النفط العربي والقضية الفلسطينية

ولما وقع العدوان الثلاثي على مصر  (رَ: حرب 1956) اثر تأميم القناة فجرت سورية أنابيب نفط شركة بترول العراق فتوقف النفط عن أوروبا الغربية وأحدث توقفه أزمة فيها. وكان ذلك التفجير بين الأسباب التي ذكر الرئيس عبد الناصر أنها أدت الى فشل العدوان الثلاثي على مصر. وقد ترك الفشل أثره في تغيير موازين القوى. ولا سيما في صناعة النفط في الشرق الأوسط، فتقلص وزن بريطانيا وتغيرت الصورة السابقة. ذلك أن تعطيل الملاحة في قناة السويس وجه أنظار الدول المستهلكة صوب مناطق أخرى كالجزائر وليبيا. ونتج عن ذلك أيضاً دخول شركات نفطية مستقلة ميبدان التنقيب عن النفط في الشرق الأوسط، الأمر الذي أدى إلى كسر طوق “الأخوات السبع” وفتح الطريق أمام الدول العربية للحصول على نتائج أفضل لبيع نفطها. ولتطويق آثار تأميم قناة السويس الذي أصبح أمراً ناجزاً وقعت عدة محاولات منها ما اتصل بفلسطين مباشرة. ففي عام 1957 أخذ معهد الشؤون العامة في واشنطن Institute for Public Affairs على عاتقه الترويج لمشروع يرمي إلى إنشاء وكالة تسمى “وكالة تنمية موارد الشرق الأوسط M.E.Resource Development” مهمتها تقديم قروض لبلدان الشرق الأوسط، وفيها (إسرائيل)، لتنفيذ مشروعات التنمية الاقتصادية التي تحتاج إليها وتبدأ برأسمال قدره ألف مليون دولار موزعة على النحو التالي: 450 مليون دولار من الحكومة الأمريكية، و450 مليون دولار من شركات النفط الكبرى، و100 مليون دولار من حكومات الشرق الأوسط،على أن يتم نهائياً توطين اللاجئين في البلاد العربية وقبول (إسرائيل) دولة من دول الشرق الأوسط. ويعتمد ذلك ضمناً على وضع عائدات النفط العربي والتنمية الاقتصادية في الدول العربية تحت وصاية مشتركة من الحكومة الأمريكية وشركات النفط الأكبرى. وعندما طرح المشروع إلى مجلس جامعة الدول العربية صوت ضده فسقط. وظهرت في الخمسينات عدة مشاريع مماثلة منها واحداً في انكلترا وآخر في بريطانيا، لايجاد صناديق مشتركة للتنمية تساهم فيها شركات النفط ومشروع مارشال. وهي تهدف فيها إلى تصفية قضية فلسطين وقضية اللاجئين. النفط وحرب 1967: عندما شنت (إسرائيل) في 5/6/1967 حربها العدوانية التي أدعت إلى احتلال بقية فلسطين وأراض عربية في مصر وسورية حقق هذا الغزو الصهيوني جنبا من أطماع الصهيونية في البلاد العربية وشكل مرحلة جديدة من مراحل توسعها وتهديدا بغزو لاحق. ولم تكن الاحتكارات النفطية بغريبة عن هذه الحرب العدوانية. فعندما تدرس حرب 1967* دراسة كافية ويحاط بجميع أسبابها وخوافيها وأسرارها التي ما زال أكثرها مكتوما حتى اليوم يتضح أكثر فأكثر ما كان لهذه الاحتكارات من دور. فالحركة التحررية، ومن أهدافها استرداد بلاد العالم الثالث سيطرتها الكاملة على مواردها الطبيعية، كانت تسير قدما بحزم وقوة داخل الأمم المتحدة وخارجها. والجيش المصري كان يحارب في اليمن أكبر نظام رجعي من مخلفات القرون الوسطى، وللقومية العربية بقيادة مصر في حركة مد قوي، وسورية تتم مراجعة حساسية دقيقة مع شركة نفط العراق وتكشف خط متراكما متعمدا اضطرت الشركة معه للتعويض، وتجبر التابلاين ممثلة المصالح الأمريكية النفطية الجبارة على اعادة النظر في حساباتها معها. ولك ذلك لم يتم إذا شنت (إسرائيل) حربها في 5/6/1967. وفي مواجهة الغزو الاسرائيلي الجديد طرح على بساط البحث بين البلاد العربية موضوع استعمال المصالح الاقتصادية لدول الأجنبية من أجل دعم الحكومات والشعوب العربية في الدفاع عن حقوقها. وجرت محاولة أولى لاتحاد موقف جماعي عربي في هذا الموضوع في مؤتمر وزراء الاقتصاد والمال