أمريكا اللاتينية والقضية الفلسطينية (دول)

أ- خلفيات سياسة دول أمريكا اللاتينية نحو القضية الفلسطينية: منذ بداية الصراع العربي – الإسرائيلي ودول أمريكا اللاتينية تلعب دوراً على جانب كبير من الأهمية فيما يتعلق بقضية فلسطين. وقد تجلى هذا الدور بصورة خاصة في أورقة الأمم المتحدة حيث كان للثقل العددي الذي تتمتع به هذه الكلفة أثر واضح في تطور القضية على الصعيد الدولي منذ عام 1947. ثم إن بعد هذه القارة عن الوطن العربي وعدم وجود صلات اقتصادية أو سياسية وثيقة بين المنطقتين جعلا من الأمم المتحدة المجال الذي تستطيع فيه دول أمريكا اللاتينية أن تؤثر على مجرى القضية الفلسطينية وتطوراتها. وقفت معظم دول أمريكا اللاتينية إلى جانب (إسرائيل). ويمكن تفسير هذا الموقف على أنه نتاج عناصر رئيسة هي: 1) ما يسمى النزعة الحقوقية للفكر السياسي في دول أمريكا اللاتينية. 2) النشاط الصهيوني الدائم في تلك الدول والوجود اليهودي فيها. 1)               نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في أمريكا اللاتينية. (1)النزعة الحقوقية: لقد تميزت خطب مندوبي دول أمريكا اللاتينية وتصرفاتهم في الأمم المتحدة بمحاولة تفسير مواقف بلادهم السياسية على ضوء عدة مبادىء عامة مستمدة من نظرة خاصة إلى المجموعة الدولية ترى أن هذه المجموعة مكونة من دول عديدة متفاوتة في الحجم والغنى والقوة، ولكن متساوية تماماً في الحقوق ومنها حق “الوجود السياسي” للدولة. وهذا الحق مستقل عن اعتراف الدول الأخرى به. إن حقوق كل دولة ليست مبنية على تمكن الدولة من تنفيذها. ولكن على حقيقة وجود الدولة كشخصية في نظر القانون الدولي. ويعني هذا أنه فور إعلان ولادة ما على أراض تسيطر عليها حكومة الدولة الجديدة أو قواتها العسكرية سيطرة فعلية تكتسب هذه الدولة شخصية قانونية دولية، وتتمتع بجميع حقوق وواجبات الدول الأخرى. ويجب على هذه الدول أن ترحب بالمولود الجديد، وتعترف به دون إبطاء. وبما يذكر أن إحدى عشرة دولة أمريكية لاتينية كانت بين الدول الاثنتين والعشرين الأولى التي اعترفت بقيام (إسرائيل). أما لماذا اعتبرت دول أمريكا اللاتينية أن مساندتها لقيام (إسرائيل) هو تعبير عن هذه المبادىء التي تؤمن بها، وأنه ليس هناك من تناقض بين هذه المواقف التي تؤمن بها، وليس هناك من تناقض بين هذه المواقف وسلامة الدول وسيادتها وحق الشعوب في تقرير مصيرها؟ ولماذا هذا التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وسيادته؟ فإن سر الجواب يكمن في العنصر الثاني، أي النشاط الصهيوني في دول أمريكا اللاتينية. (2) النشاط الصهيوني: باشرت الحركة الصهيونية عملية تعبئة اليهود في دول أمريكا اللاتينية لصالح الصهيونية وأهدافها في مطلع الأربعينات طبقاً لبرنامج الصهيونية المقرر في مؤتمر بازل لعام 1897 (رَ: المؤتمر الصهيوني) وقد باشرت الحركة الصهيونية عملية التعبئة خلال الحرب العالمية الثانية بعد أن توافر لدى الوكالة اليهودية* اقتناع كاف بقرب إنشاء الأمم المتحدة، وبأن قضية فلسطين سوف تعرض عليها، وأن الدول الأمريكية اللاتينية العشرين، آنذاك، والمقدر انضمامها إلى عضويتها سوف تلعب دوراً فاصلاً فيها. ومن هنا بدأ صهيونيو هذه القارة جهودهم للتأثير على الشخصيات غير اليهودية في البلاد التي يقيمون فيها. وقد تميزت المداخل النظرية للإعلام الصهيوني في دول أمريكا اللاتينية بالمعالم الرئيسة التالية: (1)شرح الصلات “التاريخية والدينية” التي تربط اليهود بفلسطين. (2)شرح ما تعتبره الصهيونية* الأسانيد “القانونية” ممثلة في وعد بلفور* وصك الانتداب البريطاني على فلسطين* لدعم فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين. (3)التركيز على معاناة اليهود في ظل الحكم النازي وما سبقه من أنظمة مارست اضطهادهم. (4)إبراز دور اليهود في المجهود الحربي للحلفاء، وفي مقاومة الاحتلال النازي لأوروبا خلال الحرب العالمية الثانية “دفاعاً عن الحرية” و”المفاهيم الغربية للديمقراطية”. (5)دعوة أقطار أمريكا اللاتينية إلى تأييد “الحقوق” اليهودية في فلسطين وهدف اليهود “المشروع” في إقامة دولة لهم فيها تطبيقاً للمبادىء التي تدعي هذه الأقطار الاهتداء بها في علاقاتها الدولية، والتي تتمثل في النزعة الإنسانية، وروح الكاثوليكية وتعاليمها، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والمساواة بين الدول. أما المداخل التطبيقية فأهمها: تشكيل لجان نصرة فلسطين: وقد بدأت هذه اللجان لنصرة “فلسطين يهودية” أعمالها في حزيران 1945 في الكثير من دول أمريكا اللاتينية مثل بوليفيا