أوروبا الشرقية والقضية الفلسطينية (دول)

صوتت دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الأمم المتحدة في عام 1947 على قرار جمعيتها العامة بتقسيم فلسطين*. باستثناء يوغسلافيا* التي امتنعت عن التصويت. كما أقدمت هذه الدول على الاعتراف (بإسرائيل) بعد إعلان قيامها في 15/5/1948، وهي ما زالت تعترف بوجودها. كما أقامت معها علاقات دبلوماسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وعسكرية. وقد حاربت (إسرائيل) الجيوش العربية عام 1948 بسلاح ورد قسم منه من بعض هذه الدول كتشيكوسلوفاكيا وبولونيا. كذلك صوتت جميع دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الأمم المتحدة في عام 1949 على قرار الجمعية العامة بقبول (إسرائيل) عضوا فيها. رغم ما شاب هذا القبول من مطتعن سياسية وقانونية (رَ: إسرائيل في الأمم المتحدة، عضوية). لكن هذه الدول أيدت في الوقت نفسه الموقف العربي من بعض قرارات الأمم المتحدة كالقرار رقم 194 (الدورة الثالثة) الصادر في 11/12/1948 والخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، والقرار رقم 303 (الدورة الرابعة) الصادر بتاريخ 9/12/1949 والخاص بوضع القدس. غير أن مثل هذا التأييد لم يكن يعبر عن موقف ثابت لهذه الدول إلى جانب القضية العربية، إذ يمكن القول إن موقف دول أوروبا الاشتراكية من القضية الفلسطينية كان أميل إلى الجانب الإسرائيلي حتى وقوع العدوان الثلاثي على مصر في أواخر عام 1956. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها: 1)  موقف الاتحاد السوفياتي* المؤيد لإقامة (إسرائيل) واستمرار وحودها، وتأثيره المباشر على مواقف الدول الاشتراكية الأوروبية الأخرى الخليفة له (باستثناء يوغسلافيا). 2)  تجارب الدول الأوروبية الاشتراكية، على اختلاف الدرجة، مع الاحتلال النازي ومعاناتها منه. وقد أفادت الحركة الصهيونية من هذا، وخاصة مما أصاب يهود تلك الدول من عنت على يد المحتل النازي، فصورت للعالم أن إقامة (إسرائيل) هي الحل الأمثل لما أسمته المشكلة اليهودية. 3)  انعدام الصلات الفاعلة بين الدول العربية والدول الاشتراكية حتى منتصف الخمسينات، بل اتخاذ بعض الدول العربية مواقف اعتبرتها الاشتراكية موالية للغرب. مع كسر سورية ومصر لطوق العزلة الغربية عليهما وانفتاحهما على الدول الاشتراكية تدريجياً، ولا سيما في مجال التسلح منذ عام 1954، ومع العدوان الثلاثي على مصر في 29/10/1956 (رَ: حرب 1956)، بدأت الدول الاشتراكية تراجع مواقفها وتعدلها في المحافل الدولية، وأخذت تقترب من الجانب العربي. غير أن عدوان (إسرائيل) عام 1967 (رَ: حرب 1967) كان نقطة البداية الفعلية في تحديد مواقف جديدة للدول الأوروبية الاشتراكية حيال القضية الفلسطينية. وكان أهم مظاهره قطع جميع هذه الدول، باستثناء رومانيا، علاقاتها الدبلوماسية بالكيان الصهيوني. وقد تحدد هذا الموقف الجديد من القضية الفلسطينية في البيان الصادر عن اللجنة السياسية الاستشارية للدول الأعضاء في حلف وارسو الذي يضم دول أوروبا الشرقية السبع (الاتحاد السوفيتي وبلغاريا وهنغاريا وألمانيا الديمقراطية وبولونيا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا) والمنعقد في بوخارست في شهر تشرين الثاني 1976. وكذلك في البيان الصادر عن هذه اللجنة العليا نفسها عقت اجتماعها المنعقد في موسكو في شهر تشرين الثاني 1978. أما البيان الأول فقد تضمن، بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، العناصر الأساسية الآتية: 1)  تأكيد الدعم لنضال الدول العربية من أجل الحل السياسي العادل لقضية الشرق الأوسط. 