والنفط العرب المنعقد في بغداد بتاريخ 15/8/1967. وقد اقترحت حكومة العراق آنذاك وقت تصدير النفط مدة ثلاثة أشهر. وبعد دراسة طويلة جرت في المؤتمر للخسائر المادية المحتملة لدى الجانب العربي وحلفاء (إسرائيل) رفض الاقتراح، وقيل في تبرير الرفض ان خسائر العرب ستكون كبيرة. وعندما انعقد مؤتمر القمة العربية* في الخرطوم 29/8/1967 اتخذ قرارات بتخفيض بعض الموارد المالية العربية من الكويت والسعودية وليبيا لدعم  بعض دول المواجهة بالقدر الذي يعوض الخسائر المادية المباشرة التي لحقتها من جراء العدوان أبرزها انقطاع ايرادات قناة السويس بالنسبة إلى مصر، وانقطاع المعونة المالية البريطانية عن جيش الأردن. وقد بقي الدعم المالي محصوراً في هاتين الدولتين. وصدرت عن عدد من المؤتمرات العربية توصيات للحكومات العربية بأن تعمد إلى استعمال مصالحها الاقتصادية للتأثير على مواقف الدول المختلفة من القضايا العربية. ولكن هذه التوصيات لم توضع موضع التنفيذ إلا في حدود ضيقة، وظلت عامة بلا مقاييس محددة، وترك الأمر لاجتهادات فردية من قبل كل دولة عربية على حدة، فقلامت بعض الدول العربية مثلا بتوسيع نطاق مصالحها مع الدول الصديقة كاسبانيا وفرنسا. وحصل حادث تأميم ممتلكات “شؤكة النفط البريطانية” في ليبيا اثر احتلال ايران لثلاث جزر عربية. وحصل كذلك بعض التحول في المصادر التي تشترى منها الأسلحة. وقيمة هذا الاجراء هي أنه يمثل وجهة نظر جديدة إلى المصالح الأجنبية والتأثيرات التي قد تتعرض لها نتيجة لموقف الدول صاحبة هذه المصالح من القضايا العربية إلا أنه لم يتخذ في هذا الشأن أي موقف عربي جماعي. وقد أوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة الدول العربية في دورته السابعة عشرة بما يلي: أن تستمر الدول العربية في سياساتها الاقتصادية والتجارية لتدعيم علاقاتها الأجنبية المؤيدة للموقف العربي تجاه العدوان الإسرائيلي، وللتأثير في مواقف الدول المناهضة للموقف العربي. تأكيد أهمية تنفيذ هذا المبدأ في هذه المرحلة الخطيرة من مراحل مواجهة العدوان مع الاستعداد لما قد يطرأ من تطورات في المستقبل القريب، الأمر الذي ينجم معه اتخاذ مواقف محددة تجاه الدول التي تقف موقفاً معادياً لمقتضيات المعركة. وقرر هذا المجلس اعداد “دراسة شاملة تفصيلية للمصالح الاقتصادية بين الدول العربية والدول الأجنبية وفق الخطة العامة التي حددها وتتناول المصالح التجارية والتمويلية والمصالح الأخرى والشركات للتعامل معها، وامكانيات استخدام هذه المصالح بالوسائل الايجابية والسلبية في الأجلين القصير والطويل لمصلحة المعركة”. وترك المجلس للجنة المتابعة الوزارية أمر تحديد الخطوط العامة لهذه الدراسة فكلفت فريقاً من الاقتصاديين العرب وضعها. ومن الجدير بالذكر أن سورية كانت قد أممت أنابيب النفط المارة بأراضيها، وأن العراق أمم في عام 1972 ممتلكات “شركة نفط العراق” ثم سارت الجزائر وليبيا على المنوال نفسه. النفط في حرب 1973: في 6/10/1973 اندلعت الحرب العربية – الإسرائيلية الرابعة. وكانت قد مضت خمس سنوات على اتخاذ مجلس الأمن القرار رقم 242 الذي يطالب (إسرائيل) بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة ويضع أحكاماً الاجراء تسوية شاملة لأزمة الشرق الأوسط بالإضافة إلى ما صوتت عليه الجمعية العامة بشأن حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة التي لا يمكن التنازل عنها وبينها حق تقرير المصير (رَ: الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني). ولكن (إسرائيل) واصلت بالرغم من ذلك كله اعتداداتها على البلاد