القدس – المباني الأثرية والتاريخية المسيحية

تعود علاقة المسيحين بالقدس إلى الفترة التي نشر فيها السيد المسيح بمعتقده حسب ما ورد في الأناجيل المقدسة. وقد ظل الوجود المسيحي في المدينة متواصلا منذ ذلك العهد حتى أيامنا إلا أن الوجود هذا بقي سرياً أو غير معترف به حتى سنة 325 عندما اعتنق الامبراطور قسطنطين الكبير ووالدته هيلانة الدين المسيحي الذي انتشر بعد ذلك في الامبراطورية. في حزيران/يونيو من ذلك العام عقد أول مجمع مسيحي في نيقية حضره الامبراطور ويسمع في أثنائه من أسقف القدس مكاريوس الأول أن الأماكن المقدسة مطمورة وأقيم على معظمها هياكل وثنية وخصوصاً في عهد الامبراطور الروماني هدريان فلم يكن منه بعد عدة أشهر إلا أن أوفد الملكة هيلانة لاظهار هذه المقدسات وتطهيرها من المباني الوثنية ولما نجحت في العثور على المغارة التي ألقيت فيها الصلبان وكذلك الجلجلة ومكان القبر المقدس أمر الامبراطور قسطنطين الكبير بأن تشاد كنائس فخمة فوق هذه الأماكن فيوشر بها حالا وتولت الملكة هيلانة بنفسها مراقبة البناء وفقاً لرغبة ابنها الامبراطور وهكذا قامت خلال مدة وجيزة كنيسة القيامة فوق الموقع الذي يعتقد أن المسيح صلب فيه وكنيسة المهد في بيت لحم فوق المغارة التي ولد فيها السيد المسيح وكنيسة ثالثة في العلية على جبل صهيون دعيت باسم الرسل الأطهار أو الرسل القديسين بالإضافة إلى كنائس كثيرة أخرى في أنحاء متفرقة من فلسطين وعليه يمكننا اعتبار هذه السنة 326م بداية حركة العمران الديني من قبل المسيحيين في الأراضي المقدسة ونورد فيما يلي ذكراً لأسماء هذه المباني الأثرية والتاريخية المسيحية في المدينة المقدسة. إلا أنه يحسن بنا في هذا المجال أن نذكر الهيئات للكنيسة المختلفة التي كانت موجودة في القدس إذ أن لذلك علاقة وثيقة بهذه الأوقاف والمقدسات التي تتحدث عنها والأرجح أن فتح القدس على يد الخليفة عمر بن الخطاب لدى تسلمه مفاتيح المدينة من البطريرك العربي صفرونيوس  يشكل بداية تكاثر الكنائس في المدينة لأن العهدة العمرية فتحت آفاقاً بالنسبة للتسامح الديني، وقد كان في القدس كنيسة جامعة تضم الروم والعرب والسريان وقد تغير هذا الوضع نتيجة لخلع نير الحكم البيزنطي فأصبحت هناك كنائس أخرى بالإضافة إلى الكنيسة الأولى الأرثوذكسية هي كنائس الأرمن والسريان والأقباط والأحباش والكلدان والآشوريين والموارنة وظهرت في القرن الثاني عشر أثناء حروب الفرنجة كنائس للاتين والكرج ثم كنائس الروم الكاثوليك والروس وفئات البروتستت المتعددة في أوساط القرن التاسع عشر. كنيسة القيامة أو كنيسة القبر المقدس كما يسميها المسيحيون في الغرب هي أقدس كنيسة في العالم المسيحي وكان بناؤها ببادرة من الملكة هيلانة أم الملك قسطنطين في المكان الذي وجدت فيه خشية الصليب المعروف الآن بمغارة الصليب وقد ازدادت مكانتها علوا بعد أن أعلن المجمع الرابع المنعقد في خلكيدون عام 451 اعتماده لبطريركية القدس لتصبح رابع البطريركيات الرسولية الشرقية بالإضافة إلى روما. (رَ: القيامة /كنيسة). وقد تطور على مر السنين تراث خاص بالمسيحية ومزاراتها في القدس فهي تخضع لنظام الستاتيسكو الذي استحدثه سلاطين بني عثمان منذ أواسط القرن السابع عشر وبموجبه أعطي الحق في الاشراف على كنيسة القيامة ومقدسات أخرى إلى كل من الروم الارثوذكس واللاتين الفرنسيكان والأرمن والأقباط والسريان الأرثوذكس كما أن هنالك تقليداً متوارثاً منذ أجيال موغلة في القدم لقيام ممثلين عن ثلاثة عشر عائلة عربية في القدس لحمل الاعلام خلال احتفالات سبت النور قبل عيد الفصح في كل عام رغم سيطرة الرهبان اليونان البطريركية الأرثوذكسية كما لا يزال التقيد الذي يقضي بقيام عائلتين اسلاميتين بالحراسة على