الطلبة العرب في الجامعات العربية

وجد الطلبة العرب في الجامعات العربية أنفسهم أمام مشكلات متعددة في مجالات المعاملة والمساواة، وفي قضايا التفرقة العنصرية والانتماء السياسي. ولمواجهة هذه المشاكل عمد هؤلاء إلى تأسيس لجان تمثيلهم وتهتم بأمورهم. وتعالج الأمور التالية بصورة خاصة: 1) قضايا الطلاب العرب. 2) قضايا الشعب العربي 3) قضايا الشعوب المناضلة. تم تشكيل أول لجنة طالبية من المثقفين العرب في الجامعة العربية في القدس عام 1958، وكان هدفها في بداية الأمر محصورا بتسهيل أمور الطلاب العرب في الجامعة، وإسداء النصح للطلاب الجدد منهم. وعلى الرغم من أن الطلبة العرب اعتبروا هذه اللجنة الممثل الوحيد لهم، لم تعترف بها إدارة الجامعة ومنظمة الطلاب اليهود فيها. وفي عام 1965 استطاعت اللجنة أن تقيم علاقات وطيدة مع جهات وشخصيات يهودية متعددة، وبدأت العمل السياسي. فالطلبة العرب، الذين جاؤوا بغالبيتهم من الريف، شاهدوا وخبروا الحياة التي يحياها الإنسان العربي الفلسطيني في فلسطين المحتلة، والتمييز الذي يقع عليه. لذا ربط الطلبة العرب قضيتهم بقضية شعبهم، ومارسوا عن طريق لجنتهم في الجامعة العبرية النشاطات السياسية بطريقة فعالة، كما شاركوا شعبهم في الأرض المحتلة نضاله ضد الصهيونية*. تلخص الأهداف التي ناضلوا من أجلها بما يلي: 1) الحكم العسكري: يشكل الحكم العسكري عقبة كبرى، في سبيل حصول المثقفين العرب. على عمل بعد التخرج، إذا لم يكونوا على استعداد للسكوت عن المظالم الواقعة على العرب. وقد كان الحاكم العسكري يعمد في كثير من الأحيان إلى منع الأقونات بالوصول إلى القدس* عن الطلاب أو منعهم من الخروج منها عندما كانوا ينقلون إقاماتهم من مسكنهم الأصلي إليها. وقد تظاهر الطلبة العرب في الجامعة العبرية مراراً ضد نظام الحكم العسكري ووزعوا النشرات الداعية إلى النضال ضد التمييز العنصري في (إسرائيل). 2) التمييز العنصري: إن أكثر ما يثير الطلاب العرب هو التحيز ضد الشعب العربي الفلسطيني بشكل عام وضد الطلاب بشكل خاص، فأكثرهم عانى من البطالة والاعتقال والإرهاب والمضايقة والتمييز بكافة أشكاله. وبالرغم من أن القانون الإسرائيلي يسمح بحرية الكلمة والتعبير، فإنه لا يطبق على الطلبة العرب. فإذا أدلى طالب عربي برأيه تعرض للملاحقة. 3) مصادرة الأراضي: يقف الطلبة العرب ضد مصادرة الأراضي العربية من قبل السلطات الإسرائيلية. 4) قضية الوحدة العربية: يناضل الطلبة العرب من أجل تحقيق الوحدة العربية التي يعتبرونها أهل الأمة وطريق خلاصها من كل مخلفات الاستعمار. 5) قضية النضال ضد الاستعمار: أصدر الطلبة العرب في مختلف المناسبات بيانات تشيد بنضالات شعوب افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ضد الاستعمار على مختلف أشكاله القديمة والحديثة. اشتدت مقاومة الطلبة العرب بعد عدوان 1967 (رَ: حرب 1967) فألفت السلطات الإسرائيلية للقبض على العديد من الطلبة العرب في الجامعة العربية بتهمة مساعدة المقاومة الفلسطينية. واتخذت الصحف الإسرائيلية من مثل هذه الاعتقالات مبرراً لشن حملات تحريض دموية ضد الطلاب العرب قادتها صحيفة يديعوت أحرونوت. وقد هدد الطلبة الصهيونيون الطلبة العرب، إذا ما واصلوا نشاطهم. بما قد يعرض حياتهم للخطر. استنكرت لجنة الطلاب العرب هذا التحريض العنصري وحذرت من مغبته. كما هذه الطلاب اجتماعات ألقيت فيها كلمات الاحتجاج على الاعتقالات الإدارية. بالإضافة إلى ذلك تناضل الطلبة العرب ضد منح الخريجين الجامعين العرب من العمل معيدين في