العربية المجاورة، وبدا واضحاً من تصريحات زعماء (إسرائيل) والصهيونية العالمية أن حرب 1967 ام تكن سوى مرحلة من مراحل توسيع (إسرائيل) ومقدمة لغزو جديد. وأمام الغطرسة الإسرائيلية تكرر الحديث عن حظر النفط العربي، ولا سييما عن حلفاء (إسرائيل)، وفي طليعتهم أمريكا – الذين يمدونها بالمال والسلاح لتمكينها من الاستمرار في احتلال الأراضي العربية والابقاء على تشتيت الشعب الفلسطيني العربي ناهيك عن احتلال كامل أرضه. وهكذا، وبعد يوم واحد من اندلاع القتال في 6 تشرين  الأول، دعت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية* إلى وقف ضخ النفط العربي كله. وقامت الحكومة العراقية في اليوم ذاته بتأميم شركتين أمريكيتين هما “اكسون” و”موييل أويل”. وفي 9/10/1973 دعت حكومة الكويت إلى عقد اجتماع طارىء لوزراء البترول العربية لبحث دور النفط وكانت الأصوات قد بدأت تعلو مطالبة بوقف ضخ البترول. وفي 17/10/1973 اتخذ وزراء البترول العرب أثناء اجتماعهم في الكويت قراراً بحظر تصدير النفط تدريجيا وعلى مراحل. وتقرر أن يتناقص على الفور انتاج كل دولة عربية مصدرة اابترول بنسبة شهرية متكررة لا تقل عن 5%  فتفرض المجموعة الدولية على (إسرائيل) التخلي عن الأراضي العربية المحتلة، على أن يستمر التصدير إلى الدول التي تساند العرب مساندة عملية فعالة. واشترط القرار أن يلحق التخيض الأكبر بالولايات المتحدة، وأن تقوم كل دولة عربية بتخضيض ما تصدره إلى الولايات المتحدة بالنسبة المقررة، على أن يبلغ التخضيض حد قطع امداد الولايات المتحدة بالنفط من قبل كل دولة منفذة لهذا القرار على حدة. وعقد وزراء البترول العرب اجتماعاً ثانياً بمدينة الكويت في 4/11/1973 وقرروا حظر تصدير البترول الخام والمنتجات البترولية إلى أمريكا وهولندا. وكان من نتائج هذا القرار اجتماع وزراء خارجية الدول الأوروبية المشتركة في 6/11/1973 واصدارهم بيانا أصبح أساساً لما يعرف “بالحوار العربي – الأوروبي”. وتضمن البيان فيما تضمنه المطالبة “وإنهاء إسرائيل لاحتلالها للأراضي العربية، وضرورة الأخذ بعين الاعتبار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني”. وكان من حملة القرارات التي اتخذها مؤتمر القمة العربي  السادس من 26 إلى 28/11/1973″الاستمرار في استخدام النفط سلاحاً في المعركة على ضوء قرارات وزراء النفط العرب، وربط رفع حظر النفط عن أية دولة بالتزامها بتأييد القضية العربية العادلة، وتكليف لجنة المتابعة لوزراء النفط بمتابعة تنفيذ مقررات وزراء النفط المتعلقة بسبب التخفيض، على أن يجري التنسيق مع لجنة وزراء الخارجية لدول النفط في كل ما يتعلق بتطور مواقف الدول الأجنبية من القضية العربية”. وقرر المؤتمر أيضاً تصنيف الدول المستهلكة إلى دول صديقة ودول محايدة ودول تساعد العدو. وترك للجنة وزراء النفط ووزراء الخارجية تطبيق هذا التصنيف ومراجعته حسب مواقف الدول في المستقبل. وبعد اجتماع القمة، وبغية تنفيذ مقرراته المتعلقة بالحظر، عقد وزراء البترول العرب اجتماعهم الثالث في الكويت بتاريخ 8/12/1973 واتخذوا قراراً تقول المادة الأولى من: “أ- اذا تقررت الموافقة على الانسحاب من جميع الأراضي المحتلة منذ سنة 1967، وفي مقدمتها القدس، وبمقتضى جدول زمني توقع عليه إسرائيل وتضمن أمريكا تنفيذه،يرفع حظر التصدير عن أمريكا مع بداية تنفيذ برنامج الانسحاب، ب- متى تم الاتفاق على الجدول الزمني للانسحاب يجتمع وزراء البترول العرب المنفذون لهذا القرار لوضع جدول زمني يعود بمقتضاه الانتاج تدريجياً إلى مستواه في أيلول 1973، وذلك يشكل متناسب مع الانسحاب” مع