الوفود العربية الفلسطينية إلى لندن

بعد أن احتلت بريطانيا* فلسطين وانتدبتها عصبة الأمم* عليها. وبعد أن عملت الحكومات البريطانية المتعاقبة لتنفيذ وعد بلفور* الذي رفضه الشعب العربي الفلسطيني وثار عليه كان من الطبيعي أن تجري لقاءات ومباحثات بين ممثلي الحركة الوطنية الفلسطينية والحكومات البريطانية. وهكذا أرسلت الحركة عدة وفود إلى لندن. أ- وفد عام 1921: في شهر تموز سنة 1920 انتهى الحكم العسكري البريطاني في فلسطين وابتدأ الحكم المدني البريطاني. وبدلا من أن يأتي الاستقلال الذي كان العرب في جميع أقطارهم ينتظرونه جاء إلى فلسطين هربرت صموئيل اليهودي مندوبا ساميا لينفذ ما سمي وعد بلفور. لم يتوان هذا الحاكم الصهيوني في تنفيذ المهمة التي جاء لأجلها. فقد سمح في الحال بهجرة 16,500 يهودي إلى فلسطين في السنة الأولى، وأصدر أمرا بجعل اللغة العربية لغة رسمية كاللغة العربية في حين لم يكن عند اليهود ينحدر 6% من السكان. ومنح كذلك عبارات خاصة للجنة الصهيونية التي أتت إلى البلاد فأصبحت حكومة ضمن الحكومة. وكان العرب أهل البلاد يقابون هذا كله بالغضب الشديد والمظاهرات الصاخبة التي نتج عنها في مدينة يافا* اضطرابات دامية قتل وجرح فيها المئات (رَ: يافا، ثورة).وعلى اثر ذلك عينت الحكومة لجنة برئاسة قاضي القضاة توماس هيكرافت (رَ: هيكرافت، لجنة) للتحقيق في أسباب الاضطرابات ودراسة السبل الكفيلة بعدم تكررها. وبعد أشهر من التحقيق أصدرت اللجنة تقريرا جاء فيه أن وعد بلفور الذي كان العرب يتوقعون من ورائه انشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين هو السبب الرئيس للاضطرابات التي جرت في يافا. وقد جاء هذا التقرير حافزا  على عقد المؤتمر العربي الفلسطيني* الأول في مدينة القدس* ارسال وفد إلى لندن مهمته السعي الحثيث لجعل الحكومة البريطانية تلغي وعد بلفور مصدر الاضطرابات ومثير الحروب في فلسطين. ذهب الوفد العربي الفلسطيني إلى لندن حسب قرار المؤتمر في شهر آب 1961 برئاسة موسى كاظم الحسيني* وبقي فيها مدة تسعة أشهر يتفاوض مع الحكومة البريطانية، ولا سيما مع ونستون تشرشل وزير المستعمرات. في أول مقابلة مع ذلك الوزير طلب الوفد الغاء وعد بلفور لأن الحكومة البريطانية لا تمتلك حق اعطائه، فكيف اذا اعطته قبل أن يكون لها أي علاقة من أي نوع بفلسطين. ثم أنها أعطته بعد أن تعهدت للشريف حسين بن علي في مراسلات الحسين – مكاهون* سنة 1916 باستقلال البلاد العربية ومنها فلسطين. ولم يكن من الصعب على الوفد الفلسطيني أن برهن أن وعد بلفور يناقض مبدأ حقوق الانسان وتقرير المصير، وأن يبين أن هذه الحقوق هي التي بنى عليها وودرو ويلسون رئيس الولايات المتحدة نقاطه الأربع عشرة التي هي أساس عهد عصبة الأمم، وعليه فان وعد بلفور مناقض لعهد عصبة الأمم، ولا سيما المادتين 20 و22 منه. سافر الوفد العربي الفلسطيني بعد ذلك من لندن إلى جنيف لحضور اجتماع عصبة الأمم. وكانت بريطانيا