الجامعات الإسرائيلية. ففي حيفا* ثارت ضجة كبرى عام 1971 في أعقاب قرار البروفسور الصهيوني أكتسين منع الخريجين الجامعين العرب من العمل معيدين في جامعة حيفا، وذلك بعد أن أخبره جهاز المخابرات الإسرائيلي أن العرب المرشحين للعمل في الجامعة هم عناصر معادية (للدولة) وأنه لا يجوز تعيين العرب إلا بعد التأكد من “ولائهم للدولة اليهودية”. ومفهوم “الولاء” عند سلطات العدو الإسرائيلي واضح في قول أوري طون، مستشار وزير المعارف للشؤون العربية: “كل عربي حيادي في معركة الدولة هو ضدنا”. وفي قول أوري لوبراني مستشار الحكومة الإسرائيلية للشؤون العربية سابقاً: “حبذا بقاء العرب في إسرائيل حطابين وسقائي ماء، إذن لكانت قيادتهم أسهل”. درجت السلطات الإسرائيلية في بداية الأمر على اعتقال الطلبة العرب دون إعطاء مبررات لهذا الاعتقال. لكنها، وبعد تصاعد العمل الفدائي داخل الأرض المحتلة، أخذت تبرر أساليب القمع هذه بانخراط الطلبة العرب في خلايا سرية لدعم المقاومة الفلسطينية. ومما زاد في مخاوف سلطات الاحتلال التلاحم بين جماهير الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة والمقاومة الفلسطينية. وضاعف غضب هذه السلطات صدور بيانات من لجان الطلبة العرب تطالب بانسحاب (إسرائيل) من الأراضي العربية المحتلة والاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني. وجاءت نتائج حرب 1973* لتبريد من جذوره التحدي عند العرب في مجابهة سياسة البطش الإسرائيلية. فخلال عامي 1974 و1975 قامت لجان الطلبة العرب في الجامعات العبرية بتحركات واسعة ضد سياسة التمييز العنصري، ومختلف أشكال الاضطهاد، والملاحقة التي يتعرض لها الطلاب العرب. وقد تم تنظيم مظاهرات واجتماعات تضامنية، شارك في بعضها عدد من الشخصيات اليهودية.فقد أقيم مهرجان خطابي في ساحة “ملوك إسرائيل” في القدس للتضامن مع الطلاب العرب، وكان من أبرز المؤيدون اليهود في هذا المهرجان عضو الكنيست ورئيس تحرير مجلة “هاعولام هازيه” أوري أفنيري. وقد وصفت صحيفة يديعوت أحرونوت الاجتماع بأنه “تظاهرة احتجاجية من أجل المساواة الكاملة للطلاب العرب بالطلاب اليهود في شروط القبول في الجامعات والسكن وتوفير عمل ملائم للخريجين ومن أجل حق التنظيم والنشاط العام في الحرم الجامعي”. وقام الطلبة العرب في جامعة بار – إيلان بتظاهرة في 12/3/1975. وعلق عميد الجامعة على نشاط الطلبة العرب بقوله: “بدأ التوتر بين الطلاب العرب في بار- إيلان ورجال الجامعة والطلاب الآخرين عندما وزعوا غداة “مذبحة فندق سافوي” نشرات عدائية داخل الجامعة، وصادرها أشخاص بالقوة”. وقال: “إنه منح الطلاب العرب من تنظيم مظاهرة أمام الجامعة وأمر بطردهم لتفادي اشتباك خطير”. كما أنه رفض الاعتراف بلجنة الطلاب العرب، واعتبر أن اتحاد الطلاب المحلي فقط هو الناطق الرسمي بلسم جميع الطلاب. أما الطلاب العرب فقالوا إن إدارة الجامعة استأجرت نحو 200 شخص هددوهم بالضرب بقضبان حديد كانوا يحملونها، إذا لم يخرجوا من الجامعة. لم تقتصر حملات التحريض وعدم الاعتراف بلجان الطلاب العرب على جامعة بار- ايلان، بل شملت جميع الجامعات والمعاهد العليا في (إسرائيل). فقد ذكرت صحيفة على همشمار أن لجنة رابطة الطلبة الإسرائيلية في جامعة بن غوريون في النقب، نشرت بياناً، أعلنت فيه أنها تعارض بشدة استمرار نشاط لجنة الطلبة العرب التي أقيمت منذ مدة في الجامعة. وجاء في صحيفة معاريف أن لجنة الطلبة العرب في جامعة بن غوريون تضم سنتين طالباً وأنها هيئة سياسية يسارية. وإزاء هذه المضايقات