2)  التأكيد بالإجماع على أن هذا الحل يتطلب انسحاب جميع القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وإحقاق الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني* بما فيها حقه في إنشاء دولة الخاصة، وضمان حق الوجود المستقل لجميع الدول المشاركة في النزاع، وإنهاء حال الحرب بين الدول العربية المعنية و(إسرائيل). 3)  إدراج هذه الموضوعات في جدول أعمال مؤتمر جنيف الخاص بالشرق الأوسط تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة، وبرئاسة الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية المشتركة، وبخضور جميع الأطراف المعنية بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية* “لأن دول أوروبا الشرقية تعتقد أن هذا المؤتمر الذي انعقد في نهاية 1973 ما زال الوسيلة الشرعية الوحيدة للتسوية المطلوبة” (رَ: السلام للشرق الأوسط، مؤتمر). وقد جاء في البيان الثاني للجنة السياسية الاستثنائية لحلف وارسو أن المجتمعين يؤكدون من جديد موقفهم المبدئي إلى جانب إحلال السلام العادل والدائم في الشرق الأوسط، وإلى جانب التسوية السياسية الشاملة لمسألة الشرق الأوسط، هذه التسوية التي يجب أن تتضمن: انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967، والاستجابة لحق الشعب العربي الفلسطيني الكامل في تقرير مصيره بنفسه، ومن ذلك حقه في إقامة دولته، وتأمين الوجود المستقل والأمن لجميع دول المنطقة وفيها (إسرائيل). ومن أجل هذه التسوية التي لا يمكن التوصل إليها إلا عن طريق مشاركة كل الأطراف المعنية، وفيها منظمة التحرير الفلسطينية، ستواصل الدول الاشتراكية نضالها مع الدول والشعوب العربية ومع القوى التقدمية كافة. وقد استكمل هذا الموقف المبدئي للدول المذكورة من القضية الفلسطينية بيان خاص صدر عن اجتماع اللجنة الاستشارية المشار إليه في عام 1978 ووقعته دول الحلف جميعها – باستثناء رومانيا –  وقد جاء فيه: “إن قادة الأحزاب الشيوعية والعمالية والحكومات يدينون بشدة سياسة الصفقات المنفردة المصرية – الإسرائيلية، تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية، التي لن تقود إلا إلى تعقيدات خطيرة جديدة في المنطقة، ويعربون عن يقينهم بأن مثل هذه الصفقات المنفردة المعادية للعرب تتعارض مع مصالح تحقيق تسوية سياسية شاملة لأزمة الشرق الأوسط وفقاً لمصالح جميع شعوب المنطقة ومن بينها الشعب الإسرائيلي، وتنتاقض مع مصالح الأمن الدولي ومقررات هيئة الأمم المتحدة. وهم يعلنون عن تأييدهم لقرارات مؤتمر بغداد، ويعتقدون أن هذه القرارات ستلعب دوراً إيجابياً هاماً في النضال من أجل تسوية فعالة وعادلة لقضية الشرق الأوسط، وفي سبيل مصلحة السلام في الشرق الأوسط، ومصلحة السلام العالمي”. فدول حلف وارسو، بحسب ما جاء في هذه البيانات، تقف إلى جانب إيجاد حل سياسي شامل لمسألة الشرق الأوسط وللقضية الفلسطينية على أساس انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وإحقاق الحقوق الثابتة للشعب العربي