إلى ذلك الوقت تحكم فلسطين مباشرة من غير صك انتداب من تلك العصبة. وقد بقيت تعمل على هذا النحو المنحرف خمس سنوات تقريبا، فكانت تسن القوانين بهجرة اليهودي وبيع الأراضي اليهم، ويصدر عنها كل ما يصدر عن حكم شرعي من بلاغات رسمية قبل أن تفوض اليها عصبة الأمم أية صلاحيات. كان اللورد بلفور صاحب الوعد المشؤوم في جنيف. وقد طلب الوفد العربي مقابلته فرفض. ولما اضطر إلى مقابلته بعد ذلك كانت المقابلة جافة جدا وقصيرة، وورد فيها أن الوعد مجرد تجربة أرادت الحكومة البريطانية القيام بها. وقد أنهى كلامه متبرما: “اذهبوا وقابلوا الدكتور حاييم وايزمان بخصوص فلسطين، أي اتفقوا معه بخصوص مستقبل فلسطين”. رجع الوفد العربي الفلسطيني إلى لندن دون أن يستفيد شيئا من أقامته في جنيف. وفي 22/2/1922، قدم تشرشل إلى الوفد مسودة دستور لفلسطين لدرسه واعطاء الرأي فيه. وكانت هذه المسودة تنص على ايجاد مجلس تشريعي مؤلف من 26 عضوا يترأسهم المندوب السامي. منهم 11 يسمون من موظفي الحكومة المنتدبة، و15 من غير الرسميين يسمون على الشكل التالي: 12 عضوا ينتخبهم الشعب (منهم ثمانية مسلمون ومسيحيان ويهوديان) وثلاثة (مسلم ومسيحي ويهودي) يعينهم المندوب السامي. وكان من ضمن الشروط ألا يتعرض المجلس لوعد بلفور لأن هذا الموضوع غير مطروح للبحث. وقد كان هذا الشرط كافيا كي يرفض الوفد المشروع. اشتد الجدل بين الوفد العربي الفلسطيني ووزير المستعمرات وتعددت الرسائل الجافة والقاسية بينهما. وقد كان جواب وزير المستعمرات على احدى رسائل الوفد مثلا بهذه الوقاحة: 1) يجب أن يبحث دستور فلسطين مع وفد رسمي منتحب، وأنتم لستم بهذه المهمة. 2) ان وزير المستعمرات لا يقدر أن يبحث دستور فلسطين مع الوفد الرسمس المنتخب الا على أساس وفد بلفور. 3) ان وزير المستعمرات لا يقدر أن يبحث مع الوفد الرسمي المادة 22 من عهد عصبة الأمم لأن الوعد أعطي قبل العهد. كان جواب الوفد العربي الفلسطيني على هذه الرسالة قاسيا جدا ان ذكر وزير المستعمرات بأن الحكومة البريطانية هي التي تحكم بدون دستور. وهي التي يجب أن تطرد من عصبة الأمم لمخالفتها المادتين 20 و22 من العهد. وأخيرا أصدر وزير المستعمرات الكتاب الأبيض المعروف باسمه “كتاب تشرشل الأبيض* لسنة 1922” ببلاغ رسمي رقم 1,700 جوابا على طلبات الوفد العربي الفلسطيني. وقد ثبت تشرشل سياس وعد بلفور في كتابه الأبيض وأكد أن وجود اليهود في فلسطين حق لا بد منه، وأن فلسطين خارجة عن وعود مراسلات الحسين – مكماهون، وأن الهجرة اليهودية إلى فلسطين ستنظم حسب قدرة البلاد الاقتصادية على الاستيعاب. وكان أحد بنود الكتاب الأبيض انشاء مجلس تشريعي أيضا. في 5/5/1922 رجع الوفد العربي الفلسطيني إلى فلسطين متشائما جدا لادرراكه أن الدعاية التي استطاع أن يقوم بها في لندن كانت ضعيفة بسبب تسلط اليهود على الصحافة البريطانية. وأما فيما يختص بوعد بلفور فلم يستطع الوفد أن يغير سياسة الحكومة