الأمة

كان إنقاذ الأراضي العربية في فلسطين يمنع تملك اليهود لأي منها في طليعة أهداف وهموم النضال العربي الفلسطيني ضد الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية. فما إن وافقت عصبة الأمم* عام 1922 على صك الانتداب* حتى اندفعت الحركة الصهيونية تشتري الأراضي العربية، ولا سيما في الساحل الفلسطيني، مغتنمة في ذلك سوء الأوضاع الاقتصادية لعرب فلسطين نتيجة لامتداد التخلف الاقتصادي إبان العهد العثماني بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى. وقد وجدت الحركة الصهيونية في الضرائب* التي دأبت الحكومة البريطانية المنتدبة على فرضها على الأراضي بنسب عالية لا تتلاءم مع القدرات المالية لأصحابها منفذاً آخر لنشاطاتها في شراء الأراضي. وكانت قد بادرت لإنشاء مصرف صهيوني صرف تحت ستار”بنك أنكلو – فلسطين” أي البنك البريطاني – الفلسطيني، ومؤسستي الكيرين هايسود*، أي مؤسسة تملك الأراضي، والكيرين كايميت*، أي مؤسسة رأس المال الإسرائيلي. وعلى الرغم من كل ما بذلته الحركة الصهيونية من الأموال وشرائها لبعض الأراضي المملوكة لعائلات غير فلسطينية لم تزد مساحة الممتلكات اليهودية من الأراضي حتى حرب 1948* على 8.6 بالمئة من مجموع مساحة فلسطين. وكان في مقدمة الأسباب التي أوقت ثورة شهر آب عام 1929 المشهورة باسم ثورة البراق (رَ: ثورة 1929) النقمة على امتناع الحكومة المنتدبة عن وضع تشريع لمنع بيع الأراضي العربية. وعندما اندلعت ثورة عام 1933 في يافا (رَ: يافا، ثورة) استقدمت الحكومة البريطانية خبيراً بريطانيا أسمه ستركلند Srtickland وضع تقريراً أوصى فيه بمنح بيع الأراضي الزراعية العربية لليهود في مناطق معينة من فلسطين (رَ: ستركلند، تقرير). لكن الحكومة المنتدبة لم تنفذ توصيات التقرير. وعندها استقر الرأي العربي، بدعوة من المجلس الإسلامي الأعلى* والمؤتمر العربي الفلسطيني* عام 1935، على إنشاء لجنة باسم لجنة صندوق الأمة غايتها إنقاذ الأراضي المعرضة للبيع واستغلالها لصالح العرب وقد تولى رئاستها أحمد حلمي عبد الباقي*. كان من مهام اللجنة ضد محاولات البيع بالإقناع وجمع المال لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأراضي المعرضة للبيع. وكانت خطة اللجنة عزل الأراضي المملوكة لليهود بإحاطتها بحزام من الأراضي العربية التي يشتريها الصندوق، أو حث أصحابها على تحويلها إلى ممتلكات وقفية. لكن الهم كان أكبر كثيراً من أن تستوعبه الأموال الزهيدة المتحصلة من التبرعات والرسوم المالية على بعض المشتريات كتذاكر السفر والسينما وغيرها. ومع ذلك استطاعت اللجنة إنقاذ نحو ألف دونم في قريتي بيت حنون وجولس* في منطقة غزة، وبعض المساحات في قرية عاقر* بمنطقة يافا وغيرها. كما قامت اللجنة بمنح قروض صغيرة ولبعض المزارعين لتمكينهم من استغلال أراضيهم بسبب عدم وجود أي مصرف زراعي في ذلك الوقت. ولقد تأثرت نشاطات الصندوق بعد نفي الزعماء الفلسطينيين إلى جزيرة سيشل وتشرد غيرهم خارج الوطن الفلسطيني. وقد توقفت أعمال الصندوق عند ابتداء الحرب العالمية الثانية عام 1939 لما جمدت الحركة الصهيونية عمليات شراء الأراضي. وحالما شعر رئيس اللجنة بتجدد التيار الصهيوني لشراء الأراضي بسبب تغير مجرى الحرب آنذاك لصالح الحلفاء عام 1943 بادر إلى إحياء اللجنة وتجديد تشكيلها. إلا أن المال استمر العقبة الكأداء. فبالرغم من التوسع في فرض الجباية على المشتريات ازدادت الأعباء المالية على العرب شدة بسبب توقف تصدير الحمضيات* التي كانوا مضطرين لإنفاق المال لقطفها وردمها تحت الأرض تجنباً لأضرار عفنها. ولما نشطت عام 1946 حركة موسى العلمي لإنشاء المشروع الإنشائي العربي* ضاعف رئيس اللحنة نشاط صندوق الأمة وضم إلى لجنته بعض زعماء الحركة الوطنية. لكن المنافسة المؤسفة بين المشروع واللجنة، وما رافق ذلك من خلافات جانبية حزبية، أدت إلى شل حركة الصندوق والمشروع معاً. ولدى عقد الجلسات الاستثنائية لمجلس جامعة الدول العربية في بلودان في 11/6/1946، وتشكيل الهيئة العربية العليا لفلسطين*، تم إنشاء لجنة خاصة لإنقاذ أراضي فلسطين، وتخصيص مبلغ مليون جنيه فلسطيني لها سنوياً (رَ: بلودان، مؤتمر 1946). لكن القرار تجمد، فقد داهمت فلسطين حرب العصابات الإرهابية الصهيونية، وتكاثرت المشاغل السياسية التي أثارها تقرير لجنة هيئة الأمم المتحدة عام 1946 بتقسيم فلسطين. وعرض القضية على هيئة الأمم المتحدة، وانسحاب الحكومة البريطانية المنتدبة تاركة وراءها ذلك الفراغ الذي استغلته العصابات الصهيونية عام 1948.