الفلسطيني، وفيها حقه في إقامة دولته المستقلة الخاصة به. مع مراعاة تأمين الوجود الآمن والمستقل “لجميع دول المنطقة”. إلا أنها – باستثناء رومانيا – تصر منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد* ومعاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية*، والمفاوضات الجارية بشأن ما يسمى الحكم الذاتي، تصر على انعقاد مؤتمر السلام في جنيف، وتدين هذه الاتفاقيات والمفاوضات اعتقاداً منها بأنها لن تؤدي إلى الحل الشامل والعادل المنشود، وهي في نظرها عقبة في سبيل هذا الحل، ونهج ينال من الحق العربي ويلحق ضرراً جسيماً بالحقوق والمصالح العربية. هذا من حيث الموقف المبدئي العام للدول المذكورة من القضية الفلسطينية وتطوراتها الأخيرة. أما من حيث موقف كل من هذه الدول من القضية، عدا يوغسلافيا (رَ: يوغسلافيا) ، فيمكن إيجازه فيما يلي: أ‌-     رومانيا: تميز الموقف الروماني بخروجه على إجماع دول حلف وارسو بشأن القضية الفلسطينية وتفرده عنها. ففي 9/6/1967 لم توقع رومانيا على بيان اجتماع موسكو القاضي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع (إسرائيل) إثر عدوانها على الدول العربية في 5/6/1967 بل انفردت بالإبقاء على هذه العلاقات، واعتذرت عن عدم حضور اجتماع الحلف المنعقد في بودابست بتاريخ 11/7/1967 الذي تمت فيه مناقشة موقف الدول الاشتراكية من مسألة الشرق الأوسط بعد العدوان الإسرائيلي المذكور. وفي عام 1969 رفعت رومانيا درجة تمثيلها الدبلوماسي مع الكيان الصهيوني من مفوضية إلى سفارة غير آبهة بردود الفعل العربية. إلا أن تحسناً طرأ على الموقف الروماني بإعلان الرئيس شاوشيكو في نيسان 1970 ضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، واعتبار الإجراءات الإسرائيلية بضم مدينة القدس إجراءات باطلة، وضرورة إيجاد تسوية لمشكلة “اللاجئين الفلسطينيين” وفق مصالحهم المشروعة. كما أن رومانيا خطت في العام نفسه خطوة أخرى متقدمة بتوقيعها على بيان حلف وارسو الذي أكد متابعة دعم دول الحلف للنضال العادل الذي تخوضه الدول العربية، وفيها “الشعب الفلسطيني”، ضد العدوان الإمبريالي من أجل تحرير أراضيها. أما بعد حرب 1973* فقد قام الرئيس شاوشيكو بزيارة للمنطقة العربية التقي فيها لأول مرة برئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وتم الاتفاق على فتح مكتب للمنظمة في بوخارست، مع الاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفسطيني، كما أيدت رومانيا إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. بعد هذه الزيارة توافق الموقف الروماني وموقف بقية دول الحلف من حيث الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها حل القضية، إلا أن هذا الموقف لم يخل بعد ذلك من بعض السلبيات. ففي عام 1975 أعلنت رومانيا تأييدها لاتفاقية سيناء الثانية بل اعتبرتها خطوة في طريق الحل الشامل. وفي عام 1977 أيد الرئيس الروماني مبدأ المفاوضات المباشرة بين مصر و(إسرائيل)، ودعا إلى ضرورة إشراك أطراف عربية أخرى في هذه المفاوضات، وأعرب، تمهيداً لاستئناف مؤتمر السلام للشرق الأوسط* في جنيف، عن تأييده لمؤتمر تمهيدي في القاهرة ولدعوة الأمين العام للأمم المتحدة حولت فالدهايم إلى عقد مؤتمر تحضيري في نيويورك. أما بالنسبة إلى منظمة التحرير