وتشيلي وكوبا* وكوستاريكا وكولومبيا والمكسيك. وقد كانت شخصيات غير يهودية تؤيد وجود وطن قومي لليهود في فلسطين. ومن أبرز الشخصيات خوسيه فيجريس رئيس جمهورية كوستاريكا، وأستولفو مور رئيس مجلس النواب التشيلي، وومزوكتوسو بيتالوجا وزير خارجية الأوروغواي، وخوسيه جالفس نائب رئيس جمهورية البيرو، وخوسيه فاسكونسيلوس المفكر المكسيكي الشهير. وفي أمريكا اللاتينية حيث يتمتع موظفو الحكومة والكتاب والصحافيون والشخصيات الشعبية، ولا سيما المثقفون والفنانون المبدعون، بقدر كبير من الاحترام الشعبي عملت هذه اللجان على الاستفادة من هذه المشاعر وإدراج مثل هؤلاء الأشخاص في صفوفها، ودعوتهم لرعاية الاجتماعات العامة وحضورها. وإلقاء المحاضرات وكتابة المقالات وإصدار التصريحات. ومما أعلنه خوسيه جالفيس نائب رئيس جمهورية البيرو السابق بصفته “رئيس لجنة البيرو لنصرة فلسطين” قوله: “لقد أسسنا لجنة البيرو لنصرة فلسطين في 27/6/1945 مع ممثلي الأوساط الثقافية والسياسية والمهنية. وسوف نساعد الشعب اليهودي الديمقراطي الذي يرغب في تنظيم حياته مجدداً في ديمقراطية حقيقية في داخل بلاده. وإننا لنضم أيدينا في سلسلة أمريكا أخوية تمتد من الولايات المتحدة إلى تشيلي دفاعاً عن أهداف الصهيونية”. أما على المستوى العالمي فقد عقد في واشنطن في شهر تشرين الثاني 1945 “المؤتمر الدولي المسيحي من أجل فلسطين” واشتركت فيه 14 دولة أمريكية. وقد صدر عن المؤتمر نداء موجه إلى جميع حكومات العالم يطالب بإلغاء جميع العوائق في طريق الهجرة إلى فلسطين وشراء الأراضي من قبل اليهود، وألح على الأمم المتحدة بالعمل على أن تصبح فلسطين “وهي الوطن الأم التاريخي للشعب اليهودي” دولة ديمقراطية يهودية في أقرب وقت ممكن. وقد اتخذ المؤتمر توصيات تتعلق مباشرة بقضية الدعاية للمطالب الصهيونية، وتقرر بموجبها إصدار وتوزيع منشورات دعائية بالإسبانية، وبث البرامج عبر الإذاعات المحلية، وإنشاء وكالة أنباء يهودية تخدم جميع البلدان الناطقة بالإسبانية. وإقامة مركزي إعلام في مدينتي مكسيكو (المكسيك) ومونتيفديو (الأرغواي). كما قرر المؤتمر إنشاء “اللجنة العالمية من أجل فلسطين” ومهمتها تنسيق نشاط اللجان الوطنية المحلية لنصرة فلسطين التي تؤيد إنشاء الوطن القومي اليهودي فيها. وتم إنشاء هذه اللجنة من أعضاء معظمهم من أمريكا اللاتينية، وبدأت بإصدار نشرة بالإسبانية. كان لوكالة الأنباء اليهودية شبكة عملاء تمتد عبر القارة الأمريكية، وتشرف على الحملة الدعائية الصهيونية في العواصم الرئيسة. وقد دعم هذا النشاط الصهيوني وجود جاليات يهودية في كافة دول أمريكا اللاتينية. فقد استطاع اليهود في الثلاثينات من هذا القرن توطيد أقدامهم في الكثير من دول أمريكا اللاتينية، وساعدتهم في ذلك التطورات السياسية الهامة التي أعقبت استيلاء هتلر على الحكم في ألمانيا. إذ أنه مع اشتداد حملة النازيين ضد يهود ألمانيا والنمسا هاجر المزيد من اليهود إلى دول أمريكا اللاتينية لأن الحركة الصهيونية لم تفتح لهم أبواب الولايات المتحدة الأمريكية حتى نستطيع استغلال مشكلة “عدم وجود ملجأ ليهود أوروبا المضطهدين” للدعوة إلى إنشاء (دولة إسرائيل) واحتلال فلسطين. وترجع هجرة الجاليات اليهودية إلى هذه الدول أصلاً إلى عام 1852 و1898 (الأرجنتين وكوبا). وفي أورغواي بدأت هجرتهم في أوائل القرن الخامس عشر مع طلائع المستعمرين الإسبان. وتملك الجاليات اليهودية مفاتيح الحياة في أغلب دول أمريكا اللاتينية، وتمارس نفوذها من وراء ستار. واليهود هناك كاليهود في سائر أنحاء العالم أقلية مكروهة، ولكنها مرهوبة الجانب. تمكنت الحركة الصهيونية من “صهينة” جزء كبير من الجاليات اليهودية في دول أمريكا اللاتينية، فقد نفذت برنامج السنوات الخمس للتثقيف الصهيوني في دول أمريكا اللاتينية. وضمنت بالتالي ولاء اليهود لأهداف الحركة الصهيونية بشكل كبير. (3)نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية: السيطرة الأمريكية على دول أمريكا اللاتينية قديمة منذ ثورات هذه الدول على الاستعمارين الإسباني والبرتغالي ودعم الولايات المتحدة لها. وقد سيطرت الولايات المتحدة بالفعل على مجرى الأحداث السياسية والاقتصادية والعسكرية في معظم بلدان أمريكا اللاتينية تحت ستار مبدأ مونرو لعام 1823. ومن الطبيعي أن يعكس الترابط الصهيوني –  الأمريكي نفسه على مواقف دول أمريكا اللاتينية. لقد استطاعت (إسرائيل) على ضوء العوامل السابقة أن تتغلب على البعد الجغرافي والتباين الحضاري، وأن تقيم علاقات وثيقة مع دول أمريكا اللاتينية جميعها. وقد عمدت