وعدم اعتراف المؤسسات التعليمية الإسرائيلية بلجان الطلبة العرب، أقدمت هذه اللجان على عقد اجتماع شعبي في مدينة  الناصرة*، انبثق عنه اتحاد قطري تتمثل فيه اللجان جميعها. وقد أعرب المحدثون في الاجتماع عن سخطهم على المؤسسات الجامعة الإسرائيلية التي ترفض الاعتراف بلجان الطلبة العرب، بحجة أن هذه اللجان موالية لجهات خارجية. والجدير بالذكر أن الاتحاد القطري للجان الطلبة العرب يضم لجاناً تمثل الطلبة العرب في جامعات القدس وتل أبيب وبار – إيلان وحيفا وبئر السبع (رَ: الجامعات الصهيونية). لقيت لجان الطلبة العرب دعماً جماهيرياً في الوسط العربي. وتتذكر صحيفة علي همشمار أن عدة اجتماعات تضامنية مع الطلبة العرب عقدت في الناصرة والمثلث، حيث أعرب المواطنون العرب عن تأييدهم المطلق لنضال الطلبة العرب ضد السياسة الإسرائيلية في كافة المجالات. وقد دفع هذا الـتأييد الجماهيري الطلبة العرب، إلى مزيد من العمل السياسي “لإخراج الهوية الفلسطينية إلى حيز الوجود”. وساعد على ذلك تصاعد الانتصارات المحلية والعالمية التي حققتها الثورة الفلسطينية. مما أدى إلى إذكاء الروح الوطنية والانتماء لدى المثقفين العرب في فلسطين المحتلة، فأخذوا يتطلعون إلى اليوم الذي يعيشون فيه في دولة خاصة بهم. ولقد سبق للأستاذ جون هوفمان أن قام في عام 1972 بإجراء دراسة حول التطلعات الوطنية لدى الطلبة العرب في الجامعات الإسرائيلية، وتبين له أن ولاء هؤلاء الطلبة هو “للشخصية الفلسطينية” وليس لديهم أي ولاء لحكومة (إسرائيل). لقد عبر الطلبة العرب في الجامعات الإسرائيلية عن انتمائهم “الفلسطيني” في صحافة الأرض المحتلة ومنشوراتهم وبياناتهم وإعلاناتهم وأسسوا لهذا الغرض عدة منظمات، كان أبرزها لجنة الدفاغ عن الأرض العربية وحركة أبناء البلد* وقد أعلن بيان لجنة الطلبة العرب في جامعة تل أبيب في حزيران 1976: “أن الفلسطينيين في هذه الأرض هم جزء لا يتجزأ من شعب فلسطين العربي الذي كان يعيش على أرض فلسطين برمتها حتى عام 1948”.  وفي يوم الأرض* الذي أقيم في 30/3/1976 أصدر اتحاد الطلبة العرب في الجامعات العبرية بياناً موجهاً إلى الشعب الفلسطيني أكد فيه تأييد قطاعات الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة والمنفى في مطالبها الوطنية. وبعد رحلة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس أصدرت لجان الطلبة العرب في الجامعات العبرية – بيانات اتهمت فيها نظام السادات بمحاولة القضية الفلسطينية بما يتناسب ومؤامرات الامبريالية العالمية. ودعت البيانات الجماهير الفلسطينية إلى الصمود في وجه هذه المخططات، والالتفاف الكلي حول منظمة التحرير الفلسطينية*. ووجدت الصحافة الإسرائيلية* في هذه البيانات بديلة “ظاهرة خطيرة للغاية”. وشن الجانب الإسرائيلي حملات انتقامية ضد الطلبة العرب، وسحبت بعض الجامعات اعترافها بلجان الطلبة العرب، وارتفعت الأصوات الصهيونية مطالبة “بالضرب بيد من حديد” على الطلبة العرب، ودعت  أوساط الطلبة الصهيونيين إلى طرد الطلبة العرب من الجامعات الإسرائيلية، وحدثت اصطدامات متعددة بين الطلبة العرب والصهيونيين. وتعليقاً على ذلك قال محمود محارب رئيس لجنة الطلاب العرب في الجامعة العبرية “اننا جبهة رفض له لصادرة الأراضي وهدم البيوت ولكل حل إمبريالي يتغاضى عن الحقوق الشرعية للشعب العربي الفلسطيني. إننا نقف إلى جانب إقامة سلطة فلسطينية مستقلة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية على أي جزء يتم تحريره في فلسطين”. وأضاف رئيس