الفلسطينية فبدأ الموقف الروماني آنئذ أميل إلى تأييدها كممثل شرعي. ولكن ليس وحيداً، للشعب الفلسطيني. في عامي 1978 و1979 اتسم الموقف الروماني بتأييده للمفاوضات المصرية الإسرائيلية وللبحث عن إطار دولي مناسب لإشراك أطراف عربية أخرى في هذه المفاوضات. واعتبر محادثات “بلير هاوس” في واشنطن والتوقيع على معاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية خطوة إيجابية في سبيل التوصل إلى الحل الشامل. وبالنسبة إلى اتفاقيتي كامب ديفيد كان الموقف الروماني إلى جانب ما جاء فيهما حول سيناء. ولكن رومانيا اشترطت فيما يتعلق بالضفة الغربية وقطاع غزة وبمفاوضات الحكم الذاتي أن تؤدي لآخر الأمر إلى تمكن الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير والتوصل إلى الحل الشامل المنشود. وقد حافظت رومانيا على علاقات اقتصادية وثقافية وطيدة مع كل من (إسرائيل) وعدد من الدول العربية في آن واحد. ب- تشيكوسلوفاكيا: يمكن القول إن الصراع بين الشعب التشيكوسلوفاكي والصهيونية العالمية قديم العهد، فالصهيونيون كانوا المالكين الرئيسين للمؤسسات الاقتصادية والثقافية في البلاد، وكانت منظماتهم على تعاون وثيق مع النازية قبل الحرب العالمية الثانية وأثناءها، وقد أوضحت ذلك الوثائق التي نشرتها صحيفة “تريبونا” الناطقة بلسان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي التشيكوسوفاكي عام 1972 (رَ: النازية والصهيونية). كما أنه قد أصبح معروفاً أن عدداً من الصهيونيين التشيك كانوا من منظري الثورة المضادة (1968) والداعين لها والمساهمين فيها. وقد جاء في التقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي عام 1973، ولمناسبة مرور خمس سنوات على القضاء على الردة اليمينية التي تعرضت لها البلاد ما يلي: 1)  أثبتت أحداث عام 1968 الارتباط العضوي ووحدة الهدف في تشيكوسلوفاكيا بين قوى الرجعية والانتهازية واليمينية والصهيونية. 2)  كما ثبت أن لليهود دوراً كبيراً في تنظيم ما يسمى بـ (ميثاق الـ 77) المتعلق بحقوق الإنسان في تشيكوسلوفاكيا. ينسجم موقف تشيكوسلوفاكيا انسجاما تاماً مع مواقف بقية الدول الاشتراكية في إدانتها للسياسة العدوانية الإسرائيلية على الأقطار العربية، وفي مطالبتها بالانسحاب الإسرائيلي التام من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وإحقاق الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني. وقد عبر عن ذلك بوضوح المؤتمران الرابع عشر والخامس عشر للحزب الشيوعي التشيكوسوفاكي اللذان عقدا بعد القضاء على ثورة 1968 المضادة ووضعا الخطوط العريضة والمبادىء الأساسية للسياسة الخارجية التشيكوسوفاكية. كما أكدته تشيكوسلوفاكيا في توقيعها على بياني اللجنة السياسية الاستشارية للدول الأعضاء في حلف وارسو الصادرين في بوخارست (تشرين الثاني 1976) وفي موسكو (تشرين الثاني 1978)، وتجدر الإشارة إلى أن لمنظمة التحرير الفلسطينية مكتباً في براغ منذ عام 1975 يتمتع بالامتيازات والحصانات الدبلوماسية أسوة بسائر البعثات الدبلوماسية فيها. ج- المجر: لم يتطرق حزب العمال الاشتراكي المجري في المقررات الصادرة عن لجنته المركزية إلى النزاع العربي – الإسرائيلي إلا بعد العدوان الإسرائيلي على الأقطار العربية في 5/6/1967. فقد جاء في بيان اللجنة عن قضية الشرق