الولايات المتحدة الأمريكية والقضية الفلسطينية

قلما شهد العالم حركة تعتمد “المكيافيلية” في عملها كالحركة الصهيونية. فالغاية عندها دوما تبرز الواسطة مهما كانت هذه الواسطة لا أخلاقية (رَ: الصهيونية). منذ دشن مؤتمر بال في عام 1897 (رَ: المؤتمر الصهيوني) مخطط العمل الصهيوني لاستعمار فلسطين واقامة دولة لليود فيها والزعماء الصهيونيون لا يتركون مناسبة الا استغلوها لتحقيق أهدافهم المرسومة بدقة. فلقد اتصلوا في آن واحد بأكثر من بلد، للحصول على براءة استعمار فلسطين. وكان أسلوب جدلهم ووعودهم وعهودهم يتفاوت بين زعيم وآخر وبلد آخر في آن معا. ولا غرو فقد اتصلوا بقيصر ألمانيا وسلطان بني عثمان وآخرين كثيرين، وتمكنوا من التغلغل في دوائر الحكم البريطاني فوجدوا فيها مجالا رحبا لنشاطهم. وكان أن أصدرت بريطانيا وعد بلفور* وسهلت هجرة اليهود إلى فلسطين في ظل نظام الانتداب الذي أدارته بطريقة توافق المطامع الصهيونية تمام الموافقة (رَ: الانتداب على فلسطين، صك). لكن اصطدام بريطانيا بالشعب العربي في فلسطين غير مرة واضطرارها ازاء مقاومته المستمرة إلى اتباع سياسة مد وجزر كان من أواخر مظاهرها الكتاب الأبيض  لعام 1939 (رَ: ماكدونالد، كتاب – الأبيض 1939) جعلا الزعماء الصهيونيين يبدأون بالبحث عن حليف جديد. ومع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها بدأ يتضح كل ذي عينين أن ميزان القوى في العالم أخذ يميل لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية. ولذلك اتجهت أنظار الصهيونية اليها تصبح مصدرا للمساعدة السياسية بعد أن كانت مصدرا رئيسا للمساعدات المالية فحسب. أ- من 1940 إلى 1967: بدأت الولايات المتحدة تصبح منذ عام 1940 بؤرة النشاط الصهيوني بالرغم من أن بريطانيا ظلت تتبوأ مركز الاهتمام الأول بسبب استمرار انتدابها على فلسطين. والملاحظ ان المنظمة الصهيونية* التي عقد عليها كثير من الساسة البريطانيين آمالهم في الدعم الاستراتيجي للمصالح البريطانية في الشرق الأوسط تحولت بدون تردد عن القوة البريطانية التي لولا مساعدتها لظلت الحركة الصهيونية منذ عهد بعيد في عالم النظريات. ولقد نقلت الصهيونية مصالحها الرئيسة من بريطانيا إلى أمريكا (التي بدأت تزحزح الأولى عن مكانها في المنطقة وتحتله تدريجيا) بنفس المرونة التي اتسمت بها على الدوام منسجمة في ذلك مع أسلوبها الانتهازي. ولقد ساعدت عدة عوامل على أن تنهج الولايات المتحدة منذ اقرار برنامج بلتمور* الشهر عام 1941 سياسة مؤيدة للصهيونية جهارا هي: 1) انتقال مسؤولية ما بدأته بريطانيا في المشرق العربي عامة وفلسطين خاصة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لكي تتابع تنفيذه أصبحت بريطانيا عاجزة ماليا وسياسيا عن مجابهة الأخطار التي تهدد مصالحها من داخل المنطقة وخارجها. ويعني هذا بعيار أخرى حلول الولايات المتحدة الفتية القوية على مسرح العلاقات الدولية عموما والشرق أوسطية خصوصا محل الامبراطورية التي دخلت مرحلة الشيخوخة والهرم. 2) الحملة الدعائية الصهيونية القوية في تنظيمها وأسلوبها في العمل. فقد مارست آلة الدعاية الصهيونية ضغطا كبير على الحكومة والرأي العام الأمريكيين من المسؤولين الأمريكيين في تلك المرحلة قوة هذا الضغط، ولا سيما في الأيام الثلاثة التي بحث خلالها مشروع التقسيم في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 (رَ: تقسيم فلسطين). 3) السياسة الداخلية الأمريكية والعناصر المؤثرة فيها بما ينعكس على السياسة الخارجية. فلقد كانت أصوات اليهود الانتخابية وأصوات المتعاطفين معهم دافعا مؤثرا في هذا الباب كما صرح بذلك رئيس الولايات المتحدة آنذاك هاري ترومان للمندوبين العرب الذين قابلوه للاحتجاج على سياسته المنحازة (لاسرائيل). 