جالود (نهر)

من أهم الأنهار الغربية الرافدة لنهر الأردن* بعد بحيرة طبرية*. وهو يصرف مياه قسم كبير من مرتفعات فلسطين المطلة على غور الأردن من جهة الغرب، ابتداء من سهل مرج ابن عامر* في غرب الشمال الغربي، وانتهاء بغور بيسان في شرق الجنوب الشرقي. كما يصرف مياه جبل فقوعة التي تسيل في الجانب الجنوبي الغربي من واديه، ومياه منطقة الطيبة المحصورة بين جبل الدِّحي وكوكب الهوا*، والواقعة كلها جنوب الشمال الشرقي للوادي. فحوض نهر جالود وشبكة مياهه من الأحواض الصغيرة التابعة لحوض نهر الأردن. أ- جغرافية النهر: تتشكل بدايات نهر جالود في الغرب من أودية سيلية صغيرة تنحدر من السفوح الجنوبية والجنوبية الغربية لجيل الدِّحي (515م)، ومن أودية سيلية أخرى تتجمع شرقي بلدة العفولة*، لتسير جنوباً شرقياً باتجاه أراضي قرية زرعين. وعلى هذا الأساس تشكل كتلة جبل الدِّحي خط تقسيم مياه بين نهر جالود في الجنوب ووادي طابور في الشمال. كما تشكل أراضي منطقة العفولة خط تقسيم للمياه بين أعالي نهر جالود وبدايات نهر المقطّع* المار بسهل مرج ابن عامر والمتجه شمالاً غربياً إلى خليج عكا* على البحر المتوسط. ويختلف خط تقسيم مياه العفولة من مثيله في جبل الدحي بكونه قليل الارتفاع. وتأخذ معالم نهر جالود بالوضوح شمال قرية زرعين، عندما يدخل الأراضي الواقعة دون مستوى سطح البحر. يتلقى نهر جالود مياه نبع يتدفق من مغارة صخرية شرق قرية زرعين. ثم يتابع سيره نحو الجنوب الشرقي في واد عريض نسبياً تشرف عليه من جهة الشمال تلال قليلة الارتفاع فوق مستوى النهر 150 – 200م، في حين تطل عليه سفوح شديدة الأنحدار من الجنوب، وهي منحدرات جبل فقوعة التي ترتفع فوق المستوى العام للنهر مقدار 400 – 500م. ويزداد اتساع الوادي وانبساط أرضه بين الجبل والتلال المذكورة كلما تقدم إلى الجنوب الشرقي، حتى يصبح العرض 2.5 – 3 كم غرب مدينة بيسان*. ويتغذى نهر جالود بمياه الأودية الهابطة من المرتفعات المطلة عليه، وبالعيون والينابيع المنبثقة من سفوح جبل فقوعة، وأهمها عين عيسى على بعد 5 كم غرب بيسان. وهذه المصادر المائية هي التي جعلت جالود نهرا تسيل المياه في واديه بدءا من شرقي أراضي قرية زرعين، وتستمر في الجريان مع تزايد الغزارة حتى نقطة التقاء جالود بنهر الأردن. ويصبح محور جريان النهر شرقياً – غربياً عند تل الزهرة البارز فوق أرض سهل بيسان المنبسطة. ويمر بين مدينة بيسان الواقعة جنوبه وتل الحصن الواقع شماله، ثم يدخل أراضي زور الأردن وتلاله الغربية المؤلفة من صخور طرية يشق النهر فيها مجراه بحافات وجوانب شديدة الانحدار أو قائمة. ويتجه النهر بعد ذلك شمالاً – شرقاً بتعرجات كثيرة، وتلتقي مياهه بمياه نهر الأردن مقابل خربة الشيخ عليان الأردنية. وطول نهر جالود، من بداياته في جبل الدِّحي وأراضي العفولة حتى نهر الأردن، 31 كم. أما طول القسم الذي يستمر فيه جريان الماء فيقدر بنحو 20 و22 كم، بل إلى أقل من ذلك، تبعاً لغزارة الينابيع العليا في بطن الوادي وجوانبه. ويتراوح متوسط الأمطار السنوي في حوض نهر جالود بين 300 و450مم، مع درجات حرارة سنوية متوسطة بين 18 درجة مئوية و23 درجة مئوية، وتبخر سنوي بين 1.100 و1.400 مم. وتزداد درجات الحرارة ونسبة التبخر مع تناقص كميات الأمطار شرقاً باتجاه غور الأردن. أما نظام الجريان في نهر جالود فيعتمد على تغذية غير مباشرة من العيون والينابيع والمياه الباطنية في حوض النهر، مما يساعد على بقاء خيط الماء مستمر الجريان في قسم كبير منه طوال السنة، كما يعتمد على تغذية مباشرة الأمطار التي تزيده غزارة وتوصل عرضه إلى ما بين ثلاثة أمتار وخمسة. ب- أصل وادي الجالود: يحتل نهر جالود أخفض نقاط الوادي الذي يسيل فيه. ويصل عرض الوادي إلى 3 كم، ويقارب عمقه المتوسط 100م. لكن جوانبه الجنوبية ترتفع أكثر من 500م في جبل فقوعة. وتشق المياه خط جريانها