الأوسط الصادر بتاريخ 23/6/1967 ما يلي: “قومت اللجنة المركزية الوضع الناشىء في الشرق الأوسط نتيجة للعدوان الإسرائيلي، وهي توافق على إجراءات ومواقف الحكومة والمكتب السياسي، وعلى بيان الحكومة المجرية في السادس من حزيران حول قطع العلاقات الدبلوماسية بين المجر وإسرائيل، وعلى بيان دول المنظومة الاشتراكية الصادر عن اجتماع موسكو في التاسع من الشهر المذكور. “وترى الجنة المركزية العدوان الإسرائيلي، كما تدين محاولات إسرائيل الهادفة لضم أراضي الحكومات العربية المجاورة إليها وطرد السكان العرب العزل من قبل السلطات العسكرية الإسرائيلية من أراضيهم. “وتؤكد على أن الإمبرياليين الألمان الغربيين والإنكليز والأمريكيين شركاء في الجريمة والمسؤولية في الدعم والإعداد للعدوان المسلح. وتعتبر أن الهجوم على الدول العربية هو جزء من السياسة الإمبريالية الشاملة والهادفة إلى ضرب حركات التحرر الوطنية وحرمان الشعوب التي اختارت طريق التقدم من استقلالها الوطني، وإعاقتها عن تقرير مصيرها بنفسها محاولة منها لإبقائها مرتبطة بالنظام الاستعماري أو إعادتها إليه بشكل آخر”. وقد أكدت المجر مواقفها المذكورة بيانات اللجنة المركزية الممتابعة ومن أبرزها بيانات 24/11/1967، و7/8/1968، و16/7/1970، و28/1/1971، و15/11/1972، وبيانا اللجنة المركزية ومجلس الوزراء في 6/3/1969 و4/8/1971. وقد جاء في البيان اللجنة المركزية الصادر بتاريخ 15/11/1972: “إننا متضامنون مع الأقطار العربية المكافحة ضد العدوان الإسرائيلي، ومع نضال الشعب الفلسطيني المعادي للامبريالية، وندعم التسوية العادلة لأزمة الشرق الأوسك وتحرير الأراضي العربية المحتلة وتحقيق الحل السلمي وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي”. أما بيانات اللجنة المركزية لحزب العمال الاشتراكي المجري الصادرة عقب حرب 1973 فقد كان أبرزها البيان الصادر عن اللجنة بتاريخ 1/11/1973 الذي جاء فيه: “أن اللجنة المركزية بحثت الوضع في الشرق الأوسط فأكدت أن تجدد الحرب تتحمل مسؤوليته الكاملة حكومة إسرائيل التي فجرت حرب 1967*، ومنذ ذلك الحين تتبع سياسة العدوان والتحدي. وأنها تحيي وتدعم قرار مجلس الأمن لوقف إطلاق النار الصادر بتاريخ 22/10/1973 بناء على اقتراح مشترك من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، وأن تنفيذ قرارات مجلس الأمن سيفسح المجال للتسوية العادلة للمشاكل الخطيرة لجميع الشعوب التي تعيش في المنطقة”. وجاء في البيان الصادر عن اللجنة المركزية بتاريخ 20/7/1974: “أن السلام الدائم في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتم إلا بالجلاء عن جميع الأراضي العربية المحتلة، وبإعادة الحقوق المشروعة لشعب فلسطين وضمان أمن جميع دول المنطقة، وبمشاركة جميع الأطراف المعنية بمؤتمر جنيف للسلام … وتحيي اللجنة الخطوة التي اتخذتها منظمة الأمم المتحدة بطرحها لمسألة حقوق الشعب الفلسطيني ودعوة ممثلها الشرعي منظمة التحرير الفلسطينية إلى الاجتماع في الأمم المتحدة”. وقد تأكد هذا الموقف مجدداً ببيان اللجنة المركزية الصادر في 16/5/1975. وقد شجبت المجر زيارة الرئيس السادات للقدس وما تبعها. ورأت في اتفاقيتي كامب ديفيد “خرقاً للقانون الدولي وتعارضاً مع قرارات الأمم المتحدة “، في حين وجدت اللجنة المركزية في بيانها