4) العطف العالمي على اليهود الذين استهدفتهم – فيمن استهدفت – اضطهادات هتلر وتعدياته، أو ما يمكن تسميته وبعقدة الذنب الاتعكاسية “وترجمتها الفعلية “دع العرب يندفعون من أجل مظالم الأوروبيين”. وهكذا تسللت الحركة الصهيونية إلى أروقة مكاتب صنع القرار السياسي الخارجي الأمريكي وتمكنت من تسخير هذا القرار لتحقيق مطامعها في اقامة (دولة إسرائيل) واسباغ الشرعية الدولية عليها، ثم في مد حدود هذه الدولة باتجاه حدود “اسرائيل الكبرى” مع السعي إلى الاعتراف بهذا التوسع من العالم كله،ومن العرب الفلسطينيين أصحاب الحق الشرعيين في البلاد. ويمكن القول دون تجاوز انه رغم بعض الاعتدال التكتيكي الذي يمكن لمسه في سياسة أمريكا تجاه القضية الفلسطينية في جزء من أيام حكم الرئيس أيزنهاور فان التصلب الاستراتيجي الأمريكي لصالح (إسرائيل) هو السمة التي يمكن أن توصف بها السياسة الأمريكية في الوطن العربي. ويتضح هذا من متابعة السياسة الأمريكية من بداية التدخل حتى عام 1967. فقد مرت هذه السياسة بمرحلتين: 1) الأولى وقد امتدت من بدء التدخل الأمريكي المباشر في القضية الفلسطينية إلى عقد اتفاقيات الهدنة الدائمة العربية الاسرائيلية عام 1949. وهي المرحلة التي يسميها الدكتور فايز صايغ* مرحلة التجني أو الخطيئة الأصلية. سخرت الحكومة الأمريكية في هذه المرحلة جميع طاقاتها للحصول على تأييد دولي لفكرة انشاء الدولة اليهودية في فلسطين والاعتراف بها عند قيامها وادخالها  في عضوية الأمم المتحدة، ثم التنظيم وضعها في المنطقة عن طريق تطبيع علاقاتها بجميع الدول العربية المجاورة لها. وقد استسلم كل من الرئيسين روزفلت وخلفه ترومان للضغط الصهيوني فيما يتعلق باستمرار تدفق الهجرة الصهيونية إلى فلسطين* واستخدما نفوذهما لدى بريطانيا لتشجيع ذلك. فقد فوض الرئيس روزفلت عام 1944 – وكان عام التحديات – رئيس مجلس الطوارىء الصهيوني الأمريكي بأن يعلن أن الحكومة الأمريكية لم توافق أبدا على الكتاب الأبيض الصادر عن بريطانيا عام 1939. وبالاضافة إلى ذلك أعلن البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي (حزب روزفلت) في 20/7/1944 ما يلي: “نحن نؤيد فتح أبواب فلسطين للهجرة والاستعمار اليهودين دون أي قيود، ونفضل تلك السياسة التي تؤدي إلى قيام كومونولث يهودي ديمقراطي خبر هناك”. واتخذ ترومان خطوته الحاسمة الأولى لتشجيع الهجرة الصهيونية إلى فلسطين في 31/8/1945 عندما طلب باسم حكومة الولايات المتحدة من اتلي رئيس الحكومة البريطانية آنذاك ادخال مائة ألف يهودي إلى فلسطين. ثم ذهب ترومان بتاريخ 4/10/1946 – وهي سنة انتخاب أعضاء الكونغرس – إلى أبعد من ذلك فطلب ادخال مائة ألف يهودي آخر في الحال، وأوصى بمشروع تقسيم فلسطين على غرار الخطوط التي اقترحها الوكالة اليهودية*. وخلال المناقشات الخطيرة لمشروع التقسيم في الجمعية العامة للأمم المتحدة في خريف عام 1947 تعاون مندوبو الولايات المتحدة تعاونا وثيقا مع ممثلي الوكالة اليهودية في السعي نحو اقرار المشروع. وكان دور البيت الأبيض بعيد المدى في حملة الضغط الأمريكية الصهيونية المشتركة. فقد صدرت أوامر من ترومان نفسه لممارسة أشكال الضغط المباشرة وغير المباشرة. وعهد إلى المسؤولين الأمريكيين بتنفيذ ذلك في بلدان العالم غير العربي أو الاسلامي التي ما تزال مترددة أو معارضة للتقسيم. واستخدم البيت الأبيض المبعوثين والوسطاء، ومن بينهم الكاردينال سليمان رئيس أساقفة نيويورك لتأكد من ضمان الأكثرية المطلوبة في نهاية الشوط. ولقد تعرضت للضغط بصورة خاصة كل من الصين والحبشة وايونان وهايتي وليبريا والفليبين. وكانت جميعها تنوي التصويت ضد مشروع التقسيم في الجمعية العامة للأمم المتحدة. والنتيجة هي أن اليونان وحدها صمدت في وجه هذه الضغوط التي تراوحت بين الاكراه السياسي والتهديد بقطع المعونات الاقتصادية. وجرى أخيرا اقرار التقسيم بأغلبية 33 صوتا ضد 13 وامتناع عشرة أعضاء عن التصويت. وقد قيم دافيدهورفيتش أحد ممثلي الوكالة اليهودية لدى الأمم المتحدة دور واشنطن في الجمعية العامة على الشكل التالي: “وضعت الولايات المتحدة ثقل نفوذها في الساعة الأخيرة تقريبا. ولا بد من ارجاع الفضل في نتيجة التصويت النهائي إلى هذه الحقيقة”. ولما أعلن قيام (دولة إسرائيل) في 14/5/1948 سارع الرئيس ترومان إلى