليهودية. وقررت الجمعية في هذا الاجتماع “قبول طلب وفد الوكالة اليهودية للمثول أمام اللجنة السياسية لغرض وجهة نظرها ومطالبها” رغم معارضة الوفود العربية والاسلامية. وقررت أيضا “أن تحال على اللجنة السياسية سائر الطلبات التي قدمت،أو التي سوف تقدم،من الأشخاص والجمعيات للمثول أمامها لتدرس اللجنة هذه الطلبات وتقرر ما تراه بشأنها”. وأرسل الوفد الفلسطيني برقية مستعجلة إلى رئيس الجمعية العامة يطلب فيها السماح لوفد الهيئة العربية العليا بالمثول أمام اللجنة السياسية بالادلاء ببيسان والاشتراك في ما سيبدو عن مناقشات. وعرض الرئيس برقية الوفد على الجمعية فعرض الوفد الأمريكي الطلب الفلسطيني بشدة واصرار وقاومته معظم وفود الدول الأمريكية والأوروبية. وأخيرا قررت الجمعية بأكثرية الأصوات “احالة طلب وفد الهيئة العربية العليا على اللجنة السياسية لتبحثه مع سائر الطلبات المماثلة التي قدمت والتي ستقدم اليها،واتخاذ القرار الذي تراه بشأنه”. وأبرق الوفد الفلسطيني إلى رئيس الجمعية العامة محتجا وطلب اصدار قرار من الجمعية نفسها بقبول مثول الوفد أمام اللجنة السياسية. وكان القرار قد أحيل على اللجنة السياسية فقررت الموافقة على طلب الهيئة. ولكن الوفد رفض القرار المذكور وأبرق إلى رئيس الجمعية العامة بأنه ما لم يصدر عنها – أي عن الجمعية ذاتها – قرار مماثل الذي أصدرته بقبول وفد الوكالة اليهودية فان الوفد الفلسطيني سيسحب طلبه نهائيا. ولما عقدت اللجنة السياسية جلستها الثانية في 6 أيار جرت فيها معركة سياسية عنيفة بين العرب وأنصار الصهيونيين بشأن الوفد الفلسطيني. وأعلن  آصف على مندوب الهند تأييدا لطلب الوفد الفلسطيني وحمل بشدة على قرارة الجمعية العامة واللجنة السياسية وهدد بانسحاب الهند من اللجنة السياسية اذا لم يصدر قرار قبول الوفد الفلسطيني من الجمعية العامة نفسها. وتبعه محمود حسن مندوب مصر فأعلن أن مصر ستنسحب من اللجنة اذا لم يصدر قرار من الجمعية العامة بقبول الوفد الفلسطيني. واتخذ فارس الخوري مندوب سورية موقفا مماثلا. ودارت حول هذا الموضوع مناقشات عنيفة وحادة انتهت حيال تصميم  وفود الهند ومصر وسورية على الانسحاب بدعوة الجمعية العامة للنظر في الموضوع. وعندما اجتمعت اتخذت قرارا ينص على “أن قرار اللجنة السياسية بشأن طلب وفد الهيئة العربية العليا يمثل رأي الجمعية العمومية” (القرار رقم 105 الدورة الاستثنائية -1 الصادر في 7/5/1947). وانتهت الأزمة بفوز الوفد الفلسطيني وتحقيق طلبه. وفي 8/5/1947 ألقى دافيد بن غوريون بيان الوكالة اليهودية أمام اللجنة السياسية. وفي 9 أيار ألقى هنري كتن أمامها بيان الهيئة العربية العليا. ثم تقرر أن تعقد اللجنة جلسة في 12 أيار للمناقشة والاستماع إلى اجابة كل من الوفدين الفلسطيني واليهودي على الأسئلة والاستفسارات التي قدمت إلى كل منهما. وفي هذه الجلسة تكتم مندوب الوفد الصهيوني موسى شرنوك وأجاب على الأسئلة والاستفسارات ثم حمل حملة شعراء على الوفد الفلسطيني واحتج على قبوله للمتحدث أمام الأمم المتحدة. ثم تكتم اميل الغوري باسم الوفد الفلسطيني فأدلى بالأجابات اللازمة ورد على حملة شرنوك. ووقع نقاش عنيف في اللجنة نشأت عنه صحة عامة في أروقة الأمم المتحدة. بقي الوفد الفلسطيني في نيويورك حتى انتهاء الدورة الاستثنائية للجمعية العامة وصدور قرارها بتشكيل لجنة الأمم المتحدة