الصادر بتاريخ 28/3/1979. “أن المعاهدة الإسرائيلية – المصرية المنفصلة التي تمت بوساطة الولايات المتحدة الأمريكية لن تنهي النزاع بل ستزيد حالة التوتر في الشرق الأوسط”. ولم تؤثر على مواقف المجر الرسمية حيال القضية زيارة عدة وفود شعبية إسرائيلية بدعوة من مجلس السلم الهنغاري، وزيارة وفد حزبي مجري (لإسرائيل) خلال عام 1979. د- بلغاريا: لم يخرج مموقف بلغاريا عن مواقف بقية دول المنظومة الاشتراكية في شجبها للأعمال العدوانية والتوسعية الإسرائيلية، في دعمها لنضال الأمة العربية في سبيل استرجاع الأراضي العربية المحتلة وإحقاق الحقوق الوطنية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني. ولعل من أبرز المقررات التي اتخذها الحزب الشيوعي البلغاري في هذا الصدد تلك التي صدرت عن مؤتمره الحادي عشر المنعقد عام 1976 والتي جاء فيها ما يلي: “ما زالت الإمبريالية وحلفاؤها تؤجج لهيب الحرب في الشرق الأوسط، وما زال خطر حرب جديدة في المنطقة قائماً باستمرار للأسباب التالية: 1)  متابعة احتلال الأراضي العربية التي اغتصبت عام 1967. 2)  حرمان الشعب العربي الفلسطيني من إمكانية إقامة دولة له. 3)  عدم خلق الظروف المناسبة لكي تعيش جميع الدول والشعوب في المنطقة بسلام وأمان. “هذا ويمكن التوصل إلى حل عادل ودائم لمشكلة الشرق الأوسط فقط عن طريق مؤتمر جنيف وبمشاركة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني”. إلا أن بلغاريا، حيال خطوات الرئيس السادات منذ عام 1977 وخروجه عن الاجماع العربي، لم تعد، كسائر دول المنظومة الاشتراكية، ترى جدوى في انعقاد مؤتمر جنيف. وقد أعلن الرئيس البلغاري جيفكوف عقب توقيع معاهدة الصلح المنفرد بين مصر (وإسرائيل) أن بلغاريا ستقدم الدعم الكامل لنضال الشعب العربي ضد جميع الاتفاقيات المنفردة، ومن أجل إقامة سلام عادل ودائم على أساس الانسحاب الكامل من جميع الأراضي المحتلة عام 1967، وإحقاق الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، وتقرير مصيره بنفسه، وإقامة دولته المستقلة والخاصة به. وقال وزير الخارجية البلغارية “إن بلغاريا، حزباً وحكومة وشعباً، تندد بالمعاهدة، وتعتبر الرئيس السادات، بخروجه عن الاجماع العربي، خائناً لقضية أمته، وأن المعاهدة لن تحقق السلام في المنطقة وستكون عاملاً في تأزم الموقف، وبداية لانطلاق شرارة الحرب، وأن السلام العالمي قد أصبح في خطر بعد توقيعها”. وجاء في البيان السوري – البلغاري المشترك الصادر عقب زيارة الرئيس جيفكوف للجمهورية العربية السورية (21-24/4/1980): “دان الجانب البلغاري بشدة الصفقات المنفردة والحلول الاستسلامية التي تم التوصل إليها بالمشاركة النشيطة للولايات المتحدة الأمريكية، والتي تمثلت باتفاقيتي كامب ديفيد، وبمعاهدة الصلح المنفرد، وتطبيع العلاقات المصرية –الإسرائيلية الموجهة جميعها ضد حقوق ومصالح الأمة العربية”. كما “أعرب الجانب البلغاري عن اقتناعه الراسخ بأن ما يجري في إطار اتفاقيتي كامب ديفيد تحت خدعة ما يسمى بـ (الحكم الذاتي) لن يؤدي إلى تحقيق الحقوق الوطنية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني بل يستهدف التنكر لهذه الحقوق، وتكريس الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية بمحاولة إضفاء الشرعية على استعمار إسرائيل الاستيطاني