أبواب الكنيسة ساريا منذ قرون عديدة حسب تقاليد اختلف المؤرخون في تحديد أصلها وتاريخها إلا أنه من المفيد في هذا المجال ايراد ما قاله المرحوم عارف العارف في كتابه “المسيحية في القدس” “ان آل جودة هم الأمناء لمفاتيح الكنيسة وأن آل نسيبة هم الذين يقومون بمهمة الفتح (للأبواب) وأن هذه المهمة تقوم بها هاتان العائلتان الاسلاميتان العريقتان منذ عهد قديم ورضي بها المسيحيون منذ مدة لا تقل عن ثمانية قرون”. المقدسات التي تخضع لنظام الستاتيسكو هي بالإضافة إلى كنيسة القيامة كنيسة الصعود على جبل الزيتون وكنيسة العذراء مريم في الجثمانية ودير السلطان على سطح كنيسة القيامة بينما يؤلف درب الآلام الطريق التي يعتقد المسيحيون أن السيد المسيح سار عليها حاملا الصليب وهي تتألف من أربعة عشر مرحلة تبدأ في الموضع الذي يعتقد أن الوالي الروماني كان يتخذه مقراً له وتنتهي عند القبر المقدس داخل كنيسة القيامة. المباني الأثرية والتاريخية المسيحية الأخرى كثيرة في المدينة المقدسة وسنذكرها بايجاز لكل كنيسة فالروم الأرثوذكس لهم دار البطريركية التي تقع الى الشمال من كنيسة القيامة وفيها مكتبة تعد من أغنى المكتبات من حيث قيمة الكتب والمخطوطات الموجودة فيها خصوصا وأن المكتبة تأسست عام 1865 بعد تأسيس مطبعة دير الروم الأرثوذكس بالقدس عام 1854 وهناك تسعة عشر كنيسة بما فيها كنيسة القيامة والجثمانية وستنا مريم والقديسين قسطنطين وهيلانة بالدير المركزي ومار متري ومار يعقوب وفيه كنيسة حاملات الطيب والأربعون شهيد وكنيسة دير حبس المسيح وهنالك واحد وعشرون ديرا بينها دير السيدة العذراء مقابل كنيسة القيامة والدير المركزي لبطريركية الروم الأرثوذكس ودير مار الياس على طريق بيت لحم ودير صهيون ودير مار يوحنا المعمدان الذي استولى عليه المستوطنون الصهاينة ودير المصلبة الذي حوله البطريرك كيرالس عام 1855 إلى مدرسة لاهوت لتعليم أصول الدين الأرثوذكس وأغلقت بسبب الضائقة المالية عام 1909 ودير مار سابا قرب سلوان الذي لا يسمح للنساء بدخوله. وللأرمن الأرثوكس أوقاف كبيرة المساحة في القدس وفي مقدمتها دير مار يعقوب أو دير القديس جيمس الكبير الذي يشغل مساحة كبيرة من الأرض ويحتوي على دار البطريركية وكنيسة ومدرسة اللاهوت ومكتبة عامرة ومطبعة عامرة ومطبعة ودير الزيتونة ويسمى دير مار آركانجل ويقع وراء دير مار يعقوب وفيه مدرسة للبنات وكنيسة ودير حبس المسيح على جبل الزيتون أما الأرمن الكاثوليك فليس لهم في القدس سوى كنيسة ودار البطركية في حي الواد. ولللاتين والرهينات الكاثوليكية أوقاف في القدس كثيرة وفي مقدمتها دار البطريركية وتعرلف بالكرسي الأورشليمي وتم بناؤها عام 1872 وهي مقر بطريرك اللاتين أما مقر حارس الأرض المقدسة الفرنسيكاني فيقع في دير الافرنج أو دير اللاتين في حارة النصارى وفيه ميتم وصيدلية ومطحنة وفرن وورش للنجارة والحدادة والخياطة والسكافة والحفر ومصنع للمفكرونة وفيه كنيسة المخلص وهي الكنيسة الكبيرة لرعية اللاتين في  القدس كما أن لهم كنيسة الجثمانية التي تم بناؤها بين 1919 و1924 وهي غاية في الاتقان والجمال وكنيسة مار فرنسيس ودير صهيون حيث يقال ان السيد المسيح تناول العشاء الأخير ودير حبس المسيح ودير الدومينكان الذي بني عام 1885 إلى الشمال من باب العامود خارج الأسوار ودير مار يوسف الذي فيه مدرسة البنات المشهورة والمستشفى الفرنسي (القديس لوين) ودير راهبات صهيون في البلدة القديمة والكازانوفا والهويبيس النمساوي الذي بني كنزل بعد حرب القرم عام 1856 وتحول إلى المستشفى الوحيد داخل الأسوار بعد حرب 1948 وعمارة النوتردام التي اشتهرت خلال الحرب كما أن الكاثوليك الألمان دير القديس بوميوس في البقعة وفيه نزل للحجاج وكنيسة