قيد أنملة. ب- وفد عام 1923: في 22/6/1922 عقد مؤتمر وطني فلسطيني في نابلس للنظر في موضوع المجلس التشريعي. وبعد البحث رفض المؤتمر المجلس رفضا باتا لأنه كان بعيدا عن الهدف الذي يتطلع اليه العرب. وقد أخفقت جهود الحكومة البريطانية وضغوطها لاقامة هذا المجلس بسبب رفض العرب الاجماعي اياه. وفي حزيران 1923 عقد مؤتمر وطني فلسطيني آخر في يافا كان أول قراراته ارسال وفد عربي فلسطيني آخر الى لندن ليتمم ما عجز عن اتمامه الوفد الأول، وهو الغاء وعد بلفور. وتتألف الوفد من موسى كاظم الحسيني وتوفيق حماد* وابراهيم الشماس وأمين عادل التميمي* ومعين الماصي* وشبلي الجمل. ذهب الوفد العربي الفلسطيني إلى لندن وابتدأت المفاوضات مع الحكومة البريطانية. ولم يمض وقت طويل حتى عرضت الحكومة البريطانية على الوفد مشروع الوكالة العربية*، وهو على نمط الوكالة اليهودية* المنصوص عليها في المادة الرابعة من صك الانتداب (رَ: الانتداب على فلسطين، صك). ومن حقوق هذه الوكالة العربية الاعتراف بها هيئة رسمية للشورى والعمل مع الحكومة المنتدبة في انماء المشاريع الاقتصادية والاجتماعية العربية، والمساعدة العملية في نمو البلاد وتقدمها. أما فيما يختص بالهجرة اليهودية إلى فلسطين فسيكون للوكالة العربية الحق بأن تستثار في الطرق التي يجب أتباعها حتى لا تصاب حقوق غير اليهود بأذى من الهجرة اليهودية. درس الوفد العربي الفلسطيني المشروع درسا وافيا، فوجد أن لا فرق بين هذا المشروع ومشروع المجلس التشريعي الذي رفضه الشعب الفلسطيني، ولذلك لم يكن للوفد سبيل الا رفض مشروع الوكالة العربية، والتصريح بأن لاشيء يحمي الشعب العربي الفلسطيني من الخطر الذي يهدد كيانه بقيام الوطن القومي اليهودي في فلسطين الا الغاء وعد بلفور، وحذفه من صك الانتداب*. لما رفض الوفد العربي الفلسطيني مشروع الوكالة العربية وصارح الحكومة بهذا الرفض، أنهت الحكومة البريطانية المفاوضات مع الوفد في الحال، وقطعت الاتصال به واتجهت نحو الشعب العربي الفلسطيني نفسه بواسطة المندوب السامي لفلسطين. وفي 10/10/1923 عرض المندوب السامي بالنيابة عن وزير المستعمرات، وبين لهم بالتفصيل فوائده، ولكن لم يكن نصيب مشروع الوكالة العربية من النجاح في فلسطين أفضل منه في لندن. ج- وفد عام 1930: على أثر ثورة البراق سنة 1929 (رَ: ثورة 1929) أرسلت الحكومة البريطانية لجنة للتحقيق في أسباب الثورة عرفت باسم رئيسها “شو”. وقد بين تقرير لجنة شو* أن سياسة الحكومة البريطانية المنتدبة على فلسطين سياسة منحازة إلى اليهود هدفها الأول انشاء الوطن القومي اليهودي وانماؤه على حساب العرب. وأما سياستها للعرب أهل البلاد الأصليين فسياسة سلبية قوامها الاهمال التام واللامبالاة. وكان النقد الذي وجهته اللجنة إلى سير الحكم في فلسطين سياسيا واقتصاديا لاذعا جدا. وقد وضع النقاط على الحروف لأول مرة في تاريخ الانتداب. عرف مضمون التقرير قبل صدوره الرسمي من خلال تتبع