شعيب

تكرر ورود اسم النبي شعيب في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة. قال تعالى: “وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره” (الأعراف : 85). وقال تعالى: “وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان اني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط” (هود : 84). ولما حاول المفسرون والمؤرخون المسلمون استقصاء أخبار النبي شعيب وذكر تفصيلات عن حياته استعانوا، كما هو المألوف في مثل هذا الموقف، بالإسرائيليات، فرجعوا إلى ما جاء في التوراة* (سفر الخروج) عن هرب موسى* من مصر إلى مدين، وسكناه هناك مدة طويلة من الزمن. وقد أشار القرآن الكريم في سورة القصص إلى توجه موسى تلقاه مدين، حيث وجد على الماء إمرأتين، فسقى لهما، ثم تعرف على أبيهما الذي زوجه إحداهما. وتتحدث التوراة في مواضع كثيرة من سفر الخروج، عن حمي موسى، وتصفه بأنه كاهن مدين، وتطلق عليه اسم “يثرون”. ومن الواضح أن الشيخ الكبير الذي صاهره موسى، والذي يسمى في التوراة “يثرون” هو نفسه النبي شعيب وإن كان من الصعب تعليل الاختلاف بين الاسمين. ولم يجد الأخباريون المسلمون في القصص الشعبي شيئاً عن شعيب، فاكتفى الطبري وغيره من المفسرين والمؤرخين باتباع ما جاء في التوراة، وقبلوا اسم “يثرون” في حين اخترع آخرون نسباً عجيباً له، فجعلوه “ابن نويت بن رعويل بن مر بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم”. وادعى غيرهم أنه “ابن يكيل” من ولد “مدين”. وذكر المسعودي عن شعيب أن لسانه كان عربياً، فهو واحد من الأنبياء الخمسة الذين روي أنهم من العرب، وهم: إسماعيل*، وشعيب، وصالح، وهود، محمد. ويبدو، من روايات سفر الخروج، أن اسم الرب “يهوه” كان معروفاً في مدين، وهو الذي خاطب موسى عندما ساق غنم حميه يثرون إلى وراء البرية وجاء إلى جبل الله (حوريب)، وظهر له هناك ملاك الرب وقال له: “أنا إله إبراهيم وإسحق ويعقوب. ويبدو أيضاً أن يثرون جاء إلى موسى بعد خروج بني إسرائيل من مصر، وقال له: “مبارك الرب الذي أنقذكم من أيدي المصريين ومن يد فرعون”. ثم نصحه بأن يعلم الإسرائيليين الفرائض والشرائع، ويعرفهم الطريق الذي يسلكونه، وأن يعين لهم رؤساء وقضاة ينظرون في الدعاوى الصغيرة. يتبين من هذه الروايات في سفر الخروج أن مدين كانت متقدمة في العمران والتنظيم. (ويقال إن مدين اسم القبيلة بدليل قوله تعالى: “وإلى مدين أخاهم شعيباً”) و يذكر القرآن الكريم أنها كانت بخير، ويحذر أهلها من أساليب الغش والخداع في الموازين والمكاييل الشائعة لدى التجار إذ ذاك.   تقع بلاد مدين على شواطىء البحر الأحمر مقابل شبه جزيرة سيناء، وإلى الجنوب من أيلة (العقبة). وتسميه سكانها بأصحاب الأيكة في القرآن الكريم تشير إلى عبادتهم هذا النوع من الشجر. ويظهر من الجغرافيين والرحالة أنه كانت هناك مدينة في بلاد مدين يسميها يوسيفوس* في القرن الأول الميلادي (ماديانا) ويسميها بطليموس في القرن الثاني (مادياما). ويذكر الإدريسي أن مدينة مدين كانت تقاطع فيها الطرق الرئيسة الممتدة من مصر وفلسطين. والمتفرعة جنوباً إلى المدينة ومكة، وشرقاً نحو تبوك وتيماء، وأنها كانت في عهد (القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي) أكبر من مدينة تبوك. وأن فيها بئراً يقول السكان إن موسى كان يستقي منها لبنات شعيب، إلا أن المقريزي يلاحظ أن مدين المشهورة في القديم لم يبق منها في عهده (القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي) سوى بعض الخرائب وأطلال أبنية ضخمة وألواح ونقوش غريبة. ليس معروفاً على التحقيق أين مات النبي شعيب ودفن. على أن أشهر ضريح له هو القائم في ظاهر حطين الجنوبي – الغربي، على بعد سبعة كيلومترات من طبرية*. ومقام شعيب هذا مقدس عند الدروز*، يزورونه، ويحتفلون حوله من 23 – 25 نيسان من كل سنة. وهو يتألف من غرف للزوار وقاعة للصلاة فيها القبر، وبجانبه أثر لتقدم إنسان ينسبها الدروز إلى صاحب القبر. وبالقرب من البناء عين مياء عذب.   المراجع: –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، بيروت 1974. –         موزيل: شمال الحجاز (مترجم)، الإسكندرية 1952. –         Encyclopedia Britannica, Vol.5 (Druzes).   الشعير: رَ: الزراعة