اعطاء اعتبار خاص للدول الافريقية والاسلامية الصديقة من أجل تغطية حاجتها من البترول. وتعاقبت اجتماعات وزراء النفط العرب فعقدوا اجتماعهم الرابع في الكويت وراجعوا الارباح التي جنتها قضية فلسطين والقضية العربية عامة من حظر النفط. وعقدوا بتاريخ 13/3/1974 في طرابلس اجتماعهم الخامس، والسادس في فيينا في 18 من الشهر ذاته. وبعد دراسة دقيقة للموقف العالمي قرروا “رفع حظر تصدير البترول عن الولايات المتحدة الأمريكية، على أن يعاد النظر في هذا القرار في اجتماع يعقده الوزراء العرب في القاهرة”. وفي اجتماع للقاهرة المنعقد في 10/7/1974 قرر الوزراء بالاجماع رفع الحظر عن هولندا “تعبيراً عن اهتمام الدول العربية بالكيان الأوروبي الموحد، وتقديراً منهم للعلاقات التي يراد أنشاؤها بين الأمة العربية والمجموعة الأوروبية”. وهكذا انتهت قضية حظر تصدير البترول العربي لخدمة القضايا العربية وقضية فلسطين بالذات. وما زال على التاريخ أن يصدر حكمه في ملابسات نهايتها. وأما موضوع النفط و(إسرائيل) فلم ينته عند هذا الحد. ولا بد من ذكر تطورين هامين شكل معهما حظر التصدير النفطي منعطفاً تاريخياً لا بالنسبة إلى العرب وحدهم بل إلى العالم بمختلف أجزائه وأقسامه: 1) التهديدات الأمريكية باحتلال منابع النفط التي انطلقت عام 1974. فقد وجه الرئيس فورد وكسينجر وغيرهما من قادة أمريكا تهديدات باحتلال تلك المنابع. ودعتا عدد من كتاب أمريكا ومفكريها في أبحاث منشورة إلى احتلال منابع النفط العربي. ونشر الكونغرس الأمريكي في 21/8/1975 دراسة عنوانها “منابع النفط كأهداف عسكرية وامكانية تحقيق ذلك”. ثم أعلن في أمريكا عن تشكيل “قوة التدخل العسكري السريع لحماية منابع النفط.ونشؤت تفاصيل عن كيفية تشكيلها وقيادتها وأسلحتها وموازنتها. وبعد أن دخل السوفييت أفغانستان أعلن كارتر مبدأه “في أن تهديد أية قوة خارجية للخليج يعتبر تهديداً للمصالح الحيوية الأمريكية، وينبغي أن يستبعد بجميع الوسائل، بما فيها القوة العسكرية”. ويتبين من الأخبار والمعلومات التي تسربت من مصادر أمريكية رسمية أنه قد أعطى (لإسرائيل) دور في هذه الاستراتيجية العسكرية، بل  حددت المناطق العربية التي سيعهد إلى الجيش الإسرائيلي باحتلالها. ثم نشر منذ 1979 عدد هام من الدراسات الاستراتيجية حول موضوع الخيارات العسكرية أمام أمريكا وأولويات سياستها ومختلف أوجه الاستراتيجية الشاملة في البلاد العربية عامة والخليج العربي خاصة. 2) اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية* وأوروبا الغربية واليابان* الكبير على النفط العربي حتى غدا على درجة كبيرة من الخطورة العالمية بحيث تقع من أجله الحروب. وهنالك عشرات الكتب في موضوع البترول تضمنت احصاءات دقيقة تظهر مدى هذا الاعتماد. فقد جاء في كتاب نشر آخر عام 1980 للكاتب الفرنسي المعروف جان جاك سرفان شرابير عنوانه “التحدي العالمي”. في زمن الحرب العالمية الأولى كان عدد السيارات والشاحنات لا يتجاوز مليونين، وبعد الحرب العالمية الثانية تحظى مائة مليون. واليوم تعمل في العالم 350 مليون سيارة وشاحنة منها 220 مليون في أمريكا وأوروبا وحدهما. فكم كانت هذه السيارات تحرق نفط وكم تحرق اليوم؟ لقد استهلكت عام 1914 كمية مقدارها 6 ملايين طن، وبلغ الاستهلاك بعد خمسين عاما 300 مليون طن عام 1961. وفي عام 1975 زاد الاستهلاك على 500 مليون طن. وأما الأمم الصناعية الغنية –أمم الشمال- قصناعة السيارات تظل الصناعة الأولى فيها، اذ توفر عملا لملايين العمال. وهي صناعة تشكر الآن في كل مكان أعراض انهاك مقلق. واذا انهارت فستسحق بانهيازها ملايين الرجال والنساء الذين يعتاشون بها. “هذا ثلث النفط للمستهلك. وأما الثلث الثاني فمستهلك في تشغيل الصناعة نفسها، وهنا يقوم النفط بمهمة الوقود. وهناك ثالثا صناعة البتروكيماويات. ويقدر الآن عدد المنتجات المتفرعة عن صناعتها في دول الشمال بأكثر من 8000. و”تضم امبراطورية النفط أيضا قطاعين كبيرين آخرين في الحياة المعاصرة: التدفئة والكهرباء. ويضاف إلى هذه ميدان تحديث الزراعة ورف انتاجيتها الغذائية. اذ يعمل الآن 18 مليون جرار زراعي، ربعها في الولايات المتحدة، بفضل النفط. ناهيك عن نشاط في ميدان مواز هو ميدان التحويل الصناعي لبعض المنتجات الهيدروكربونية إلى بروتينات غذائية. واستبدال أمريكا والعرب بالفحم النفط كمصدر أساسي بخس الطاقة هو الذي وضع أوروبا، وخاصة أمريكا، على الطريق الذي أوصلها إلى ذروة قوتها. فاستهلاك النفط في البلدان الصناعية ازداد في أقل من خمس عشرة سنة بنسبة 160%. وأما حصة النفط المستوردة، وبخاصة من الشرق الأوسط، فقد ارتفعت في أمريكا وأوروبا واليابان من38% غلى 53%”. لم يعد ارتباط البلاد الصناعية ببلدان البترول قابلاً اذن للانفكاك” فقد ارتفع استيراد هذه البلدان من 65 مليون طن فقط عام 1960 إلى 410 ملايين طن عام 1978، وبأسعار غدت مسوغة”. ويقول الكاتب: “إن تفسير هذه المغامرة المجنونة التي ساقت الغرب، بلا توقف أو تردد أو تفكير، إلى أن يصبح مستعمرة النفط، هو أنه، أي النفط، ظل منذ البداية مجانياً تقريباً”. فمن سنة 1900 إلى سنة 1970 – أي في سنوات النماء الشديد للحضارة الصناعية – ازداد السعر من 1,20 دولار إلى 1,80 دولار للبرميل فقط. وأما اليوم فالنفط وحده يشكل ثلثي الموازنة العالمية. غير أنه لم يبق من النفط ما يكفي لثلاثين سنة. “إن قوة بلاد الخليج تكمن في التوزيع الجيولوجي لهذه المادة اللغز”. ومن نتائج هذا التحدي النفطي للعالم الصناعي ما نادى به شليزنجر: “إن الحل الوحيد الحقيقي هو أن تبذل جميع منشآتنا الصناعية على أسس تكنولوجية وطاقية مختلفة”. وهكذا أصبحت قوة النفط قوة ساحقة. وبدا استخدام “الخيار العسكري” ضد حقول النفط غير ممكن حتى الآن. وألقت الأحداث القريبة ضوءاً ساطعاً على مواقع جديد هو عقم الأسلحة في عالم اقتصادي متداخل وسريع الغضب في الوقت نفسه. فاذا كانت أهمية البترول العربي على هذه الدرجة من الخطورة، واذا كان يشكل الدماء السارية في شريين الغرب وأمريكا واليابان لمدها بالحياة، فليس من الكثير أن يقام على هذه الثروة الموقوفة على أمريكا والغرب حارس أمين(كإسرائيل) مهما كان ثمن اقامة مثل هذا الحارس، لأنه في التحليل الأخير انما يقام بأموال عربية هي حاصل السيطرة على الثروة النفطية العربية.   المراجع:   – جورج طعمة: النفط والعلاقات الدولية – مجلة قضايا عربية، نيسان 1980. – لطفي العابد (ترجمة): الفكرة الصهيونية، النصوص الأساسية، بيروت 1970. – راشد براوي: حرب البترول في الشرق الأوسط، القاهرة 1953. – محمد  مغربي: السيادة الدائمة على موارد النفط، دراسة في الامتيازات النفطية بالشرق الأوسط والتغيير القانوني، بيروت 1973. – برهان الدجاني: المصالح الاقتصادية في خدمة القضايا العربية، بيروت 1973. – ابراهيم شحاتة: حظر تصدير النفط العربي، بيروت 1975. – قاسم أحمد العباس (إعداد): وثائق النفط في العراق، بغداد 1975. – ماريان كنت: النفط والامبراطورية، لندن 1976. – جفريز: فلسطين تلك هي الحقيقة، لندن 1939. – Dechazean. M. G and Khan. A.: Integration and Competition in the Petroleum Industry, New Haven (Conn.) 1954.     نفي ترتستا (سجن -): رَ: السجون الإسرائيلية