منذ قيامها إلى تقديم المساعدات الفنية للتنمية. وأرسلت الخبراء والمستشارين، وعقدت دورات لتدريب المبعوثين من دول القارة في مجالات الصناعة والتنظيم النقابي. ب- موقف دول أمريكا اللاتينية من القضية الفلسطينية (1947 – 1956): وقفت معظم دول أمريكا اللاتينية إلى جانب قرار تقسيم فلسطين* عام 1947 بهدف تمكين اليهود من إقامة دولتهم. فقد أعلنت 13 دولة من دول أمريكا اللاتينية تأييدها المطلق لقرار تقسيم فلسطين في جلسات هيئة الأمم المتحدة في 29/11/1947. وكانت هذه الدول تمثل 40% من مجموع الأصوات التي صوتت على القرار في حين عارضت كوبا القرار وامتنعت عن التصويت كل من الأرجنتين والتشيلي وكولومبيا وهندوراس والسلفادور والمكسيك. وأثناء اندلاع حرب 1948* طالبت دول أمريكا اللاتينية بانسحاب القوات العربية ، كما حثت هيئة الأمم على دعم “استقلال إسرائيل” واعترفت دول أمريكا اللاتينية (بدولة إسرائيل) بعد قيامها مباشرة بشكل واقعي، ثم تبع ذلك في شباط 1949 اعتراف قانوني ورسمي. وكان من نتيجة ذلك أن تقدمت إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10/5/1949. سبع دول كانت أربع منها أمريكية لاتينية (غواتيمالا، وبنما، وهايتي وأورغواي) بمشروع قرار ينص على قبول (إسرائيل) في عضوية الأمم المتحدة. وعندما جرى التصويت في اليوم ذاته على المشروع صوتت إلى جانبه 18 دولة أمريكية لاتينية. وامتنعت اثنتان (البرازيل والسلفادور) عن التصويت. وكانت دول أمريكا اللاتينية في مقدمة الدول التي تبادلت مع الكيان الصهيوني التمثيل القنصلي والدبلوماسي. سعت بعض دول أمريكا اللاتينية إلى إقامة علاقات اقتصادية مع بعض الدول العربية في بداية الخمسينات، كما أقامت بعضها علاقات دبلوماسية معها. إلا أن الجانب العربي لم يعمل في اتجاه تنمية هذه العلاقات. وهكذا بقي المجال مفتوحا أمام الصهيونية و(إسرائيل) لمواصلة نشاطهما هناك، مما ترك أثراً كبيراً  على مواقف هذه الدول في تطور الصراع بعد ذلك. فأثناء عدوان (إسرائيل) وفرنسا وبريطانيا عام 1956 على مصر (رَ: حرب 1956) وقفت دول أمريكا اللاتينية موقف “اللامبالاة” وهذا يعود إلى غياب إعلام عربي نشيط في تلك المنطقة. ولكن هذه الدول صوتت في الأمم المتحدة إلى جانب انسحاب المعتدين من بور سعيد لأن الولايات المتحدة أرادت ذلك. ودرجت أكثر دول أمريكا اللاتينية في الخمسينات والستينات على تأييد (إسرائيل) في الأمم المتحدة أسوة بالولايات المتحدة الأمريكية. ج- دول أمريكا اللاتينية وقضية فلسطين (1963 – 1967): في تشرين الأول 1964 قام وزير خارجية (إسرائيل) بجولة في دول أمريكا اللاتينية للحصول على تأييد مشروعها لتحويل مياه نهر الأردن. ويبدو أن الوزير الإسرائيلي وجد تعاطفاً مع رغبات (إسرائيل) هذه. وفي الوقت نفسه ظهرت بوادر حركة مقاومة على المستوى الشعبي ضد النفوذ الصهيوني. فقد قام الشباب الأرجنتيني بمهاجمة المؤسسات اليهودية في بيونس أيرس، كذلك هاجموا المدارس والمعابد اليهودية. وأمام تزايد اللوحات الشعبية المعادية للصهيونية تعمدت وسائل الإعلام الصهيونية في دول أمريكا اللاتينية إتهام جامعة الدول العربية بتحريك التيارات المعادية لليهود هناك، وخاصة في الأرجنتين. أخذت نتائج هذا الوضع الجديد تظهر بأشكال مختلفة، ففي الأمم المتحدة اشتركت البرازيل ودول أخرى مع الولايات المتحدة الأمريكية في تقديم اقتراح “بإدانة اللاسامية”* والتعهد باتخاذ التدابير اللازمة لاقتلاع جذورها من مختلف بقاع الأرض. وفي مقابل ذلك حاولت بعض حكومات دول أمريكا اللاتينية التقرب من الدول العربية. ففي آب 1965 قام وفد أرجنتيني برئاسة نائب رئيس جمهورية الأرجنتين بزيارة لعدة دول عربية. وقد صرح رئيس الوفد بأن للشعب الفلسطيني حقاً في أرضه لأن قضيته قضية حق، وطالب بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة بهذا الشأن. وحين زار ارنستو غيفارا القاهرة في آذار 1965 قال إن “إسرائيل صنيعة إمبريالية”. كما دعت كوبا دول أمريكا اللاتينية إلى تفهم أفضل لقضايا العرب العادلة. وفي تموز 1965 قام وفد يمثل منظمة التحرير الفلسطينية* بزيارة لدول أمريكا اللاتينية حيث قام بشرح وجهة نظر العربية والتنسيق مع الجاليات العربية هناك. وقد عقد المؤتمر الأول للمغتربين الفلسطينيين في أمريكا اللاتينية في عاصمة تشلي (سانتياغو) بحضور ممثلين عن الجاليات الفلسطينية في كافة دول أمريكا اللاتينية ووفد من منظمة التحرير الفلسطينية. وقد تحدث في المؤتمر سلفادور ياتين رئيس اللجنة المركزية الفلسطينية التشيلية وطالب بدعم نضال شعب فلسطين. قرر