الاعتراف بها بعد 11 دقيقة  فقط من الاعلان. بل صدر الاعتراف قبل أن تطلبه حكومة (إسرائيل) المؤقتة. يقول الكتاب الأمريكي الصهيوني نداف سفران: “ان المشروع الصهيوني كان مستحيل التحقيق لولا تبني بريطانيا الحركة الصهيونية في نهاية الحرب العالمية الأولى واعطاؤها فرصة انشاء قاعدة آمنة في فلسطين عن طريق وعد بلفور والانتداب”. ويمكن أن يضاف إلى ذلك، على ضوء ما تقدم من وقائع، أنه اذا كانت بريطانيا قد قدمت اذن الاغتصاب “للأرض الموعودة”* وسهلت دخول الصهيونيين اليها فان المشروع كان مستحيل التحقيق لولا تبني الولايات المتحدة الحركة الصهيونية في نهاية الحرب العالمية الثانية واعطاؤها، لا اذن البناء فحسب بل الوسائل الكافية والمال اللازم لاقامته عن طريق الدعم السياسي وقرار التقسيم والاعتراف الآتي: وقد تابعت الولايات المتحدة في مرحلة “الخطيئة الأصلية” هذه سياستها لدعم “الدولة اليهودية” بقوة وثبات مذهلين. فقد كان الضغط الأمريكي واء الهدنة الأولى التي فرضها مجلس الأمن في حزيران 1948. فقد أدركت واشنطن أن المواجهة العسكرية العربية – الاسرائيلية ستحمل اذا استمرت النهاية الحتمية لتلك الدولة. وكان الضغط الأمريكي وراء فرض اتفاقيات الهدنة الدائمة التي وقعتها (إسرائيل) مع دول المواجهة العربية مصر ولبنان والأردن وسورية بعدما تيقنت واشنطن أن (إسرائيل) أفادت من فترة الهدنة الأولى لتصمد وتحقق مزيدا من التوسع الاقليمي فستولي على أراض لم تكن مخصصة لها بموجب قرار التقسيم. وكانت واشنطن ممن تغافلوا عن استيلاء (إسرائيل) على مناطق عربية جديدة حتى بعد اتفاقيات الهدنة الدائمة في عام 1949. ثم كانت واشنطن من الذين دفعوا (إسرائيل) إلى عضوية الأمم المتحدة بتاريخ 11/5/1949 (رَ: إسرائيل في الأمم المتحدة، عضوية). 2) المرحلة الثانية وقد امتدت من عام 1950 حتى عام 1967. وهي مرحلة حاولت أمريكا فيها “اقامة نوع من التوازن بين الدولة الدخيلة ودول المنطقة وسعت إلى المحافظة على الوضع الراهن الجديد الذي نشأ عن قيام اسرائيل”. وقد جسدت أمريكا المبدأ الذي قامت عليه سياستها في تلك المرحلة في البيان الثلاثي* الذي صدر في 25/5/1950 عن كل من أمريكا وبريطانيا وفرنسا واستهدف تجميد الخطوط العسكرية التي توقف عندها القتال (خطوط الهدنة) وتحويلها إلى حدود فعلية. وتمثلت تلك السياسة في عزم أمريكا على الحيلولة دون قيام عمل عسكري واسع من قبل أي فريق عبر تلك الخطوط عن طريق العنف، غلى الرغم من أن واشنطن غضت الطرف عن استمرار استيلاء (إسرائيل) التدريجي على المناطق العازلة (كمنطقة الحولة على الحدود مع سورية مثلا). وتبعا لذلك فقد اشتركت أمريكا في تأييد ادانة مجلس الأمن الدولي جميع العمليات العسكرية التي قامت بها (إسرائيل) عبر خطوط الهدنة. كما اشتركت أيضا في حمل (إسرائيل) على الانسحاب من سيناء بعد غزوها مصر بالتآمر مع بريطانيا وفرنسا في خريف عام 1956 (رَ: حرب 1956). وعلى الرغم من أن واشنطن دأبت تتحدث طوال تلك الفترة عن رغبتها في الوصول إلى تسوية دائمة للصراع العربي – الإسرائيلي فانها لم تقم بأي نشاط جاد فعلي لتحقيق ذلك.ولعلها كانت تدرك أن الوضع النفسي في الوطن العربي لم يكن يشجعها في تلك الآونة على القطع الجدي إلى اقامة تسوية تعترف فيها الدول العربية (باسرائيل).  أو لعلها كانت تدرك أن على (إسرائيل) تحقيق المزيد من التوسع قبل أن يحين أوان مثل هذه التسوية، وأن مجرى الأحداث يجعل الغرض الثاني أرجح. وهكذا ظل هدف أمريكا الأول في مرحلة 1950-1967 المحافظة على انجازات المرحلة السابقة، أي وجود (إسرائيل) ضمن خطوط الهدنة ومنع قيام أي تهديد عربي جدي للوجود الاسرائيلي. وبعبارة أخرى كان القصد تكريس الوضع الراهن الذي فرضته أحداث 1947 – 1949 في المنطقة، سواء في ذلك الأحداث الدولية في الأمم المتحدة أو الأحداث العسكرية في الأراضي المقدسة. أما قضية فلسطين – وهي أصل النزاع العربي – الإسرائيلي وجوهره وسبب نشوئه – فقد انتهجت أمريكا حالها في مرحلة التوازن هذه سياسة تقوم على تناسبها أو تقليصها