هاداساه

يقع جبل المشارف (سكوبس) شمال شرقي مدينة القدس* وهو في الشمال من جبل الزيتون. ونظراً لما يتمتع به من قيمة استراتيجية سعى الصهيونيون منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى الاستيلاء عليه بمختلف الطرق وأنشأوا فوقه مباني ضخمة كالجامعة العبرية ومستشفى هاداساه. وقد جعلوها متينة البنيان قوية التحصين لتكون وكراً لقواتهم عندما يحين موعد الاستيلاء على فلسطين بكاملها في المستقبل. وما ان بدأت الاشتباكات بينهم وبين العرب، ولا سيما بعد صدور قرار التقسيم (رَ: تقسيم فلسطين)، حتى عززوا هذه الحصون بقوات مدربة مسلحة بلغ تعدادها حوالي 400 رجل وراحوا ينطلقون منها لغزو القرى العربية المجاورة أحياناً وفتح النار على العرب في كل اتجاه بصورة دائمة. الأمر الذي دفع المناضلين العرب إلى عزلها ومع التحركات نحوها، فلم يكونوا يسمحون بالمرور إلا للقوافل الطبية والتموينية بضغط من القوات البريطانية الحاكمة في فلسطين آنذاك. وقعت خلال شهر نيسان عام 1948 أحداث هامة أثرت في معنويات الشعب العربي في فلسطين كلها – وأهمها المذبحة الوحشية التي نفذها الصهيونيون في قرية دير ياسين العربية (رَ: دير ياسين، مذبحة) وسقوط القسطل واستشهاد المناضل عبد القادر الحسيني* (رَ: القسطل، معركة) – في حين ارتفعت معنويات الصهيونيين بعد هذه الأحداث نفسها. وقررت قيادة الهاغاناه* استغلال المواقف واستثمار هذا النجاح لخرق الحصار العربي المفروض على المستعمرات والمؤسسات الصهيونية – ومنها الجامعة العبرية ومستشفى هاداساه – فدفعت بتاريخ 13/4/1948 قافلة قوية من قواتها تحت ستار التموين بالأرزاق والمواد الطبية إلى جبل المشارف (سكوبس) عبر حي الشيخ جراح بالقدس. وقد وردت معلومات من حقيقة هذه القافلة إلى عادل عبد اللطيف قائد المناضلين العرب في الشيخ جراح فقرر التصدي لها ومنعها من المرور، ولا سيما أن سكان الحي تحملوا الكثير من الرمايات التي يطلقها الصهيونيون من المستشفى والجامعة، حتى ان المناضل عبد القادر الحسيني أشار إلى هذه الاعتداءات خلال مؤتمر صحفي عقده قبل ذلك بشهر وأنذر فيه المعتدين قائلاً: “انهم اذا لم يكفوا عن استخدام مباني الجامعة والمستشفى كأوكار للقنص فاننا سوف ننسفهما”. كانت القافلة مؤلفة من تسع عربات نقل منها عربتان مصفحتان. وكانت العربات تحمل عدداً من الأطباء والممرضات في الظاهر وتخفي في داخلها عدداً كبيراً من رجال الهاغاناه مع الذخائر ومواد التحصين. وما كادت القافلة تجتاز مفرق الطرق المؤدية إلى القدس ونابلس* وجبل الزيتون في الساعة 9:45 صباحاً حتى انفجرت الألغام التي كان المناضلون قد بثوها هناك مدمرة عربة مصفحة وعربة نقل سرعان ما احترفتا ولم ينج منهما أحد. في حين أسرعت سائر العربات إلى التراجع. وقد قتل في هذه الواقعة 38 صهيونياً مقابل عربي واحد من حملة الألغام. ولما وصلت الأخبار إلى الوكالة اليهودية* استنجدت بالجيش البريطاني طالبة منه التدخل فأرسل سيارة