المؤتمر إنشاء لجنة مركزية تمثل كافة العرب الفلسطينين في دول أمريكا اللاتينية يكون مقرها سانتياغو. وحين اندلعت أزمة الشرق الأوسط في أيار 1967 وقفت دول أمريكا اللاتينية ، باستثناء كوبا، إلى جانب ادعاء (إسرائيل) حقها “في الملاحة في خليج العقبة”. لقد استطاعت الصهيونية أن تؤثر، من خلال أجهزة الدعائية، في توجيه نظرة بلدان أمريكا اللاتينية لصالح السياسة الإسرائيلية. وجاء عدة آلاف من المتطوعين إلى (إسرائيل) من بلدان أمريكا اللاتينية للعمل في القطاعات الصناعية والزراعية، وللاشتراك في العدوان (حزيران 1967) على الشعب الفلسطيني والدول العربية. وقد أبدت دول أمريكا اللاتينية، عدا كوبا، (إسرائيل) في عدوانها في 5 حزيران 1967 حين ربطت انسحاب (إسرائيل) من المناطق المحتلة بضرورة قبول العرب بوجود (إسرائيل) والاعتراف بها. وقد عبر مشروع القرار الذي قدمته كتلة دول أمريكا اللاتينية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني 1967 عن هذا الموقف أدق تعبير (رَ: حرب 1967 في منظمة الأمم المتحدة) . أما حكومة كوبا فانفردت بإصدار بيان نددت فيه بالعدوان الإسرائيلي، وطالبت بوقف إطلاق النار فوراً مع انسحاب جميع القوات إلى المواقع التي كانت تحتلها قبل 5 حزيران 1967. لكن حكومة كوبا لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع (إسرائيل) أسوة بأكثرية الدول الاشتراكية، وإنما فعلت ذلك في عام 1973 (رَ: كوبا). وبشكل عام وقفت دول أمريكا اللاتينية ضد كافة القرارات التي استهدفت إدانة عدوان (إسرائيل). فقد صوتت هذه الدول في الجمعية العامة ضد المشروع السوفياتي – والمشروع الإسباني، والمشروع الآسيوي – الإفريقي. وكانت هذه كلها في صالح القضية العربية. وقد وجدت (إسرائيل) في هذا التأييد شبه الشامل من دول أمريكا اللاتينية فرصة ذهبية لتعميق علاقاتها الاقتصادية والسياسية والثقافية والسياحية مع هذه الدول. فوسع الصهيونيون نفوذهم في الأرجنتين والبرازيل، وسيطروا على الإذاعات والتلفزيون والصحافة والسينما والأحزاب والمؤسسات الأخرى. كما شنت حكومة (إسرائيل) هجوماً إعلامياً لكسب تأييد دول أمريكا اللاتينية بصدد ضمها للقدس العربية. فاجتمع أبا إيبان وزير خارجية (إسرائيل) في 22/6/1967 بعدد من مندوبي دول أمريكا اللاتينية في الأمم المتحدة، في محاولة لتطويق أي رد فعل محتمل من قبل هذه الدول ذات الأكثرية الكاثوليكية تجاه وضع الأماكن المقدسة في القدس تحت إدارة الأديان الثلاثة التي تعتبرها مقدسة. د- دول أمريكا اللاتينية والمقاومة الفلسطينية: بقيت دول أمريكا اللاتينية على تأييدها (لإسرائيل) حتى بعد أن دانت أكثر دول العالم عدوان (إسرائيل) في عام 1967. ويتضح هذا من المواقف التي اتخذتها حكومات دول أمريكا اللاتينية، ومن تصويتها على القرارات المختلفة خلال عامي 1968 و1969 في الأمم المتحدة، ويستثنى من هذا قرار مجلس الأمن في 21/5/1968 الذي طالب (إسرائيل) بإلغاء جميع التدابير التي اتخذتها من أجل تبديل وضع مدينة القدس القانوني. ولعل هذه هي القضية الوحيدة التي لم تستطع (إسرائيل) أن تكسب تأييد الكتلة اللاتينية لها. وقد غير المندوب البرازيلي عن هذه السياسية إذ قال في 20/5/1968 إن حكومته “أيدت باستمرار مبدأ تدويل القدس ولم تعترف بأي عمل قام به الأردن أو إسرائيل من طرف واحد لتبديل وضع المدينة”. ومع تصاعد العمل الثوري الفلسطيني وقفت حكومات دول أمريكا اللاتينية ضد كفاح المقاومة الفلسطينية، باسثناء كوبا التي عبرت عن دعمها المطلق للثورة الفلسطينية. وقد عدت حكومات أمريكا اللاتينية هجمات الفدائيين الفلسطينيين عبر خطوط النار في الجبهتين الأردنية والسورية “خرقاً لاتفاقية الهدنة”. كما هاجمت هذه الحكومات الاتجاه “الثوري اليساري” للنضال الفلسطيني، وتخوفت من قيام تعاون وثيق بين منظمة التحرير الفلسطينية والقوى الثورية في بلدان أمريكا اللاتينية.         