إلى قضية لاجئين يستحقون الاغاثة والعون مؤقتا حتى يصار إلى تذويبهم النهائي في حسم المجتمع العربي. وفي تلك الفترة ظهر عدد من المشروعات الأمريكية أو المحرض عليها من أمريكا تؤكد هذه السياسة (كالمقترحات الأمريكية المقدمة للرئيس عبد الناصر عامي 1955 و1956، ومشروع دالاس* عام 1955، ومشروع ايدن* عام 1955). وهذا هو في الواقع ما يفسر أسباب الفتور – ان لم نقل المعارضة – الذي استقبلت به أمريكا قيام منظمة التحرير الفلسطينية* عام 1964 حتى حينما كان نشاطها مقتصرا على العمل السياسي والاعلامي. وعلى الرغم من أن سياسة الحكومة الأمريكية كانت تمثل بين 1950و1967 تحسبا نسبيا بالمقارنة مع سياستها في “مرحلة الخطيئة الأصلية” فان هذه المرحلة الثانية تميزت في الوقت ذاته يظهر التناقضات الجذرية بين الأهداف الأمريكية في الشرق الأوسط وتطلعات حركة التحرر الوطني التي بزعت في الوطن العربي في تلك الفترة عينها. ففي حين كان انحياز أمريكا إلى (إسرائيل) في المرحلة الأولى عاملا رئيسا من عوامل فتورها ازاء النضال العربي للتحرر من الاستعمار، أصبح عداؤها لحركة التحرر الوطني في المرحلة الثانية، ومقاومتها للنزعة الوحدوية القومية والتحرر الاقتصادي وعدم الانحياز، عاملا مؤثرا في تحديد نوعية الحياد الأمريكي الظاهري الشكلي تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي. وقد تجلى هذا الأثر بصورة خاصة في أواخر الفترة التي تتحدث عنها إلى أن كانت حرب 1967* فضربت أمريكا بحيادها الظاهري الشكلي هذا عرض الحائط وأحجمت عن تطبيق سياسة البيان الثلاثي التي أدعت الالتزام بها. وجدير بالذكر أن المسؤولين الأمريكيين – من الرؤساء المتعاقبين ونواب الرؤساء ووزراء الخارجية وسواهم – دأبوا يؤكدون في كل مناسبة منذ عام 1950 حتى عشية العدوان في حزيران 1967 أن البيان الثلاثي هو ركن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. بل ظلوا يؤكدون ذلك حتى كانت الحرب، مثلما فعل المندوب الأمريكي غولد برغ في مجلس الأمن الدولي في أيار 1967، والرئيس جونسون في 3/6/1967، ووزير خارجية دين راسك في تصريخ أدلى به صباح 5/6/1967. ولكن لم يأت أي مسؤول أمريكي منذ ذلك التاريخ على ذكر البيان الثلاثي في أي تصريح أو بيان سياسي. ومن جهة أخرى فان القول بأن موقف أمريكا في هذه المرحلة اتسم بالتوزازن لا يمنع من القول بأن واشنطن قصرت مفهوم التوازن على الجانب السياسي دون غيره. فهي لم تحرص في الجانب الاقتصادي المالي على اقامة توازن بين (إسرائيل) من ناحية وجاراتها العربيات مجتمعة من ناحية أخرى. ففي حين لم تتجاوز المساعدات المالية الأمريكية السنوية لعدد من الدول العربية، كالاردن ولبنان ومصر، عشرات الملايين من الدولارات كانت المساعدات (لاسرائيل) تصل إلى بضع مئات من الملايين. وقد صرح أبراهام أجمون مدير المالية الاسرائيلية بأن مجموع المساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة (لاسرائيل) خلال 27 سنة بلغ 5,5 مليار دولار. ورغم أن هذا الرقم مشكوك في دقته، لأن الرقم الحقيقي أكبر بكثير، فانه يعطي فكرة عن البون التاسع بين ما قدمته أمريكا (لاسرائيل) وما قدمته للدول العربية التي طلبت مساعدات، ناهيك عن استخدام أمريكا مساعدتها المالية المتواضعة لهذه الدول في الضغط عليها، وهو ما لم يحدث بالنسبة إلى (إسرائيل). وبالاضافة إلى ذلك سمحت أمريكا بأن تحول الجالية اليهودية سنويا إلى (إسرائيل) منذ انشائها حتى عام 1967 مبلغا يقدر ب 250 مليون دولار. وقد تضاعف هذا المبلغ فيما بعد. ولو تدبرنا أسلوب جمع هذه الأموال من الأمريكيين يهودا أو غير يهود على يد المنظمات الصهيونية المختلفة التي يقدر بعضهم عددها بـ306 منظمات أهمها منظمة الجباية اليهودية، أو تدبرنا ذلك لوحدنا مع السناتور وليم فولبرايت – في تحقيق مشهور أجزاء في مطلع الستينات – أنه أسلوب يتعارض مع القوانين الاتحادية الأمريكية التي تسمح بالأعفاء من الضرائب حين يوجه المبلغ المعفى إلى جمعيات خيرية تعمل لأغراض انسانية لا إلى دولة تستخدمه