التحقيق الدقيق الذي أجرته اللجنة والانتقادات المرة التي كانت توجهها إلى شهود الحكومة وشهود الصهيونيين، الأمر الذي جعل الصهيونيين في لندن وأصدقاءهم الأقوياء يطلبون الغاء اللجنة وارسال لجنة أخرى بدلا منها، أو إلى جانبها، ودفعهم إلى نشر المقالات الصحفية التي تتهم اللجنة بالتحيز إلى جانب العرب ويتجاوز حدود صلاحياتها. ظل القادة الفلسطينيون أن بامكانهم الافادة من موقف اللجنة لتقوية موقافهم الرافض وعد بلفور فقرروا ارسال وفد عنهم إلى لندن للباحث مع المسؤولين البريطانيين. وقد وصل الوفد إلى لندن قبل يوم واحد من صدور تقرير “لجنة شو” في آذار 1930، وبدأ بعد صدور التقرير مفاوضات شاقة وحدده الحكومة البريطانية التي ساءها التقرير وأربكها. واشترك في المفاوضات عن الجانب البريطاني رمزي مكادونالد رئيس الوزراء واللورد باسفيلد وزير الخارجية. اعتمد الوفد العربي الفلسطيني في مناقشة الحكومة البريطانية على ما جاء في تقرير لجنة شو. ومن ذلك: 1) ان عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين كان أكثر بكثير بما يجب أن يكون. فاللجنة التي كانت تقرر عدد المهاجرين يهودية، واليهود يشكلون 3% من السكان، وهذا عمل يخالف نص كتاب تشرشل الأبيض لسنة 1922 وروحه. 2) ان هؤلاء المهاجرين اليهود استولوا على الأراضي العربي وكانوا السبب في اخراج عدد كبير من العرب منها فخلقوا بذلك مشكلة البطالة بين أبناء البلاد. 3) ان لمقاومة العرب للهجرة اليهودية ما يبررها، وهي إلى جانب أمور أخرى سبب الاضطرابات في فلسطين. 4) ان اهتمام الحكومة البريطانية المنتدبة منصب على انماء الوطن القومي اليهودي ودعمه على حساب العرب، في حين تهمل مصالح العرب اهمالا تاما في جميع الحلول. 5) ان لجنة شو ترى أن مصلحة سكان فلسطين جميعهم، ومصلحة الحكومة تكتمان في قيام الحكومة البريطانية بتفسير وعد بلفور وتوضيحه بدقة تامة وتبيان نوع السياسة التي تريد الحكومة اتباعها في اطار هذا التوضيح. كان محتوى تقرير لجنة شو مادة طيبة مكنت الوفد العربي الفلسطيني من اثبات سوء تصرف الحكومة المنتدبة وقصورها وبعدها عن العدل، ولا سيما بعد أن أكدت اللجنة أن وعد بلفور مناقض لعهد عصبة الأمم، وبخاصة للمادتين 20 و22. ومناقض لمبادىء حقوق الانسان، ولمراسلات الحسين – مكاهون – ولتصريح 7/11/1918 البريطاني الفرنسي (رَ: البيان الأنكلو – فرنسي 1918). تجاه انتقادات لجنة شو التي تمسك بها الوفد العربي الفلسطيني لم تستطع الحكومة البريطانية الا أن ترسل – استجابة لتقرير اللجنة – خبيرا بالأراضي هو السير جون هوب سمبسون لدراسة نقص الأراضي عند الفلاحين، هذا النقص الناتج عن الهجرة اليهودية إلى فلسطين (رَ: سمبسون/ تقرير) . وقد عاد الوفد العربي الفلسطيني بعدما حقق كل ما يمكن تحقيقه. د- وفد عام 1946-1947: في 31/7/1946 أعلن الوزير هربرت موريسون باسم الحكومة البريطانية أمام مجلس العموم البريطاني أنه تم الاتفاق بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية على أن أحسن وسيلة لاقرار السلام في فلسطين هي انشاء ولايات عربية ويهودية تتمتع بحكم ذاتي واسع بادارة حكومة مركزية (عرف هذا المشروع باسم مشروع موريسون*). وأكد أن الحكومة البريطانية ستدعو ممثلين عن العرب واليهود لمباحثتهم بشأنه. ووفقا لهذا التعهد وجهت الحكومة البريطانية دعوة إلى جامعة الدول العربية لمفاوضتها بشأن قضية فلسطين في مؤتمر يعقد في لندن لهذا الغرض (رَ: لندن، مؤتمر 1946). وكانت الأمانة العامة للجامعة قد اتصلت بالحكومة البريطانية لتتفاوض معها حول قضية فلسطين تنفيذا لقرار دوره بلودان الاستثنائية في 8/6/1946 (رَ: بلودان، مؤتمر 1946) فعدت دعوة الحكومة البريطانية الآنف ذكرها تلبية لطلبها. عقدت الجامعة اجتماعا في الاسكندرية بتاريخ 12/7/1946 بحضور مندوبين عن الهيئة العربية العليا لفلسطين* وتقرر في هذا الاجتماع أن تلبي الجامعة ودولها دعوة الحكومة البريطانية للمفاوضة، على ألا يكون مشروع موريسون أساسا لها، وألا تشترك في المؤتمر الولايات المتحدة أو الوكالة اليهودية. وقد وافقت الجامعة على طلب مندوبي الهيئة بأن يشترك وفدها في المفاوضة القادمة فطلبت الأمانة العامة من الحكومة البريطانية دعوة أهل فلسطين للاشتراك في المؤتمر. وقدمت الهيئة العربية العليا لفلسطين في الوقت ذاته كتابا الى المندوب السامي البريطاني في القدس تطلب فيه الاشتراك في المؤتمر. وافقت الحكومة البريطانية على دعوة أهل فلسطين إلى الاشتراك في المؤتمر وقررت دعوة الوكالة اليهودية لارسال وفد عنها إلى لندن لمفاوضة بريطانيا في مؤتمر بريطاني – يهودي منفصل. لجأت بريطانيا كعادتها إلى سياسة المراوغة والمخادعة وانتهزت مناسبة دعوة فلسطين إلى مؤتمر لندن لمحاولة ثلم الصف الفلسطيني وتصديع الجبهة الفلسطينية الداخلية التي توحدت وترسخت قواعدها بعد تشكيل الهيئة العربية العليا لفلسطين. فقد وجه المندوب السامي إلى جمال الحسيني* (دون أن يذكر أنه نائب رئيس الهيئة) بدعوة إلى انتخاب وفد للسفر إلى مؤتمر لندن، وأعلمه في هذا الكتاب أن الحكومة البريطانية اختارت أربعة أشخاص من الفلسطينيين ليكونوا أعضاء في هذا الوفد. وهم سليمان طوقان وأنطون عطا الله وموسى العلمي ويوسف هيكل. اعترضت الهيئة العربية العليا لفلسطين على شكل الدعوة الموجهة إلى جمال الحسيني، وعلى تدخل الحكومة البريطانية وتعيينها أشخاصا لتمثيل الأمة، وأصرت على أنها صاحبة الحق في انتخاب وفد فلسطين واعتماده. ولكن الحكومة البريطانية رفضت اعتراض الهيئة وتمسكت بموقفها على الرغم من أن الأشخاص الأربعة الذين اختارتهم هي رفضوا قبول تكليفها اياهم السفر وأكدوا لها أن الهيئة الغربية هي وحدها صاحبة الاختصاص في اختيار وفد فلسطين. وأصرت الحكومة على ألا يشترك وفد من الهيئة العربية في مؤتمر لندن الا اذا ضمت إلى عضويته من تختارهم حكومة. وعقدت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية بتاريخ 2/9/1946 اجتماعا في الاسكندرية حضره مندوبان عن الهيئة العربية العليا لفلسطين. ورفضت اللجنة السياسية طلب المندوبين الفلسطينيين بألا تشترك الدول العربية في مؤتمر لندن اذا لم يشترك فيه وفد يختاره الفلسطينيون أنفسهم، وقررت أن تسافر وفود الدول العربي إلى لندن في الوقت المحدد. عقد مؤتمر لندن (الدورة الأولى) في 10/9/1946 بحضور وفود الدول العربية السبع ووفد الأمانة العامة للجامعة، وبغياب الفلسطينيين. وعرضت الحكومة البرطانية على المؤتمر مشروع موريسون ومقترحات أخرى فردت عليها الوفود العربية بتقديم مشروع عربي لحل القضية الفلسطينية. ونظرا لعدم الوصول إلى أية نتيجة أعلنت الحكومة البريطانية تأجيل المؤتمر إلى 27/1/1947. وفي 6/1/1946 وجهت الحكومة البريطانية الدعوة إلى الحكومات العربية والأمانة العامة لجامعتها لارسال وفودها إلى المؤتمر (الدورة الثانية). وكانت مفاجئة عندما وجهت الحكومة البريطانية في الوقت نفسه دعوة رسمية إلى الهيئة العربية العليا لفلسطين لانتخاب وفد فلسطيني للاشتراك في المؤتمر. فقررت الهيئة قبول الدعوة على الرغم من ارتيابها في العوامل التي حدت بالحكومة البريطانية إلى توجهها، وأبلغنت لندن قرارها في 13 كانون الثاني. وقد انتخب وفدا فلسطينيا  مؤلفا من: جمال الحسيني رئيسا، والدكتور حسين فخري الخالدي* سكرتيرا، واميل الغوري ويوسف صهيون وعمر الخليل وسامي طه* أعضاء (3 أعضاء من الهيئة – الحسيني والخالدي والغوري – وثلاثة أعضاء من خارجها). افتتحت الدورة الثانية للمؤتمر في 27/1/1947 وألقى رئيس الوفد الفلسطيني بيانا تجاهل فيه مشروع موريسون والمشروع العربي وكرر المطالب الوطنية الفلسطينية المبنية على قواعد الحق والعدالة والقانون الدولي ومبدأ حق تقرير المصير. وفي 7 شباط عقد المؤتمر جلسة عامة ثانية أعلن فيها وزير الخارجية البريطانية بيفن أن الحكومة البريطانية لا تستطيع القبول بالمشروع العربي الذي قدمته وفود الدول العربية خلال الدورة الأولى للمؤتمر. وقدم إلى المؤتمر مقترحات جديدة لحل قضية فلسطين، وطلب من الوفود العربية دراستها وابداء الرأي فيها (عرفت هذه المقترحات باسم مشروع بيفن*). ورفضت الوفود العربية مقترحات بيفن. وقد الوفد الفلسطيني بدوره استقلا على مشروع بيفن أعلن فيه رفضه أياه وأكد تمسكه بمطالب الشعب الفلسطيني وميثاقه الوطني. وفي 14/2/1947 عقد المؤتمر جلسة أعلن فيها وزير الخارجية البريطانية أن الحكومة البريطانية قررت رفع القضية إلى الأمم المتحدة، ثم أعلن انتهاء المؤتمر.   المراجع:   شفيق ارشيدات: فلسطين – بيروت 1961. عبد الوهاب الكيبالي: تاريخ فلسطين الحديث، بيروت 1973. ناجي علوس: الحركة الوطنية الفلسطينية أمام اليهود والصهيونية (1882-1948)، بيروت 1974. صالح مسعود بويصير: جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن، بيروت 1968. أحمد طربين: محضرات في تاريخ قضية فلسطين، القاهرة 1959.