أكدت دول أمريكا اللاتينية تأييدها لسياسة (إسرائيل) ولمطالبها في “حدود آمنة* ومعترف بها”، كما طالبت بإجراء مفاوضات مباشرة بين العرب و(إسرائيل). ولعل أوضح تعبير للتأييد السياسي الذي حصلت عليه (إسرائيل) من دول أمريكا اللاتينية هو ما جرى في المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان* الذي عقد في طهران بين 22/4/ و13/5/1968 تحت رعاية الأمم المتحدة، وبحضور مندوبين عن 84 دولة. فقد أدخل في جدول الأعمال بند يتعلق بمعاملة السلطات الإسرائيلية للعرب في الأراضي المحتلة، وتقدمت السودان وإسبانيا والسعودية بمشروع قرار يندد بانتهاكات (إسرائيل) لحقوق العرب الإنسانية ويطلب (إسرائيل) بالتوقف فوراً عن سياسة هدم البيوت في الأراضي العربية المحتلة. وأدخلت الوفود العربية في المؤتمر تعديلاً فيما بعد  فحواه أن المؤتمر يطالب أيضا الجمعية العامة للأمم المتحدة بتعيين لجنة خاصة للتحقيق في انتهاكات (إسرائيل) لحقوق العرب الإنسانية. عند ذلك تقدمت الأوروغواي وهولندا بمشروع قرار مضاد يطالب باحترام حقوق الإنسان وتطبيقها في الأراضي المحتلة بصورة عامة، ولم يأت على ذكر (إسرائيل) أو الشرق الأوسط. ولكن هذا المشروع فشل. أما مشروع الدول العربية وإسبانيا فقد نجح، لكن دول أمريكا اللاتينية كانت من بين الدول التي امتنعت عن التصويت عليه. استمرت (إسرائيل) في تمتين علاقاتها بدول أمريكا اللاتينية. ففي 24/10/1968 عقد المؤتمر الخامس للطوائف اليهودية في دول أمريكا اللاتينية في عاصمة أوروغواي (مونتيفديو) حيث اتخذ المؤتمرون قرارات بدعم (إسرائيل) في كافة المجالات. كما رفضت حكومة الأرجنتين، بضغط صهيوني، قبول عضويته لجنة ثلاثية خاصة قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعيينها (19/12/1968) للتحقيق في أحوال معيشة السكان العرب في المناطق التي احتلت في عدوان 1967. وقد حاول وزير خارجية غواتيمالا، وكان في ذلك الوقت رئيس الجمعية العامة، أن يعرقل إرسال مثل هذه البعثة، وذلك من منطلق صداقة بلاده مع (إسرائيل). وحين اجتمع مجلس الأمن في 27/3/1969 لدراسة الشكوى الأردنية ضد هجمات (إسرائيل) الجوية على الأردن وقفت دول أمريكا اللاتينية إلى جانب (إسرائيل). وعندما ناقش مجلس الأمن في 9/9/1969 قضية إحراق المسجد الأقصى وقف مندوباً كولومبيا وباراغواي إلى جانب (إسرائيل) وأعلنتا أن “لا مبرر للاعتقاد أن حكومة إسرائيل التي ليست لها مصلحة في الحريق قد تعمدت حرق المسجد الأقصى أو إلحاق الضرر به” وطالباً بإجراء تحقيق غير متحيز في الحدث. رغم هذا التأييد الأعمى للسياسة الإسرائيلية من أكثر دول أمريكا اللاتينية التي تسير في ركاب الإمبريالية الأمريكية ظهرت بعض التحولات في مواقف بعض الدول، منها بيان مجلس النواب التشيلي في 25/7/1969 الخاص بإدانة السياسة الإسرائيلية التوسعية ضد العالم العربي. كما أصدر الحزب الشيوعي المكسيكي وبعض المنظمات اليسارية المكسيكية بياناً في الذكرى الثانية لعدوان 1967 حمل فيه بشدة على الإمبريالية الأمريكية التي تدعم (إسرائيل) وتحميها. وقد بلغت مناهضة بعض الفئات التحررية والتقدمية في عدة دول لاتينية لسياسة (إسرائيل) قمتها حين قامت مظاهرات شعبية كبيرة في أورغواي والأرجنتين تأييداً لحركة المقاومة الفلسطينية. كما جرت عمليات نسف تعرضت لها بعض المؤسسات اليهودية والإسرائيلية على يد القوى الثورية في بعض دول أمريكا اللاتينية. ومن جهة أخرى أعلن القطاع العمالي في دول أمريكا اللاتينية تأييده لكفاح العمال العرب. كما قام الأمين العام المساعد لاتحاد نقابات العمال العرب في حزيران 1969 بزيارة تشيلي والأرجنتين والبرازيل وفنزويلا وبنما والمكسكيك، وأجرى اتصالات عديدة بسياسيين ونقابيين، وشرح لهم أبعاد القضية الفلسطينية وأهداف النضال الفلسطيني، وفضح أساليب وأهداف الصهيونية حقيقة الإمبريالية العالمية. وكان لهذه الجهود أثرها في تقوية التيار الجديد المؤيد للجانب العربي في الرأي العام اللاتيني. ففي تشيلي، مثلاً، أعرب الأمين العام للحزب الاشتراكي عن ضرورة تلاحم القوى العمالية في أمريكا اللاتينية مع القوى العمالية العربية ضد الصهيونية والامبريالية. وانضم إليه في هذه الرغبة زعماء عماليون في الأرجنتين والبيرو والبرازيل. وشهدت بعض دول أمريكا اللاتينية، وخاصة الأرجنتين والتشيلي، تزايداً في الجهود المبذولة من قبل أوساط فلسطينية للتعريف بوجهة النظر العربية من ضمنها الجولة التي قام بها روحي الخطيب أمين القدس وزهدي الطرزي (مدير الإعلام السابق في منظمة التحرير الفلسطينية) في أيار 1970. ومع تصاعد العمل الفدائي لوحظ تحول في الرأي العام في دول أمريكا اللاتينية لصالح قضية الشعب الفلسطيني. وقد وجدت الثورة الفلسطينية في حركات اليسار والتقدم في دول أمريكا اللاتينية خليفاً طبيعياً في النضال ضد الإمبريالية والصهيونية. كما أيد شباب الحركة البيرونية الثورة الفلسطينية، وتعمقت الاتصالات بين ثوار توباماروس والفدائيين من أجل الكفاح المشترك. هـ- التعاون العسكري بين دول أمريكا اللاتينية و(إسرائيل): عقدت (إسرائيل) تعاونها العسكري مع دول أمريكا اللاتينية، وفي مقدمتها البرازيل. فقد اشتمل اتفاق التعاون العسكري المعقود بين البرازيل و(إسرائيل) على إرسال