للتسلح والعدوان والتوسع. وفوق هذا وذاك لا يمكن تناسي الدور الأمريكي في جمع المال (لاسرائيل) من دول أخرى تحت شعارات شتى. ولعل من أهم ما يسجل هنا دور الولايات المتحدة في اثارة موضوع التعويضات الألمانية الغربية لضحايا الاضطهاد الهتلري واكراه حكومة بون على غير دفع مبالغ وصلت في أدنى التقديرات إلى ما يزيد على مليار ونصف مليار مارك ألماني إلى حكومة (إسرائيل) بوصفها ممثلة وحيدة “للشعب اليهودي” كله (رَ: ألمانيا الاتحادية). لم تراع حكومة الولايات المتحدة كذلك مبدأ التوازن في العلاقات العربية – الاسرائيلية بين عام 1950 وعام 1967 من الناحية العسكرية. واذا كان صحيحا أنها لم تبع (إسرائيل) خلال هذه الفترة أسلحة فعالة كالطائرات والدبابات والصواريخ وقطع الأسطول البحري بصورة مباشرة، فانها تمكنت بالضغط على حليفاتها الغربيات، ولا سيما فرنسا وألمانيا، من تزويد (إسرائيل) بما طلبته من تلك الأسلحة ومنها بعض أسلحة أمريكية (كالدبابات مثلا) وصلت إلى (إسرائيل) عن طريق ألمانيا وكان ذلك أحد العوامل في نشوب الأزمة العربية – الألمانية عام 1965. وقد حدث هذا كله في الوقت الذي أحجمت فيه واشنطن وحملت حليفاتها الغربيات على الاحجام معها عن بيع أي سلاح فعال للدول العربية المجاورة (لاسرائيل)، ولا سيما سورية ومصر، الأمر الذي حمل هذه الدول على طرق باب تشيكوسلوفاكيا أولا والاتحاد السوفييتي ثانيا للحصول على هذه الأسلحة. وهذا ما فتح الباب أمام ما أسمته واشنطن التغلغل السوفييتي في الشرق الأوسط وما أدعت، وتدعي، أن من أسباب دعمها (لإسرائيل) الحد منه ووقفه. وهكذا يتضح أن مفهوم التوازن الذي طبع السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي – الاسرائيلي بين 1950 و1967 كان يعني المحافظة على الأوضاع الراهنة سياسيا، مع تمكين (إسرائيل) طلبا وعسكريا من الاخلال به متى شاءت وإلى الحد الذي تشاء. وهذا ما تجلى صباح الخامس من حزيران 1967. فلولا الولايات المتحدة وحلفاؤها لما كان (لاسرائيل) أن تتفوق بالشكل الذي تجلى خلال تلك الحرب المأساوية. ب- ما بعد 1967: ينصف الموقف الأمريكي عن قضية فلسطين خلال هذه الفترة الزمنية بالانحياز الكامل إلى (اسرائيل) والسعي إلى فرض التسويات  الظالمة على العرب. وتقسم هذه الفترة أيضا إلى مرحلتين: 1) الأولى وتمتد من عام 1967 إلى أواخر عام 1973. ويمكن تسميتها مرحلة الانحياز الأمريكي الكامل (لاسرائيل). وفيها تخلت الولايات المتحدة من مبادىء البيان الثلاثي وتنكرت لالتزامها. وفق هذا البيان، بمنع اعتداء أي فريق على أراضي الفريق الآخر عبر خطوط الهدنة, لا بل ذهبت إلى أبعد من ذلك  فتغاضت عن احتلال كامل الأرض. فعندما احتلت (اسرائيل) بالقوة بعض الأراضي العربية في عدوان 1967 انتهجت أمريكا سياسة جديدة تقوم – بدلا من طلب الانسحاب غير المشروط – على اجراء مقايضة الانسحاب الاسرائيلي بالاعتراف العربي (اسرائيل)، ولا سيما انها لم تصر على أن يكون الانسحاب كاملا إلى حدود ما قبل 5 حزيران عملا بالمعنى الظاهري للقرار 242 الذي كانت وراء اصداره. ولم تعد أمريكا تتحدث عن التزامها بصيانة أمن الفريقين معا، ولا عن ضمانها لسلامتهما الاقليمية، بل باتت تتحدث عن التزامها بصيانة أمن (اسرائيل) وسلامتها. ومضت تترجم ذلك الالتزام عمليا بتقديم المعونات العسكرية والمالية السخية إلى (اسرائيل) علانية وبصورة مباشرة لاقناع العرب بأن لا أمل لهم في تحرير أراضيهم بالقتال، وأن أملهم الوحيد ينحصر في تحرير المحتل منها حديثا عن طريق التسوية السلمية فقط، وعلى أساس المعادلة الأمريكية، أي مقايضة الانسحاب بالأعتراف. وقد بدأت السياسة الأمريكية تتخذ هذا المنحى في الوقت الذي كانت فيه معارك حرب 1967 لا تزال دائرة. وتشير الدلائل كلها إلى أن (اسرائيل) ما كانت لتشن تلك الحرب أصلا لو لم تكن قد حصلت على الأقل على “الضوء الأخضر” من واشنطن. ففي السابع من حزيران شكل الرئيس جونسون لجنة خاصة تابعة لمجلس الأمن القومي هدفها “تنسيق الجهود السلمية في الشرق الأوسط”. وفي 19 حزيران ألقى