ضمن ترسبات طرية يتألف معظمها من اللحقيات النهرية – السيلية العائدة للحقبة الرابعة الجيولوجية الحديثة، ومن ترسبات الترافوتان الرباعية في المجرى الأدنى لنهر جالود وفي منطقة غور بيسان. أما في منطقة المصب فتألف المواد الرباعية الطرية من ترسبات بحيرة اللسان. وتتصل الرباعيات اللحقية بمثيلاتها في سهل مرج ابن عامر ووادي نهر المقطع وسهل عكا* – حيفا دون انقطاع. أما صخور المرتفعات المشرفة على شريط الوادي فهي من الشمال بركانية – اندفاعية يرجع عمرها إلى أواخر الحقبة الثالثة الجيولوجية، وإلى الحقبة الرابعة، وكلسية مارنية دولوميتية في الجنوب تعود غلى الحقبتين الثانية والثالثة الجيولوجيتين. وبالرغم من شدة انحدار المقطع الطولي للنهر بين 10 م فوق مستوى سطح البحر في أراضي قرية زرعين، و264م دون مستوى البحر عند مصبه في نهر الأردن، فإنه نهر صغير غير قادر على تكوين واديه الحالي بالحت والحفر المائيين. ويفسر الوضع البنائي التكتوني للمنطقة هذا الأمر، إذ لا يوجد خط صدع (انكسار) كبير يحاذي محمور الوادي عند قدم جبل فقوعة، وينحرف في الشرق نحو الجنوب ليتحاذى محور وادي الأردن. ونتيجة لهذه الحركة الصدعية ارتفعت كتلة جبل فقوعة، وانخفضت منطقة وادي الجالود التي وصلت إليها الاندفاعات البركانية من الشمال لترسم أطراف الوادي الشمالية وتندس تحت المواد اللحقية الحديثة. وهكذا فإن أصل وادي جالود بنائي صدعي، وليس حتياً جيومورفولوجياً. فهو واد رسمت الحركات الأرضية خط سيره الذي استفادت منه المياه وشكلت نهر جالود. ووادي جالود عامة هو النهاية الجنوبية الشرقية لسلسلة متعاقبة من المنخفضات والأودية المتصلة بين غور بيسان وخليج عكا على امتداد محور شمالي غربي – جنوبي شرقي، نشأت نتيجة الحركات الأرضية الصدعية. وفي هذا المنخفض الطولي لوادي جالود الذي ينفرج ويتسع باتصاله بغور بيسان. ترسبت الإرساليات الرباعية من أصل بازالتي وكلسي مارني لتشكل وادي جالود الحالي. ج- الوضع الاقتصادي: عمر الإنسان منطقة وادي جالود واستفاد من تربتها ومياهها ومناخها منذ القدم. لكنه تحاشى في تجمعاته السكنية ونشاطه الاقتصادي ضفاف النهر وشريط السهل الفيضي، واكتفى بالسفوح المطلة على الوادي وبظهور التلال وقممها. ويرجع السبب في ذلك إلى النظام المائي لنهر جالود، إذ تطغى مياه السيول والفيضان على الأراضي المنبسطة فتعرفها وتخلف المستنقعات وراءها. وتتزايد هذه المستنقعات باتجاه أراضي غور بيسان ذات التربة غير المنفذة للمياه. وكانت هذه المستنقعات التي تنمو فيها النباتات المائية مظهراً مميزاً لوادي نهر جالود في قسميه الأوسط والأدنى. وقد قام السكان العرب بتجفيف الكثير منها وتحويلها أرضاً زراعية. وتزرع في المساحات البعيدة عن خطر الفيضان الحبوب والقطن والخضار والأشجار المثمرة، ويزرع الزيتون* في المرتفعات. وتتزايد المساحات المزروعة شرقاً نحو مدينة بيسان وغورها. حيث تنمو زراعات المناطق الدافئة والمبكرة. وقد قام السكان العرب بتنظيم أعمال الري، فشقوا كثيراً من الأقنية التي توزع المياه على الحقول والبساتين التابعة لقرى زرعين وقومية* وشطة* والساخنة* ومدينة بيسان*. وتعتبر المستنقعات التي حولت بركاً لتربية الأسماك* مورداً اقتصادياً آخر للسكان، إلى جانب الزراعة. يتمتع وادي جالود بأهمية اقتصادية واستراتيجية خاصة لكونه ممراً طبيعياً جيداً يصل بين غور الأردن وما وراءه، بين سهل مرج ابن عامر والداخل والساحل الفلسطينيين. وقد مرت فيه قوات الغزاة والفاتحين عبر تاريخ فلسطين والمنطقة، وحدثت فيه معركة عين جالوت* التي انتصر فيها المسلمون على التتار* كذلك أنشئت فيه طرق المواصلات البرية المختلفة، كخط سكة حديد دمشق – درعا – سمخ* بيسان المتجه إلى العفولة فحيفا*(رَ: السكك الحديدية). المراجع: –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1 ق1، ج6 ق2، بيروت 1972.