لجنة الطلبة العرب إن “الطلبة الفلسطينيين يعارضون اتفاقيات كامب ديفيد* وكافة المشاربع الإمبريالية التي تستهدف طمس معالم القضية المقدسة”. وبعد اشتداد العنف الصهيوني تابعت لجان الطلبة العرب نشاطها تحت اسم “الحركة الوطنية التقدمية”. وقد أثار نشاط هذه الحركة عاصفة كبرى على المستوى الرسمي وفي الجامعات ووسائل الإعلام الصهيوني. وبدأت حملة اضطهاد عنيفة ضد الطلاب العرب، خاصة في أعقاب البيان الذي أرسلوه إلى قيادة منظمة التحرير والذي جاء فيه: “إن الحركة الوطنية التقدمية لا تعترف بالكيان الصهيوني”. ودعا هذا البيان إلى توحيد منظمات المقاومة الفلسطينية وفقاً لخطة عمل نضالية، كما دعا إلى رفض جميع قرارات مجلس الأمن ومؤتمر  جنيف، وإلى إدانته مبادرة الرئيس المصري السادات، وطالب الطلبة العرب فيه بضرورة مواصلة الكفاح المسلح ضد (إسرائيل) حتى يتحقق النصر. اتخذت السلطات الإسرائيلية من هذا البيان ذريعة للتصدي للتيار الوطني المتعاظم بين العرب في (إسرائيل)، وسارع الاتحاد العام للطلاب اليهود إلى المطالبة “بطرد عملاء منظمة التحرير الفلسطينية فوراً من الجامعات الإسرائيلية”. كما قدمت عضو الكنيست شوشان أريلي الموزيلينو (معراخ)* اقتراحاً عاجلاً إلى الكنيست ببحث بيان الطلاب العرب الذين يطلقون على أنفسهم اسم “الحركة الوطنية التقدمية” والمعارضون للكيان الصهيوني، وبإدانة تصريحات الطلاب العرب الذين يؤيدون منظمة التحرير الفلسطينية ونشاطاتهم وطردهم من الحامعات, وتقدم أربعة آخرون من أعضاء الكنيست، من بينهم آمون لين (ليكود)* ويهودا بن مئير (مفدال)* باقتراحات متشابهة طالبوا فيها “بتقديم واضعي البيانات للمحاكمة”. وقد صرح وزير المعارف والثقافة، زفولون همر، باسم حكومة الليكود أن “لا حقوق طالبية لمن يتآمر علناً وسراً على وجودنا”. وقال في لقائه مع لجنة رؤساء الجامعات: “لا يجوز السكوت على تصرفات الطلاب الذين يحرضون علناً ضد الدولة”. وبالفعل، لم تتأخر حكومة مناحيم بيغن في التجاوب مع هذه المطالب. ففي 25/1/1979 داهمت قوات الشرطة الإسرائيلية مساكن الطلبة العرب في جبل المكبر. وسلمت ستة منهم أوامر بالإقامة الجبرية وفقاً للبند 110 من أنظمة الدفاع في حالة الطوارىء لعام 1945*، وأمرتهم بالعودة فوراً إلى قراهم وإثبات وجودهم في مراكز الشرطة، وذلك بتهمة التضامن مع منظمة التحرير الفلسطينية. ورد الطلاب على ذلك في مؤتمر صحفي عقدوه وأعلنوا فيه تماثلهم مع جميع نشاطات منظمة التحرير الفلسطينية في المجالين السياسي والعسكري. كما أيدوا الهدف النهائي الذي تسعى إلى تحقيقه الثورة الفلسطينية، والمتضمن إقامة دولة عثمانية جغرافية على أرض فلسطين تضم العرب واليهود. إن الكفاح الذي تقوده لجان الطلبة العرب على أرض فلسطين يشكل جزءاً حيوياً من نضال القوى الثورية الفلسطينية، ويعتبر بالتالي ركيزة مهمة من الركائز الضرورية لتحقيق النصر.   المراجع: –         حبيب قهوجي: العرب في ظل الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948، بيروت 1972. –          Fauzi-Asmar: Israel Revisited, Journal of Palestine Studies, No.23, 1977. –          Hofmanm John and Nadim Rohana: Young Arabs in Israel: Some Aspects of a Conflicted Social Identity, Journal of Social Psychology, LXLIX, 1976. –          Meir, P.: The State of Israel and the Palestinian National Movement, New Outlook, Tel –Aviv, 1917, 1976.   الطلبة الفلسطينيين (رابطة -): رَ: الاتحاد العام لطلبة فلسطين