جونسون خطابا تناول فيه السياسة الخارجية الأمريكية وحدد خمسة مبادىء للسلام في الشرق الأوسط تتلخص في: (1) حق كل دولة في المنطقة في الحياة. (2) حل مشكلة اللاجئين حلا عادلا. (3) احترام حرية الملاحة البريئة في الممرات المائية الدولية لأن العمل الطائس الأساسي الذي كان وراء تفجير الحرب هو القرار التعسفي باغلاق مضائق تيران”. (4) وضع حد لسباق التسلح في الشرق الأوسط. (5) احترام الاستقلال السياسي والسلامة الاقليمية لجميع الدول في المنطقة باعتبار “أن ما تحتاج اليه هذه الدول هو حدود معترف بها بدلا من خطوط الهدنة الهشة المخترقة باستمرار، بالاضافة إلى ترتيبات أخرى تجعل الحدود آمنة من الارهاب والتدمير والحرب”. وقد رفض الرئيس جونسون في خطابه هذا الطلب العربي بانسحاب (إسرائيل) الفوري إلى خطوط 4/6/1967. وبين أن المكاسب الاقليمية التي حققتها (اسرائيل) في حربها لا يعقل أن يتنازل عنها كليا ولا عجب أن يأتي قرير مجلس الأمن رقم 242 تاريخ 22/11/1967 في ضوء مثل هذا الموقف الأمريكي المنحاز (لإسرائيل) على الشكل الذي جاء فيه من حيث غموضه من جهة (بالنسبة إلى مضمون الانسحاب) وتكريسه للمكاسب الاسرائيلية من جهة أخرى (بالنسبة إلى المرور في الممرات المائية الدولية ومعالجة قضية الفلسطينيين على أنها قضية لاجئين). فقد جاء هذا القرار ترجمة لأفكار واشنطن. وأمام هذا النحالف السياسي الأمريكي – الاسرائيلي المكشوف تحطمت كل مشروعات التسوية السياسية التي ظهرت في لافق منذئذ وتعثرت كل المساعي السلمية لتحقيق التسوية. ودخلت “قضية الشرق الأوسط” – كما غدت تعرف رسميا – من ضمنها القضية الأصلية، قضية فلسطين، في دوامة المشروعات والمشروعات المضادة. ورغم مجيء الرئيس نيكسون (الجمهوري) وتظاهرة في بادىء الأمر بأنه يسعى إلى تطبيق سياسة متوازنة في المنطقة فقد ظلت الحال على ما كانت عليه إلى أن اشتدت حرب الاستنزاف المصرية – الاسرائيلية* في منتصف عام 1969 وتصاعدت حركة المقاومة الفلسطينية داخل الأرض المحتلة وخارجها فشعرت واشنطن أنها لا بد أن تتحرك بشكل يوحي بالروضة والاعتدال كي تحمي مصالحها ومصالح (اسرائيل) وكان مشروع روجرز* في التاسع من كانون الأول 1969، وهو في جوهره يعتبر عن اعتدال تكتيكي فقط مع بقاء التصلب الاستراتيجي الأمريكي في صف (اسرائيل). ورغم أن مصر والأردن قبلتا المشروع كدولتي مواجهة فوقفت حرب الاستنزاف وما تلاها من صدامات مسلحة بين المقاومة الفلسطينية والسلطات الأردنية فان (اسرائيل) لم تبد أي استعداد جدي لقبوله. وغدا واضحا أنها، بدعم خفي من أمريكا، لا يمكن أن تنسحب شبرا واحدا من الأراضي العربية المحتلة الا اذا أجبرت على ذلك بالقوة. وأما قضية الشعب الفلسطيني فلم تكن، باقرار الادارة الأمريكية، مطروحة أصلا للنقاش بصورة تختلف عما نوقشت به حتى ذلك الحين، أي بوصفها قضية لاجئين لا أكثر. هذا في الجانب السياسي. وأما في الجانب المالي الاقتصادي فقد تجلى تحالف أمريكا مع (اسرائيل) خلال هذع المرحلة بصورة أكثر وضوحا منها في أي مرحلة سبقت. وعلى الرغم من أن أرقام المساعدات الأمريكية (لاسرائيل) ليست معروفة على وجه الدقة والتحديد فانها، باجماع المحللين، فاقت المساعدات الاقتصادية الأمريكية لأية دولة منفردة أخرى في العالم، بما في ذلك الدول الأعضاء في أخلاقها الكبرى في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وأخذت هذه المساعدات مجالات وأشكالا شتى كالقروض والمساعدات والاستثمارات وزيادة التبادل التجاري. 