بن يهودا

بدأت سلطات الانتداب البريطاني تقلص من شدة قبضتها على أنحاء عديدة من فلسطين بداعي قرب موعد الجلاء. وفي الواقع كان ذلك تآمراً مع الحركة الصهيونية وتسهيلاً لها لبسط نفوذها على المناطق التي تخليها سلطات الانتداب. وتبعاً لذلك توقفت المحاكم عن النظر في القضايا وكلف بها القائد العسكري العام. كما توقفت خدمات البريد والهاتف ومرافق المياه والكهرباء، مما أدى إلى نوع من الفوضى استغلها الصهيونيون لفرض سلطاتهم الإدارية وفق الخطة “يوشع” لوراثة الانتداب البريطاني.  دفع هذا الوضع العرب إلى زيادة عملياتهم التعرضية وتكبيد الصهيونيين أكبر خسائر ممكنة لثنيهم عن عزمهم على السيطرة. وكانت منطقة القدس أكثر المناطق حساسية للطرفين، لذلك ركز قائد جيش الجهاد المقدس* عبد القادر الحسيني* ضرباته عليها، ووقع اختياره على شارع بن يهودا لكونه في قلب المنطقة اليهودية من مدينة القدس ولاحتوائه على مبان عدة هامة يمارس الإرهابيون الصهيونيون نشاطاتهم منها، وأهمها بناية الهستدروت* التي كانت تشغلها آنذاك قيادة الهاغاناه. وضع عبد القادر الحسيني خطة لنسف أكبر قسم من الشارع، وكلف فوزي القطب قائد فرقة التدمير العربية* تجهيز المتفجرات اللازمة لذلك فوزعها هذا الأخير على ثلاث عربات نقل موهت لتبدو بريطانية. كما تم الاستيلاء على عربة مصفحة من مرآب شرطة يافا لتتقدم السيارات فتبدو كأنها قافلة نظامية للجيش البريطاني. استفاد عبد القادر من بعض عناصر الشرطة البريطانية الناقمين على الصهيونيين بسبب أعمالهم الإرهابية فكلفهم قيادة العربات بلباسهم العسكري حتى النقاط المحددة لها وفق الخطة. وفي الساعة السادسة من صباح 22/2/1948 تحركت هذه القافلة نحو شارع بن يهودا عن طريق رام الله – بيت عور – باب الواد، وتخطت جميع مخافر التفتيش البريطانية والصهيونية بسهولة حتى وصلت إلى المواقع المحددة لها في الشارع والقريبة من مبنى فندق “اتلانتيك” حيث انتهت مهمة سائقيها الإنكليز فغادورها. وعندئذ أشعل المناضلون العرب المكلفون تنفيذ المهمة فتائل التفجير ثم غادروا المكان. دوى الانفجار الهائل في تمام الساعة 6:25 مساءً ودمر القسم الأعظم من شارع بن يهودا وعدداً من أبنية الشوارع المجاورة. ووقع عدد كبير من القتلى والجرحى بلغ حسب البلاغ الحكومي 49 قتيلاً و132 جريحاً. ودب الذعر بين سكان الحي فخرجوا من منازلهم هلعين. أدى هذا الحادث إلى ثورة غضب في نفوس قادة الصهيونيين فشكلوا لجنة بالتعاون مع سلطات الانتداب لتحديد الفاعل فتبين أن السيارات عائدة للجيش البريطاني. عند ذلك اعتبرت الوكالة اليهودية* كل بريطاني خصماً لها. وبدأت سلسلة من الاعتداءات على العسكريين الإنكليز أهمها نسف سيارة الجنرال مكميلان القائد البريطاني، ولم يكن هو نفسه موجوداً فيها. اتخذت سلطات الانتداب إثر ذلك تدابير مشددة لمنع تكرار مثل هذا الحادث. ولكنها رغم ذلك لم تستطع أن تمنع المناضلين العرب من تنفيذ عمليات أخرى مماثلة. المراجع: –  عارف العارف: النكبة، ج1، بيروت 1956. –  حسن البدري: الحرب في أرض السلام، القاهرة 1976.