نياحه العذراء دورميثون على جبل صهيون. كنيسة العذراء للسريان الأرثوذكس تقع في دير مار مرقس الواقع في حارة الشرف بين حارتي الأرمن واليهود ولهم أيضاً دير القدس الذي يعتقد أنه بني على المكان الذي سجن فيه القديس بطرس أما السريان الكاثوليك فمقرهم دير يقع على الطريق بين باب العمود وعمارة النوتردام ولهم دير مار مبارك المطل على سلوان. وأما الأقباط فلهم دير السلطان الملاصق لكنيسة القيامة من الناحية الجنوبية الشرقية والذي أخذ هذا الاسم عندما رده اليهم السلطان صلاح الدين ودير مار أنطونيوس الذي فيه دار الأسقفية الملاصق لكنيسة القيامة من الناحية الشمالية الشرقية وخان القبط في حارة النصارى حيث ينزل الحجاج الأقباط عند زيارتهم للقدس ودير مار جرجس في حارة الموارنة حيث تقع فيه كنيسة القديس جرجس وكانت تعرف سابقاً بكنيسة الخضر. وللأحباش دير الحبش الملاصق لكنيسة القيامة وكنيسة الحبش خارج السور الملاصق لدير الجنة الذي يقع إلى الشمال الغربي من المسكوبية. خلال القرن التاسع عشر وفدت كنائس أخرى وكان من نتيجة ذلك انتشار الأبنية المختلفة في القدس فقد أسس الروم الكاثوليك أبرشيتهم عام 1848 وبنوا بعد ذلك كنيسة القديسة حتة بين باب حطه وباب الأسباط وكنيسة القديسة فيرونيكا على درب الآلام أما الروس الذين باشروا نشاطهم في منتصف القرن التاسع عشر فلهم مكان واسع الأرجاء خارج السور يعرف بالمسكوبية وفيه دار للأسقفية وكنيستان ومستشفى ومنازل عديدة لسكن الحجاج وكنيسة القديسة مريم المجدلية القريبة من الجثمانية التي أنشأتها العائلة الروسية المالكة لتخليد ذكرى القيصر عام 1889 وكنيسة الصعود على جبل الزيتون من الغرب وكانت أعلى بناء في القدس أما داخل السور فلهم دير يعرف بالمسكوبية يقع الى الشرق من كنيسة القيامة. الكنائس البروتستنتية بدورها أظهرت نشاطاً في هذا المجال فقد بنة الألمان دار الأيتام السورية – مدرسة شنللر وكنيسة المخلص المعروفة بكنيسة الدباغة قرب كنيسة القيامة ونزل أوغستا فكتوريا – المطلع الذي بني عام 1905 لتكريم العيد الفضي لزواج القيصر ويلهام والامبراطورة أوغستا فكتوريا أما الانجليز فقد بنوا كنيسة يسوع قبالة القلعة قرب باب الخليل وكاتدرائية القديس جورج وكنيستها ومدرستها الشهيرة خارج السور ومستشفى سان جون المعروف لأمراض العيون في حي البقعة بينما قامت الرعية البروتستنتية العربية ببناء كنيسة القديس بولس خارج السور قرب دير الحبش والمسكوبية وفي الفترة نفسها أسست جالية أميركية بروتستنتية ما يعرف الآن بالكولونية الأميركية وفندقها المعروف في حي الشيخ جراح. من المعالم التراثية الكثيرة في المدينة المقدس معلم يستحق ذكراً خاصاً لأن بنايته من أجمل البنايات التي أقيمت في القرن الأخير هو مقر جمعية الشبان المسيحيين الذي يقع على شارع جوليان مقابل فندق الملك داود في الحي المعروف بالنيكيفورية على أرض كانت في الأصل ملكاً لدير الروم الأرثوذكس فاشترتها اللجنة الدولية لجمعية الشبان المسيحية ووهبتها للجمعية في القدس وبعدها تبرع الأميركي جيمس جارفي عام 1924 بمبلغ مليون دولار لإقامة البناء مما مكن الجمعية من تقديم العديد من الخدمات لأهل القدس في الحقول الثقافية والاجتماعية والرياضية.   المراجع:   الراهب جودفري: حاج في الأراضي المقدسة (بالانجليزية)، القدس 1997. رائف نجم (منسق ): كنوز القدس، القدس 1983. شحادة خوري ونقولا خوري: خلاصة تاريخ كنيسة أورشليم الأرثوذكسية، القدس 1925. صالح الحمارنة (محرر): ذاكرة القدس – المرحوم كامل العسلي، عمان 1996. عارف العارف: المسيحية في القدس، القدس 1954. عارف العارف: المفصل في تاريخ القدس، القدس 1966. كامل العسلي (محرر): القدس في التاريخ (بالانجليزية) لندن 1989.