الخاصة بشأن فلسطين* (القرار 6-10 د/1 في 5/5/1947) وقد بذل هذا الوفد جهودا واسعة النطاق في الأمم المتحدة وخارجها للتعريف بوجهة النظر العربية الفلسطينية. ب- وفد فلسطين عام 1965: في السنة 1951 ذهب الأمين العام للجان اللاجئين الفلسطينيين في بيروت الدكتور عزة طنوس إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السابعة المنعقدة في باريس. وقد سمح له بحضور اجتماعات اللجنة السياسية الخاصة التي كانت تنظر في قضية اللاجئين الفلسطينيين من خلال مناقشة تقرير مدير وكالة الأمم المتحدة لاغائة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى*. ولما طلبت الوفود العربية والاسلامية وبعض وفود الدول الاشتراكية من رئيس اللجنة السياسية الخاصة (وكان وزير خارجية تركيا) أن يسمح للمندوب الفلسطيني بالكلام أمام اللجنة ممثلا اللاجئين الفلسطينيين في بيروت اعترض على ذلك مندوبو (اسرائيل) وانكلترا والولايات المتحدة الأمريكية وعدد من مندوبي الدول الأوروبية العربية مدعين أن الطلب غير قانوني لأن الكلام أمام الأمم المتحدة ولجانها محصور بمندوبي الدول الأعضاء. وبعد حوار طويل طلب رئيس اللجنة التصويت على الطلب ففاز بالأكثرية، على أن يتكلم المندوب الفلسطيني كخبير بقضية اللاجئين الفلسطينيين لا كممثل الفلسطينيين. وقد تكلم الدكتور طنوس بموجب هذا القرار في اللجنة السياسية الخاصة وظل يفعل ذلك كل سنة. وفي عام 1959 قدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وفد فلسطيني من الهيئة العربية العليا وآخر من غزة. وقد سمح هذين الوفدين أيضا بالكلام بعد طلب قدمته الدول العربية وجرى التصويت عليه. وبذا أصبح هناك ثلاثة وفود فلسطينية تتكلم أمام اللجنة السياسية الخاصة للأمم المتحدة. ولما قامت منظمة التحرير الفلسطينية* سنة 1964 لتمثل الشعب العربي الفلسطيني لم تعترف بها الهيئة العربية العليا وظلت تعد نفسها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني وترسل وفدها إلى الأمم المتحدة بهذه الصفة. ولكن منظمة التحرير أرسلت سنة 1965 وفدا إلى اللجنة السياسية الخاصة للأمم المتحدة. وفي حين قدم وفد المملكة العربية اسعودية وفد الهيئة العربية العليا إلى اللجنة السياسية الخاصة قدمت جميع الوفود العربية وفد منظمة التحرير. وحاولت المنظمة ومعها الوفود العربية والمناصرة للقضية الفلسطينية اقناع اللجنة السياسية الخاصة بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسسطيني. وكسب اعتراف الأمم المتحدة بالمنظمة بهذه الصفة. وقد وقفت الوفود المعادية تعارض هذا الاعتراف بشدة، وجرى نقاش حاد امتد عدة أيام وانتى بالسماح لوفد منظمة التحرير الفلسطينية بالكلام أمام اللجنة أكثر من مرة، لا مرة واحدة كما كان يجري في السابق. تكلم وفد منظمة الترحرير الفلسطينية مرات أمام اللجنة السياسية الخاصة في تلك الدورة، وكان لبيانه الثلاثة وقع حسن جعل اللجنة تطلب بأكثرية الأصوات طبعها وتوزيعها على الأعضاء لتكون وثائق رسمية. ظل وفد المنظمة يتكلم بهذه الصفة أمام اللجنة السياسية الخاصة حتى عام 1974 عندما قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة قبول منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة بصفة مراقب (رَ: منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة).     وقاص (تل-): رَ: القدح (تل –)