لهذه الأراضي”. هـ- بولونيا: بالرغم من التزام بولونيا بالخطوط العامة للسياسة الخارجية المتبعة من قبل المنظومة الاشتراكية إلا أنها، قبل عام 1967 وفي تحليلها للقضية الفلسطينية، كانت تتخذ موقفاً أقرب إلى الانحياز إلى جانب (إسرائيل)، وذلك لعدة عوامل أبرزها – إضافة لما ورد في القسم الأول من هذا البحث -عدد اليهود الكبير في بولونيا وتغلغلهم في مختلف الأجهزة الحساسة للحزب والدولة وسعيهم، بالتعاون مع الحركة الصهيونية، إلى جعل بولونيا معقلاً للنفوذ الصهيوني في دول أوروبا الشرقية. وقد كانت زيارة ناحوم غولدمان رئيس المؤتمر الصهيوني العالمي* آنذاك لبولونيا عام 1965 واستقباله فيها استقبال رؤساء الدول ظاهرة معبرة عن هذا المخطط. وجدير بالذكر أن الشعب البولوني ما زال يذكر معارك الغيتو* في وارسو ومعتقلات أوشفيتز أثناء الاحتلال النازي. إلا أنه قطع بولونيا علاقاتها الدبلوماسية (بإسرائيل) في أثر عدوان 1967، وما رافق ذلك من اضطرابات قامت بتنظيمها والإشراف عليها عناصر صهيونية في بولونيا، جرت حملة تطهير واسعة أسفرت عن طرد عدد كبير من الصهيونيين من مناصب هامة في الحزب والدولة وفي الجامعات البولونية. وقد زاد بعد ذلك اطلاع البولنديين على حقيقة (إسرائيل)، وعلى سياستها العدوانية والتوسعية، وعلى تحالفها الوثيق مع الإمبريالية ضد الحقوق والمصالح العربية. ورافق ذلك اطلاعهم على حقيقة القضية الفلسطينية ومشكلة الشرق الأوسط، وقد انعكس أثر ذلك كله في مقررات حزب العمال البولوني الموحد وتصريحات كبار المسؤولين في الحزب والدولة. ومن بين هذه التصريحات ما قاله “إدوارد غيريك” الأمين الأول للحزب آنذاك في خطاب ألقاه بتاريخ 19/3/1971 في منطقة شلنسك: “إن مبدأ سياستنا السلمية لا يسمح بأن نغفل وجود قوى واتجاهات في العالم الإمبريالي تسعى لزيادة حدة التوتر الدولي ولإشعال الحروب، ولا يزال احتلال الأراضي العربية قائماً على حين ترفض إسرائيل باستمرار الاقتراحات البناءة التي من شأنها أن تحد من الخطر ومن استفحال نتائجه”. وفي 5/10/1971 قال وزير الخارجية البولوني في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: “إن المجتمع الدولي لا يستطيع أن يتسامح في تحدي إسرائيل ومؤيديها. إن الحل السلمي لمشكلة الشرق الأوسط يمكن أن يتم فقط بضمان الحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني ضحية العدوان الإسرائيلي وبانسحاب (إسرائيل من جميع الأراضي العربية”. ووصفت الحكومة البولونية معاهدة الصلح المنفرد بين مصر و(إسرائيل)، واستفادت منها الولايات المتحدة بدعم وجودها ونفوذها العسكري في المنطقة، ورأتها تشكل خطراً واقعياً بالنسبة لدول الشرق الأوسط والدول الإفريقية، كما أنها عقدت مشكلة الشرق الأوسط، وأبعدت تحقيق الحل الشامل والعادل. وقد تأكد هذا الموقف في البيان المشترك الصادر عقب زيارة وزير خارجية بولونيا لسورية في أواخر عام 1979. و- ألمانيا الديمقراطية: تعد جمهورية ألمانيا الديمقراطية في طليعة دول المنظومة الاشتراكية في دعمها لنضال الأمة العربية لتحرير أراضيها من الاحتلال الإسرائيلي واسترجاع الحقوق المغتصبة للشعب العربي الفلسطيني. وهي أول دول المنظومة التي سمحت لمنظمة التحرير الفلسطينية بإقامة مكتب لها في برلين منذ عام 1973، وكان ذلك تمهيداً للاستقبال الكبير