طيارين برازيلين إلى (إسرائيل) للتدرب على طائرات الميراج الفرنسية. كما وافقت (إسرائيل) على إرسال خبراء عسكرين للمساعدة في تنظيم شبكة الدفاع الجوي البرازيلي. واستغلت (إسرائيل) مناسبة حصول الأرجنتين وبيرو وكولومبيا على طائرات ميراج من فرنسا لتعرض على هذه الدول القيام بتدريب طياريها في (إسرائيل). كما سعت (إسرائيل) لبيع أسلحة خفيفة من صنعها، ومنها مدافع رشاشة من طراز “عوزي” إلى دول أمريكا اللاتينية، وخاصة كولومبيا التي زار رئيس أركانها (إسرائيل) في حزيران 1972. ومن جهة أخرى قام القائد المساعد للقوات الجوية في فنزويلا بزيارة رسمية (لإسرائيل) في تشرين الثاني 1972 تفقد خلالها المصانع والقواعد العسكرية الإسرائيلية. وكثفت (إسرائيل) علاقاتها العسكرية مع بنما وبيرو والإيكوادور وبوليفيا وكوستاريكا. وتوازياً مع التعاون العسكري عمقت (إسرائيل) تعاونها الاقتصادي مع تلك البلدان. فقد وقعت الأرجنتين مع (إسرائيل) اتفاقية اشترت الأولى بموجبها أسلحة مثل الصواريخ والطائرات من (إسرائيل). كما تعاونت (إسرائيل) مع الأرجنتين في مجال البحث السوري. ويقال الشيء نفسه في علاقة (إسرائيل) بالبرازيل والمكسيك. إلا أن (إسرائيل) أخذت في الآونة الأخيرة تفقد زخمها العسكري بسبب التحولات السياسية التي طرأت في أعقاب حرب 1973*. و- الصورة الجديدة لمواقف دول أمريكا اللاتينية من القضية الفلسطينية: تعتبر سنة 1973 نقطة تحول رئيسة في تقويم دول أمريكا اللاتينية لموقفها تجاه قضية فلسطين. وقد تغيرت بعدها مواقف بعض الدول بشكل واضح بسبب عدة عوامل محلية ودولية منها:  1)الإدراك المتزايد لعدالة القضية الفلسطينية والموقف العربي.  2)نشاط الأقليات العربية، وخاصة الفلسطينية، في دول أمريكا اللاتينية.  3)تشابك المصالح الاقتصادية بين هذه الدول والعالم العربي.  4)تصاعد نضال شعوب أمريكا اللاتينية ضد الإمبريالية الأمريكية، مما يعني أيضا نضالاً ضد الصهيونية.  5)الانتصارات السياسية التي حققتها الثورة الفلسطينية على الصعيدين العربي والدولي.  6)انتصارات العرب في حرب تشرين الأول 1973. إضافة إلى ذلك دفع فشل سياسة الولايات المتحدة الدولية بعض الدول في أمريكا اللاتينية إلى رسم سياسة خارجية مستقلة. ونتيجة لمواقف دول أمريكا اللاتينية منذ عام 1973 برزت ثلاثة تجمعات مختلفة بين دول أمريكا اللاتينية تجاه قضية فلسطين:  الدول المؤيدة للقضية الفلسطينية: وتتكون هذه الدول من المجموعة التي انضمت إلى حركة عدم الانحياز* ومن أخرى متعاطفة معها. ويضم هذا التجمع: الأرجنتين وتشيلي وكوبا وكولومبيا والإيكوادور وغويانا وجامايكا وبنما والبيرو وترينيداد. وتوياغو، وكذلك نيكاراغوا بعد الثورة الساندينية. ومن المفيد إلقاء الضوء على مواقف هذه الدول. (1)الأرجنتين: أظهر نظام بيرون في مراحله الأولى تأييداً (لإسرائيل) غايته كسب تأييد الجاليات اليهودية في الأرجنتين لهذا النظام. لكن تعاظم القوة الاقتصادية للعرب وازدياد قوة حركة عدم الانحياز دفعا بالرئيس الأرجنتيني كامبورا في 7/7/1973 إلى إعلان الأرجنتين دولة غير منحازة، وانضمت بلاده بالفعل إلى دول عدم الانحياز. واشتركت بعضوية كاملة في مؤتمر الحركة الذي عقد في الجزائر في 8/9/1973، وأيدت القرار الصادر عنه بإدانة (إسرائيل) لاستمرارها في احتلال الأراضي العربية، وبالاعتراف بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني وبمنظمة التحرير الفلسطينية. كما أيدت الأرجنتين كافة قرارات الأمم المتحدة الصادرة في عام 1973 والمؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني، ودعت (إسرائيل) إلى سحب قواتها من الأراضي العربية المحتلة. وبصدد اتفاقيات كامب ديفيد* امتنعت الأرجنتين عن اتخاذ موقف واضح، لكنها وصفت المعاهدة بأنها “لا تحقق طموحات شعب فلسطين”. وبالتالي لا تحقق السلام العادل والشامل في منطقة الشرق الأوسط. (2) تشيلي: انضمت جمهورية تشيلي في ظل حكم رئيسها الاشتراكي (ألليندي) إلى حركة عدم الانحياز لأسباب أيديولوجية، ولتأكيد استقلالها عن الولايات المتحدة الأمريكية. لكن حكومة ألليندي حافظت قبل سنة 1973 على علاقاتها الودية (بإسرائيل)، وعلى الاعتقاد بأن “الصهيونية هي حركة التحرر الوطنية للشعب اليهودي” ورفضت إعطاء جامعة الدول العربية الصفة الدبلوماسية. كما أن ألليندي أكد باستمرار أن تحقيق أي سلام في الشرق الأوسط يجب أن يستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 242. غير أن موقف تشيلي تغير سنة 1973 عندما حضرت مؤتمر دول عدم الانحياز في الجزائر بعضوية كاملة. وصوتت إلى