هولندا والقضية الفلسطينية

ما من دولة أوروبية غربية أيدت (إسرائيل) منذ نشوئها ووقفت إلى جانبها في مختلف المجالات والمحافل مثل هولندا. فقد صوتت لصالح تقسيم فلسطين* في لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين* عام 1947. وعندما أصدرت الجمعية العامة توصيتها بتقسيم فلسطين يوم 29/11/1947 كانت هولندا في مقدمة الدول التي  تبنت تلك الوصية، وبذلت الجهود لاقرارها. وقد اعترفت هولندا (بإسرائيل) وتبادلت معهد التمثيل الدبلوماسي واغتنمت الغرض لتأييدها ودعم مواقفها. لا بل ان هولندا انفردت أكثر من مرة بهذا التأييد من بين دول الأسرة الأوروبية قاطبة. ففي مفاوضات دول السوق الأوروبية المشتركة في بروكسل عام 1966 كانت هولندا الدولة الوحيدة التي أيدت طلب (إسرائيل) الانضمام إلى تلك السوق. كما أنها كانت الدولة الوحيدة بين دول السوق التي قبلت أن يكون مقر مغادرتها في مدينة القدس استجابة للرغبة الإسرائيلية. ويقال ان من جملة أسباب العلاقة السياسية القوية بين هولندا (وإسرائيل) معاناة الأولى من الاحتلال النازي أكثر من غيرها من دول أوروبا، الأمر الذي أورثها عطفا خاصا على اليهود استثمره الصهيونيون وغذوه وأبقوا حيا إلى الآن. واذا كانت هولندا قد منحت (إسرائيل) تأييدا سياسيا خاصا أثناء حرب 1967* ورعت مصالحها في الاتحاد السوفييتي وبولونيا بعد قطع هاتين الدولتين علاقاتهما بـ(إسرائيل)، اذا كانت هولندا قد فعلت ذلك كله من قبل فانها في حرب 1973* فتحت أراضيها وأجواها من دون غيرها من الدول الأوروبية لتأمين المساعدات الأمريكية العسكرية (لإسرائيل). وتميزت مواقف هولندا، باستثتناء حالات نادرة أو هامشية، بتبني المواقف السياسية الاسرائيلية دائما، وبالدفاع عنها، سواء أكان ذلك على صعيد الأمم المتحدة أم في اجتماعات السوق الأوروبية المشتركة. وحتى عندما وافقت على موقف أوروبي موحد، كما حدث في وثيقة شومان عام 1971 وبيان مجموعة الدول التسع في 6/11/1973 كانت تحرص على أن تكون آخر من يوافق وأول من يتنصل. وكان طبيعيا، والموقف الهولندي على ما هو عليه، وأن تتردى العلاقات بين هولندا ومعظم الدول العربية، ولا سيما في حرب 1973. فقد رآت الدول العربية النفطية على مواقف هولندا المنحازة بحظر النفط العربي عنها دون غيرها من الدول الأوروبية، في حين أمم العراق حصتها في شركة نفط البصرة. وكذلك سارعت (إسرائيل) رسميا وشعبيا إلى تقدير موقف هولندا واعلان التضامن معها. وقد رفع حظر النفط هذا بقرار من وزراء النفط العرب المجتمعين في القاهرة 10/7/1974 بعدما رفضت هولندا في بيان رسمي أنها التزمت سياسة الأسرة الأوروبية. ولكن سرعان ما عادت سيرتها الأولى فامتنعت مثلا عن التصويت على قرار الجمعية العامة ذي الرقم 3210 (د-29) عام 1974 القاضي بدعوة منظمة التحرير الفلسطينية* إلى الاشتراك في مداولات الجمعية العامة بشأن قضية فلسطين. وصوتت في العام نفسه أيضا ضد القرار3236 (د-29) القاضي بمنح المنظمة مركز مراقب في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والمؤتمرات التي تنعقد في ظلها، وآخر مظاهر الغذاء الهولندي الرسمي للعرب وقضيتهم رفض هولندا نقل مقر سفاراتها من القدس إلى تل أبيب استجابة لطلب الدول العربية والاسلامية في أيار 1979. وبما لا شك فيه أن الصداقة السياسية التقليدية والتعاون الاقتصادي المتزايد بين هولندا (وإسرائيل) يعودان الى وجود جالية يهودية قديمة قوية النفوذ في المملكة الهولندية. وقد توطد هذا النفوذ اليهودي ثم الصهيوني، بعد طرد اليهود من اسبانيا الكاثوليكية عام 1492م ولجوئهم إلى هولندا – وكانت بروتستانتية ليبرالية آنذاك – حيث أسسوا لأنفسهم، منذ القرن السابع عشر، مكتملة مالية وتجارية وسياسية بارزة. وقد حرصت (إسرائيل) منذ قيامها على توظيف “الوجود اليهودي الصهيوني” في هولندا لخدمة مصالحها الرأي العام الهولندي بمرور الزمن أميل إلى التعاطف مع (إسرائيل) التي نجحت أيضا في تجميد أنصار لها حريصين على مساعدتها في مختلف المجالات السياسية والاعلامية والتجارية والسياحية. وكان وجود حزب العمل الإسرائيلي* مع حزب العمل الهولندي في منتدى الاشتراكية الدولية – وما يزال – عاملا بارزا في تطوير العلاقات الهولندية –الإسرائيلية وتنميتها على حساب الموقف العربي من القضية الفلسطينية. المراجع: محمد عزة دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، ج2، بيروت 1960. شحادة موسى: علاقات اسرائيل مع دول العالم 1967-1970، بيروت 1971. أسعد عبد الرحمن (اشراف) الحرب العربية – الإسرائيلية الرابعة، وقائع وتفاعلات، بيروت 1974. مؤسسة الدراسات الفلسطينية: الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية لأعوام 1965، 1966، 1967، 1968، 1972، 1973، 1974، بيروت.