2) المرحلة الثانية وتبدأ من أواخر عام 1973: ويمكن تسميتها مرحلة فرض التسويات الأمريكية على العرب، وفيها غطت الولايات المتحدة خسائر (اسرائيل) في حرب 1973 وجددت تسليح الجيش الاسرائيلي وزادت مخزونة وعدلت ميزان القوى فقدمت لاسرائيل من مخزون أسلحتها وأجهزتها المتطورة ما يمكنها من التغلب على أجهزة الدفاع الجوي في مصر وسورية ويجعلها، في ضوء حسابات البنتاغون، قادرة على الحاق الهزيمة بالقوات المصرية والسورية. وكان هذا الدعم كبيرا إلى حد دفع رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال براون إلى اعلان شكواه المشهورة من تفريغ المستودعات الأمريكية على حساب السلامة القومية للشعب الأمريكي. يضاف إلى ذلك أن الدعم المالي (لاسرائيل) قفز إلى 2,5 مليار دولار في عام 1974 4 مليارات في عام 1977، و11 مليارا بين 1974 و1976. وبعد أن اطمأنت أمريكا إلى استعادة ميزان القوة العسكرية لصالح حليفتها (اسرائيل) بشكل بين التفتت إلى استغلال نتائج حرب تشرين لفرض “التسوية النهائية” للقضية الشرق الأوسط بما يرضي (إسرائيل) وأهدافها أكبر من أي عامل آخر، رغم كل ادعاء مخالف من جانب واشنطن. فيما أن تم وقف اطلاق النار على الجبهتين المصرية والسورية حتى بدأ وزير الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر بتطبيق دبلوماسيته الهادفة إلى فرض هذه التسوية وفق قواعد ثلاث: (1) اعتبار ميزان القوى، لا الحق والعدل، منطلقا أساسيا للتوصل إلى حل واقعي ممكن. (2) الحلول الواقعية الممكنة، أي الحلول التي يتوصل اليها الفرقاء على أساس الخيارات المفتوحة لا على أساس المطالب القانونية أو التاريخية. (3) المفاوضات الطويلة كمنطلق جوهري للتوصل إلى نتائج ثابتة ومقبولة. وهذا يعني أن الدخول في المفاوضات يتطلب قبول اتصالات تقطع حينا وتعاود أحيانا ولا تحسم الا بالمدى الطويل. وطول المفاوضات من وجهة نظر كيسنجر يؤدي اما إلى تغير ميزان القوى عسكريا لصالح أحد الفرقاء – (اسرائيل) من غير شك – أو الى تغير في الخيارات السياسية أثناء المفاوضات نتيجة تبدل المواقف الاقليمية أو العالمية. وقرن ميسنجر النظرية بالواقع فسعى ونجح في ترتيب فك الاشتباك الأول بين مصر (واسرائيل) في الكيلومتر 101، الأمر الذي أدى عمليا إلى بداية فك الارتباط بين جبهتي القتال العربيتين: سورية ومصر. ثم سعى بعد مدة ونجح في ترتيب فك الاشتباك السوري – الاسرائيلي. ومضى يفتت الجبهة العربية باتفاقية سيناء الثانية لعام 1975، وبالاسهام في خلق الأزمة اللبنانية وتحييد سلاح النفط والمال العربي الذي أبرزته حرب تشرين سلاحا مساندا تحسب الولايات المتحدة له ولفوائده حسابا كبيرا. ظلت السياسة الأمريكية تنهج الأسلوب الكيستنجري في جر العرب إلى تسويات منفردة تدريجية خلال عهد الرئيسين نيكسون وفورد (الجمهوريين) بغض النظر عن المشروعات والدراسات والبيانات المطلقة لوقع هذه السياسة على العرب. وجاء الرئيس جيمي كارتر (الديممقراطي) فابتدأ من حيث انتهى  سلفاه. ومضى خطوات إلى الأمام مستفيدا من المتغيرات التي طرأت على الساحة العربية بالدرجة الأولى، ونعني نجاحه في جر الرئيس المصري أنور السادات إلى الانفراد بالدخول في مفاوضات مباشرة مع القادة الاسرائيليين خلال زيارته للقدس يومي 19 و20/11/1977، مع ما أحدثته هذه الزيارة من زيادة التخلخل في الصف العربي. وقد وجدت الادارة الأمريكية الفرصة مؤاتية عربيا ودوليا للمضي أكثر في سياسة فرض التسوية الأمريكية عن طريق تسويات جزئية تقلل، اذا لم نقل تنفي، الخيارات الأخرى أمام المفاوض العربي. فكانت اتفاقية كامب ديفيد* بين مصر و(اسرائيل) والولايات المتحدة في 17/9/1978، ثم معاهدة الصلح المصرية – الاسرائيلية* في 26/3/1979. وقد وقع الرئيس الأمريكي على الاتفاقيتين والمعاهدة كشاهد عليهما. وتعني هذه الوثائق في جوهرها مجموعة من المبادىء الخطرة على القضية العربية القومية بما فيها قضية فلسطين. (1) فهي مهما فلسفها أربابها حل منفرد مباشر بين دولة عربية (واسرائيل) خلافا لاستراتيجية القمة العربية القائمة على أساس التوصل إلى حل يحقق المطالب العربية كاملة. (2) وهي وأن كانت تنص على الانسحاب العسكري من سيناء لا تعمي عودة السيادة المصرية الكاملة اليها بخلاف ما يقضي به القانون الدولي. (3) وهي تقلب القضية الفلسطينية – جوهر المشكلة – من قضية شعب كامل له حق ثابت في تقرير مصيره – وفي ذلك حقه في العودة واقامة دولته المستقلة – إلى مجرد قضية “أهالي” يسكنون الضفة والقطاع ولهم حق في شكل غامض من “الحكم الذاتي” أو “الادارة المحلية” تحت الحراب وفي ظل السيادة