جانب قرار المؤتمر المتعلق بالقضية الفلسطينية، مما أدى إلى فتور علاقاتها السياسية (بإسرائيل). وفي 11/9/1973 حدث انقلاب عسكري أطاح بحكومة ألليندي. ورغم أن الانقلاب من صنع أمريكي إلا أن الانقلاب أعلن عن تأييد بلاده للموقف العربي. لكن حكومة تشيلي الجديدة اختارت العزلة السياسية فيما يختص بأحداث العالم. أما مندوبها في الأمم المتحدة فقد طالب بانسحاب (إسرائيل) من الأراضي العربية المحتلة وباحترام حقوق شعب فلسطين. (3) البيرو: أصبحت البيرو ملتزمة دبلوماسياً بمعظم وجهات النظر العربية حول قضايا الصراع العربي – الإسرائيلي بسبب التحاقها بحركة عدم الانحياز. وقد شاركت في مؤتمر الجزائر بعضوية كاملة إلى جانب كوبا والأرجنتين وغويانا وتشيلي. ونددت حكومة البيرو باستمرار (إسرائيل) في احتلال الأراضي العربية، وطالبت بضرورة احترام حقوق شعب فلسطين. وقد أيد رئيس البيرو موقف الدول العربية في حرب 1973، وطالب (إسرائيل) بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وأيد نضال شعب فلسطين. هذا ولم تؤيد حكومة البيرو اتفاقيات كامب ديفيد، وكانت من الدول التي أدانت ذلك في مؤتمر قمة رؤساء بلدان عدم الانحياز في هافانا عام 1979. (4) الإيكوادور: أخذت الإيكوادور اثر الانقلاب الذي وقع فيها في شباط 1972 تتجه نحو سياسة عدم الانحياز. وبانضمام الإيكوادور إلى منظمة الدول المصدرة للنفط (الأوبيك) في تشرين الثاني 1973 ازداد تأييدها بالتدريج للقضية العربية. فقد صرح مندوب الإيكوادور في الأمم المتحدة أن للعرب “الحق في استرجاع أراضيهم”. وقد صوتت الإيكوادور في الأمم المتحدة إلى جانب الدول العربية بصدد قضية الشعب الفلسطيني. كما عبر وزير خارجية الإيكوادور صراحة عن أن حقوق الشعب الفلسطيني “غير قابلة للتصرف، وهي أساسية من أجل تحقيق سلام عادل في الشرق الأوسط”. كما أيدت الإيكوادور حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم. وكان لها موقف مؤيد للعرب في حرب تشرين الأول 1973. الدول المحايدة في الصراع العربي – الإسرائيلي: والحياد هنا نسبي، إن هذه الدول تدعي الحياد بالنسبة إلى القضايا المتعلقة بفلسطين والنزاع في الشرق الأوسط فحسب. وأبرز دول هذه المجموعة البرازيل والمكسيك وفنزويلا وباراغواي وأورغواي. (1)البرازيل: تعتبر البرازيل من الدول البارزة في مواقفها في الأمم المتحدة، خاصة أنها امتنعت عن التصويت في الأمور المتعلقة بالقضية الفلسطينية. وقد رسمت سياستها الحيادية على أساس عدم التحيز إلى أي طرف  في  النزاع العربي – الإسرائيلي. وقد أكد وزير خارجيتها أثناء زيارته للقاهرة في 28/1/1973 التزام حكومته بعدم توريط نفسها في قضية النزاع العربي -الإسرائيلي. كما وقفت البرازيل على الحياد في حرب تشرين الأول 1973، لكنها طالبت بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة الخاصة بقضية الصراع في الشرق الأوسط. وأكدت فيما بعد ضرورة انسحاب (إسرائيل) واحترام حقوق شعب فلسطين. وأدانت الصهيونية بوصفها حركة عنصرية. وفي هذه المواقف الأخيرة ما يقترب بالبرازيل من المجموعة الأولى . (3) المكسيك: اتسمت سياسة المكسيك نحو القضية الفلسطينية بالازدواجية، فمن ناحية عقدت اتفاقيات ثقافية واقتصادية وعسكرية مع (إسرائيل)، ومن ناحية أخرى طالبت بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين. وبعد حرب 1973 أخذت سياسة المكسيك تتجه نحو تأييد متحفظ للعرب. فقد رفضت المكسيك سياسة (إسرائيل) في الاستيلاء على الأراضي العربية، إلا أنها طالبت العرب بالاعتراف (بإسرائيل). وقد تغير موقف المكسيك من منظمة التحرير الفلسطينية عندما أيدت اشتراك المنظمة في كافة المناقشات التي تجري بشأن قضية فلسطين في هيئة الأمم المتحدة. كما صوتت المكسيك ضد (إسرائيل) من خلال وقوفها إلى جانب قرار الأمم المتحدة رقم 3379 الذي دان الصهيونية بوصفها أحد أشكال العنصرية. ويمكن القول إن موقف المكسيك المتصدي للصهيونية لم يولد نتيجة تعاطف مع الدول العربية وإنما نتيجة لحكمها وفق الاتجاه السائد لدى الرأي العام العالمي. وقد برر وزير خارجية المكسيك موقف بلاده هذا أثناء اجتماعه بالسياسي الإسرائيلي بيغال آلون بقوله: “إن المكسيك تعارض الصهيونية طالما استمرت هذه الحركة تنكر على شعب فلسطين حقه في تقرير المصير” وقال “إن الصهيونية حركة توسعية”. وقد غضبت (إسرائيل) لهذا الموقف، واستخدمت جماعات الضغط الصهيونية ضد حكومة المكسيك. وقال رئيس المؤتمر اليهودي الأمريكي*: “إن الملايين منا نحن اليهود الأمريكيين يتملكنهم الخوف من انحياز المكسيك إلى الكتلة