الوفد العربي الفلسطيني إلى سويسرا

على أثر انتهاء الحرب العالمية الأولى (1914-1918) بانتصار الحلفاء وهزيمة ألمانيا وحلفائها عقدت دول الحلفاء معاهدة صلح مع ألمانيا (معاهدة فرساي) ومعاهدة مماثلة مع الدولة العثمانية (معاهدة سيفر). وقد نصت المعاهدة الأخيرة على تنازل الدولة العثمانية عن الولايات العربية التي كانت تابعة للدولة العثمانية أو جزءا منها. ثم قامت الثورة التركية بقيادة فلسطين كمال ونشبت الحرب التركية –اليونانية فكتب النصر فيها للأتراك وأعدوا السلطة التركية على استانبول والأراضي التركية الأوروبية وأخرجوا الدول الأجنبية منها وخلعوا السلطان وأعلنوا تركيا جمهورية. واعتبر حكومة تركيا الجدد أن معاهدة سيفر مجحفة بحقوق الأتراك وكيانهم فأعلنوا عدم اعترافهم بها أو ارتباطهم بنصوصها وشروطها. وكان معنى هذا الموقف التركي بقاء حالة الحرب قائمة بين الأتراك والحلفاء.وقد جرت عدة مباحثات واتصالات بين الجانبين انتهت بالموافقة على عقد مؤتمر في لوزان بسويسرا لانهاء الحالة المذكورة وعقد معاهدة صلح جديدة بين الحلفاء وتركيا. ورأى الفلسطينيون أن عقد هذا المؤتمر يوفر لهم فرصة يحسن انتهازها لصالح فلسطين وقضيتها فبعث اللجنة التنفيذية للمؤتمر الفلسطيني الرابع بمذكرة إلى الجمهورية التركية تطلب اليها فيها عدم التنازل عن فلسطين وسائر الولايات، على أمل أن تنجم عن ذلك المواقف مناسبات للتعرض لوعد بلفور (رَ: بلفور، وعد) والانتداب البريطاني. وبعثت اللجنة ببعض الشخصيات التي لها علاقات ومعرفة بزعماء الثورة التركية إلى أنقرة للاتصال بالمشؤولين الأتراك بهذا الشأن. ولما تم الاتفاق على موعد انعقاد مؤتمر لوزان أوفدت اللجنة التنفيذية المذكورة وفدا فلسطينيا إلى سويسرا. وكانت مهمة الوفد الاتصال بالوفد التركي إلى المؤتمر وحثه على عدم اعلان تنازل تركيا عن الولايات العربية المذكورة آنفا (ومنها فلسطين). وفي حال اضطرار تركيا إلى اعلان مثل هذا التنازل يطلب الوفد الفلسطيني من الأتراك اشتراط عدم جواز اعطاء وعد بلفور) لليهود بانشاء وطن قومي لهم في فلسطين والاعتراف باستقلال فلسطين وعدم وضعها تحت الانتداب الأجنبي.وبتعبير آخر أن يشترط الأتراك مقابل تنازلهم بقاء فلسطين وسائر الولايات العربية على وضعها الجغرافي والسكاني والسياسي الذي كانت عليه في العهد العثماني، أي الحالة الراهنة. تتألف الوفد الفلسطيني برئاسة موسى كاظم الحسيني* (القدس) وعضوية أمين التميمي* (نابلس) ووديع البستاني* (حيفا) المحامي ابارع والخبير في المعاهدات والعلاقات والقوانين الدولية. سافر الوفد في أواخر عام 1922 إلى سويسرا فقضى فيها نحو ثلاثة أشهر خلالها في بعض المناسبات مدينة جنيف للاتصال بعصبة الأمم* ولجنتها الدائمة للانتدابات بشأن قضية فلسطين ومطالب أهلها. وبذل الوفد الفلسطيني جهودا كبيرة لاقناع الجانب التركي بقبول طلب الفلسطينيين والعمل على تحقيقه. على أن جهود الوفد والمساعي الأخرى التي كانت تبذلها اللجنة التنفيذية مع الحكومة التركية ورسلها إلى أنقره لم تحقق بلوغ الهدف الذي أراده الفلسطينيون. فقد عقد الأتراك مع الخلفاء معاهدة مونترو وأعلنوا بموجبها تنازلهم عن الولايات العربية التي سلخت عن الدولة العثمانية. غادر الوفد الفلسطيني سويسرا عائدا إلى فلسطين. وجرى له في محطة سكة حديد القدس في 23/3/1923 استقبال شعبي حافل، وواكبه مظاهرة كبيرة وهو في طريقه إلى دار اللجنة التنفيذية في باب العامود. وعندما وصل الوفد والمتظاهرون إلى ساحة باب العامود داهمهم رجال الشرطة والجيش بالقوة لتفريقهم. وقد وقع بين العرب والانكليز اصطدام عنيف أصيب خلال 27 عربيا و11 بريطانيا بجراح.