الاسرائيلية. (4) وهي تلغي دور منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني باعتراف العرب أجمعين وأغلبية المجتمع الدولي ممثلا بالأمم المتحدة. وتجدر الاشارة هنا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكتف برفض الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها هذه وحسب بل حاربتها على شتى  الصعد. فقد صوتت ضد جميع قرارات الأمم المتحدة التي تقر للمنظمة بصفة الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ومارست ضغوطا عنيفة على حلفائها لاتخاذ هذا الموقف السلبي نفسه. (5) وهي ستكون نوذجا خطيرا يفرض على الأطراف العربية احتذاؤه في أية مفاوضات سلمية مقبلة. ولا سيما من حيث عدم اشتراطها الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة وعودة السيادة العربية عليها برمتها. ومن حيث ربط الانسحاب الاسرائيلي الجزئي باقامة سلام تام وعلاقات طبيعية كاملة بين العرب والاسرائيليين تضم فيما تضم الاعتراف القانوني والدبلوماسي وتبادل التمثيل الدبلوماسي والحدود المقترحة وحرية التبادل التجاري والثقافي والانساني … الخ وهذا كله هو صلب شروط الصلح التي كانت (اسرائيل) قد أعلنتها سابقا في مناسبات مختلفة. وهي شروط تعني في عبارة مقتضبة فرص “سلام اسرائيل” على العرب ترعاه أمريكا وتدعمه على حساب الحقوق العربية، ولا سيما في فلسطين. ويتضح مما سبق أن علاقة الولايات المتحدة (باسرائيل) علاقة مصلحة متبادلة وتحالف استراتيجي نما وتطور بفعل مجموعة من العوامل الثابتة والمتغيرة في السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية. (فاسرائيل) تجد في الولايات المتحدة حاضرا ومستقبلا خير سند وحليف في كل المجالات من جهة، والولايات المتحدة تعتمد من جهة أخرى على (اسرائيل) في سياستها الاستراتيجية. ومما لا ريب فيه أن مجموعات الضغط الصهيونية تلعب دورا كبيرا في السياسة الأمريكية بتغلغلها، ان لم تقل سيطرتها على أهم عاملين في صياغة القرار السياسي الأمريكي، ونعني بهما المال والاعلام. ونتيجة لذلك تجد الحركة الصهيونية حلفاء أقوياء لها في الحزبين الرئيسين، الجمهوري والديمقراطي، الذين يتبارى أعضاؤهما من رؤساء ونواب رؤساء وشيوخ وممثلين بنسب متفاوتة في الدرجة لا في التوعية في دعم (اسرائيل) والاصرار على الحفاظ على أمنها، بل توسيعها. ولكن الصحيح أيضا أن الاستراتيجية الأمريكية الشرق أوسطية تعتمد على (إسرائيل) كمخفر أمامي لحراسة مصالحها الحيوية في المنطقة العربية سواء ما تصل من هذه المصالح بموقع المنطقة الاستراتيجي أو ما تعلق بابعادها عن النفوذ السوفييتي وما دخل في صيانة الاستثمارات الأمريكية النفطية والمالية وغيرها. بيد أنه يمكن القول أخيرا ان هذا الاعتماد الأمريكي على (إسرائيل) قابل للتغيير اذا ما أدركت الأمة العربية، حقيقة لا قولا، كيف تلعب أوراقها اقليميا وعالميا، وعرفت كيف تؤثر في المصالح الأمريكية فتفرض على واشنطن أن تدرك أن مصالحها القومية الحقيقية تكمن في الوقوف مع العرب ودعم قضيتهم في فلسطين. وهذا ما لم تشعر به واشنطن حتى الآن رغم الفرص الكثيرة التي أتيحت للأمة العربية لاثبات هذه المقولة، ولا سيما بعد حرب تشرين سنة 1973.   المراجع:   ريتشارد ستيفنز: الصهيونية الأمريكية وسياسة أمريكا الخارجية 1942 -1947، بيروت. مصطفى عبد العزيز: التصويت والقوى السياسية في الأمم المتحدة، بيروت 1968. شحادة موسى: علاقة اسرائيل مع دول العالم 1967 – 1970، بيروت 1971. محمد حسنين هيكل: الطريق إلى رمضان، بيروت 1974. محمد عزيز شكري وآخرون: جولة في السياسة الدولية، بيروت 1975. Dayan, M.: Break-Through: A Personal Account of the Egypt-Israel Peace Negotiation, London 1981. Dayan, M.: The story of my life, London 1976. Kansen, M.: The United States and the Palestinian People, Beirut 1970. Golda Mier (Maboviz): My Life, London 1975. Taylor, A.: A Prelude to Israel: An analysis of Zionist Diplomacy 1877-1947, Beirut 1970.