العربية – السوفيتية في برنامج سياسي لمعاداة السامية”. وأثار الضغط الصهيوني سلسلة من الردود المرتبكة من جانب السياسيين في المكسيك. وقال بعضهم: “إن تصويت المكسيك ضد إسرائيل كان عملاً حكومياً من جانب واحد لم يكن الشعب المكسيكي طرفاً فيه”. وبعد حرب 1973 سعت المكسيك إلى توطيد علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع العالم العربي في الوقت الذي ظلت تحتفظ فيه بعلاقات ودية مع (إسرائيل) في كافة المجالات. (3) فنزويلا: كانت فنزويلا وما زالت دولة محايدة قي الصراع العربي -الإسرائيلي. وامتنعت في الأمم المتحدة عن التصويت على عدد من القرارات التي صدرت حول القضية الفلسطينية. وقد ذكر وزير خارجية فنزويلا في 1973 أن “بلاده مهتمة بالإبقاء على العلاقات الودية مع كل دول الشرق الأوسط”. من ناحية أخرى تتطابق مصالح فنزويلا الاقتصادية بوضوح مع مصالح كثير من الدول العربية لكونها عضواً بارزاً في منظمة الأوبيك. لكن هذا الترابط في المصالح لم يؤد إلى تغير ملحوظ في سياسة فنزويلا نحو الشرق الأوسط. (4) بارغواي وأورغواي: ليس لهاتين الدولتين أي نشاط سياسي في الشرق الأوسط. وقد امتنعتا عن التصويت على القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية في هيئة الأمم المتحدة.  الدول المؤيدة (لإسرائيل): وأهمها: (1) بوليفيا: تعتبر حكومة بوليفيا العسكرية التي توجهها المخابرات الأمريكية متحمسة في تأييد (إسرائيل)، وقد عبرت بوليفيا عن تأييدها (لإسرائيل) في المحافل الدولية كما أيدت (إسرائيل) في نظرية “الحدود الآمنة” وأيدت مطالبها في المفاوضات المباشرة مع العرب. وكانت غير مرة “صهيونية” أكثر من (إسرائيل) نفسها. وقد تعهدت بوليفيا بتأييد كفاح (إسرائيل) ضد ما تسميه “الإرهاب الفلسطيني”. (2) كوستاريكا، الدومينيك، نيكاراغوا: حافظت هذه الدول على دعمها (لإسرائيل) بسبب اعتماد هذه الحكومات على الدعم الكامل للمخابرات الأمريكية ولخضوعها للاحتكارات الصهيونية والأمريكية. وهي تصوت إلى جانب (إسرائيل) باستمرار. فقد كانت بوليفيا والدومينيك مثلاً الدولتين الوحيدتين اللتين صوتتا مع الولايات المتحدة و(إسرائيل) ضد قرار الجمعية العامة 3210 (د-29) القاضي بدعوة منظمة التحرير للمشاركة في مداولات الجمعية العامة حول القضية الفلسطينية. كما كانت بوليفيا وكوستاريكا ونيكاراغوا والتشيلي( بعد ألليندي) بين من صوت ضد القرار التاريخي رقم 3236 (د-29) بإقرار حقوق الشعب الفلسطيني. وهناك تعاون عسكري واقتصادي وإعلامي وثيق بين هذه الدول و(إسرائيل) . لكن الثورة الساندينية في نيكاراغوا التي وضعت حداً لحكم سوموزا المعروف بتواطئه مع الصهيونية أخرجت نيكاراغوا من فئة الدول المؤيدة (لإسرائيل)، ووضعها في الفئة الأولى المؤيدة للقضية العربية.   المراجع: –         منذر عنبتاوي: أضواء على الإعلام الإسرائيلي، بيروت 1968. –         مؤسسة الدراسات الفلسطينية: الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية، بيروت. –   إبراهيم عبد الله إبراهيم: الصهيونية وإسرائيل في أمريكا اللاتينية، مجلة الكاتب، العدد 138، أيلول 1972، القاهرة –   غلوريا لوييز: المكسيك في إطار الصهيونية والإمبريالية، مجلة مركز الدراسات الفلسطينية، العدد 35، كانون الأول 1977، بغداد. –         نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 16/5/1974، بيروت. –       American Jewish yearbook, 1971, V.72 Prepared by the American Jewish Committeee,  New York 1971. –       Glick, E. : Latin America and the Palestine problem, New York 1958. –       Glinkin, A. : Changes in Latin America, International Affairs, Moskow, Vol 1.1975. –       Jeol Barromi.: Latin America and Israel: A case Study in Latin American Behavior at the U.N. General Assembly, Middle East  Review, Vols III, IV, 1975. –       Leopold Lauver.: Israel and the Developing Countries: New Approaches to Cooperation, New York 1967. –        Murray Zuckoff: Chiles Jews after Allende, in.: Israel’s Horizons,Vol. 21.No 9. 1973. –       Shimeon Amir: Israel’s Development Cooperation with Africa, Asia and Latin America, New York 1974. –        Victor Alba: Latin American Relations with the Middle East, The Contribution Actors, Middle East Information Service Vol, XXII, 1973. –        Weiser, B.: The Pro – Zionism in Latin America, Jewish Frontier, XV, October, 1948.