الذي أعدته لوفد فلسطين برئاسة ياسر عرفات. وهي تقيم سنوياً أسبوعاً للتضامن مع الشعب العربي تعبر فيه عن تأييدها للقضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وعن دعمها لمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ولحقوقه الوطنية الثابتة وفيها حقه في تقرير المصير وفي العودة وفي إقامة دولته المستقلة الخاصة به. وقد تميز موقف ألمانيا الديمقراطية بشأن مشكلة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية بإدانة صارمة لأعمال (إسرائيل) التوسعية والتعسفية المتتابعة منذ عدوان عام 1967. وتعددت بعد ذلك زيارات كبار رجالات الحزب والدولة الألمانية الديمقراطية إلى بعض الأقطار العربية لتأكيد وقوفها إلى جانب النضال العربي، ولتوسيع وتعميق التعاون السياسي والاقتصادي والعلمي مع هذه الأقطار. ويلخص البيان الذي أصدره المؤتمر الثامن للحزب الاشتراكي الألماني الموحد في حزيران 1971 الموقف الألماني الديمقراطي بالعناصر الرئيسة الآتية: 1) الاعتراف بحق (إسرائيل) بالوجود كدولة. 2) أن أسباب الصراع في الشرق الأوسط تعود إلى العدوان الإسرائيلي وتأثير الأوساط الإمبريالية الأمريكية على الأوساط الحاكمة في (إسرائيل). 3) أن إزالة النفوذ الأمريكي في المنطقة وتغيير ميزان القوى لصالح القوى التقدمية كفيلان بخلق الشروط المناسبة لإقامة سلم دائم في المنطقة. 4) دعم الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني. 5) انسحاب (إسرائيل) من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967. وقد وقفت ألمانيا الديمقراطية موقف المستنكر من اتفاقيتي كامب ديفيد. وشنت أجهزة الإعلام فيها حملة شديدة ضد معاهدة الصلح بين مصر و(إسرائيل). وفي البيان المشترك السوري – الإسرائيلي الصادر في 5/10/1978 إثر زيارة رئيس الجمهورية العربية االسورية لألمانيا الديمقراطية أعرب الجانب الألماني عن “رفضه بحزم سياسة الاتفاقيات المنفردة. ودان بشكل خاص الاتفاقيات التي تمت المساومة عليها أخيراً في كامب ديفيد من وراء ظهر الأمة العربية والتي تستهدف شق الصف العربي وفرض شروط المعتدي الإسرائيلي، وهو يرى أن هذه السياسة تعيق التوصل إلى حل شامل عادل ودائم للنزاع في الشرق الأوسط على أساس قرارات الأمم المتحدة، وتشكل في حقيقتها مؤامرة معادية للعرب وتهديداً خطيراً للسلام والأمن الدوليين”. ز – ألبانيا: يتميز موقف جمهورية ألبانيا الشعبية الاشتراكية من مواقف دول المنظومة الاشتراكية حيال القضية الفلسطينية بأنها لا تعترف بوجود (إسرائيل) وتطلق في موقعها من ضرورة إزالة “الدولة الصهيونية” باعتبارها قاعدة للإمبريالية في المنطقة قامت على العدوان. وتؤيد ألبانيا حركة التحرر الوطني في الأقطار العربية وترى الثورة الفلسطينية إحدى فصائلها الأكثر ثورية، ولذلك فإن ألبانيا في موقفها من مشكلة الشرق الأوسط ترفض القرار 242 وغيره من قرارات الأمم المتحدة، وتعتبر أن تسوية المشكلة لا تتم إلا عن طريق النضال الثوري الطويل الأمد الذي يعتمد على التحولات الاجتماعية، وعلى ربط هذه التحولات بالنضال ضد الصهيونية والإمبريالية. وعلى هذا الأساس تقف ألبانيا ضد الحلول السياسية مهما كانت وتنادي بالنضال الثوري ضد (إسرائيل) مقدرة أن الثورة الفلسطينية يمكن أن تكون نواة الثورة في سائر الأقطار العربية.