جيب فيها ضابط بريطاني لاستطلاع الخبر، وتبعته قوة كبيرة معها مدافع هاون نفسها وبدأت تطلق النار على المناضلين العرب. ثم وصلت مصفحة بريطانية من معسكر الشرطة البريطانية على جبل المشارف (سكوبس) واشتركت في اطلاق النار على المناضلين العرب. ولكن هؤلاء، رغم تعرضهم للنيران البريطانية والصهيونية من أعالي جبل المشارف، صمدوا وردوا على النار بالمثل وأصلوا باقي عربات القافلة ناراً حامية. وقد زاد في حماستهم وصول النجدات من حي المصرارة ووادي الجوز وباب الساهرة حتى أصبح عدد المناضلين أكثر من مائتين بعد أن كانوا في بدء المعركة 24. وشنوا هجوماً عنيفاً على الصهيونيين ومنجديهم وضيقوا الخناق عليهم فعرض الصهيونيون الاستسلام، ووافق قائد المناضلين بشرط تسليم الأسلحة كلها وأخذ المقاتلين أسرى، وتعهد بعدم الاساءة إلى النساء. وبينما كانت هذه الماوضات تدور بين ممثل المناضلين ومثل الصهيونيين باشراف ضابط بريطاني أطلق الصهيونيين النار على المندوب العربي فقتلوه، الأمر الذي أثار غضب اخوانه فهاجموا القافلة بعنف واشعلوا النار في العربات وأطلقوا النار على كل من حاول المقاومة. واستمرت المعركة حتى الساعة السادسة مساء وقتل فيها عدد كبير من الصهيونيين قدرته الصحف الصهيونية بمائة واثنين وعشرين قتيلاً وعشرين جريحاً. ولم ينج من ركاب القافلة كلها سوى ثمانية أشخاص. بعد انتهاء المعركة انحى الصهيونيون باللائمة على القوات البريطانية التي لم تسرع لنجدة القافلة في الوقت المناسب. وحاولوا الاساءة عبر رسائل الاعلام إلى سمعة المناضلين العرب مدعين أن القافلة لم تكن سوى رتل من العربات تحمل مواد طبية مع الأطباء والممرضات وذكروا أسماء القتلى من هؤلاء. ولكن معظم المعلقين تساءلوا كم هم الأطباء والممرضات القادرون على خوض معركة حامية دامت أكثر من ثماني ساعات بموادهم الطبية وحدها. كان لهذه المعركة الناجحة صدى أكبر لدى المواطنين العرب في كل مكان، وارتفعت المعنويات بعدما أصابها من وهن اثر دير ياسين والقسطل واستشهاد عبد القادر الحسيني. وبقيت مباني الجامعة والمستشفى معزولة، وشعر الصهيونيون أن الخطر الحادق بها يتزايد يوماً بعد يوم فسعوا بمختلف الطرق إلى جعلها منطقة مجردة من السلاح. وقد نجحوا في مسعاهم بمساعدة الكونت فولك برنادوت الوسيط الدولي الذي اعترف في مذكراته بأنه سعى سعيا حثيثا لوضع اتفاق بين العرب واليهود بشأن الجبل الذي تقع عليه الجامعة العبرية ومستشفى هاداساه. وقد وقع الطرفان يوم 7/7/1948 اتفاقاً بذلك مثل الحكومة الموقتة (لإسرائيل) فيه القائد العسكري “شالتائيل” وقعه على الجانب العربي الأردني القائد العسكري الربيطاني “لاش”، كما وقعه فتصل بلجيكا في فلسطين إلى جانب رئيس  المراقبين الدوليين في القدس. ومع أن الاتفاق ضمن للصهيونيين الاحتفاظ بهذا الموقع الهام فانهم كثيراً ما خرقوه واستخدموا المباني نفسها للاعتداءات المتكررة على العرب. المرجع: عارف العارف: النكبة، ج1، بيروت 1956.