العوجا (نهر)

نهر العوجا من أنهار فلسطين ذات الأحواض التي تتجاوز مساحتها 1،000كم2. وتقدر مساحة حوض هذا النهر بنحو 1.752. ويعرف بنهر يافا أيضاً لأنه يصب في البحر شمالها تماماً. ويذكر ياقوت الحموي النهر في مادة “نهر أبي فطرس” فيقول: “ومخرجه من أعين في الجبل المتصل بنابلس وينصب في البحر الملح بين يدي مدينتي أرسوف ويافا”. ويعتقد أن “أبا فطرس” محرف عن اسم مدينة “انتيبا تريس” الرومانية التي نسب النهر إليها. إن ما يعرف بنهر العوجا هو في الواقع المجرى الأدنى فقط، ذو المياه المستمرة الجريان، والذي تغذيه مياه نبع رأس العين*. لكن الأودية السيلية التي تؤلف مجراه الأوسط والأعلى كثيرة، تكون شبكة واسعة منتشرة في الحوض كله. وهي أودية تحمل إلى النهر مياه أمطار وسيول مرتفعات نابلس ورام الله والقدس وسفوحها الغربية. وتنتمي تلك الأودية إلى شبكات ثلاث، هي: شبكة وادي قانا في الشمال، وشبكة وادي البلوط في الوسط، وشبكة وادي المصرارة في الجنوب، وهو المعروف أيضاً بوادي جريوت في أجزائه العليا. طول نهر العوجا في قسمه المستمر الجريان، بدءا من رأس العين هو 25 كم. وإذا أضيفت إليه أطوال الأودية المذكورة تفاوفت الأرقام، نظراً لأختلاف أطوالها. إذ يقدر طول وادي قانا بنحو 42 كم. وطول وادي البلوط بنحو 58 كم وطول وادي المصرارة بنحو 53 كم. وعليه يمكن تقدير متوسط طول نهر العوجا ضمن حوضه بزهاء 70 كم. تقع بدايات هذه الأودية في مناطق تتجاوز ارتفاعات متوسطة قدرها 700م في وادي المصرارة والبلوط، وارتفاع 475 م في وادي قانا، أي بمتوسط قدره بنحو 600م. فمعدل الانحدار العام لشبكة أودية حوض النهر بمجمله هو في حدود 116:1. تقدر غزارة مياه نهر العوجا بنحو 220 مليون م3 سنوياً. فهو أهم مصدر للمياه العذبة في فلسطين بعد منابع نهر الأردن* في شمال الجولة. وقد تراجعت كمية المياه السنوية بعد عام 1952 نتيجة ازدياد عدد المضخات الآلية في حوض النهر، والتي تنضح كميات كبيرة من المياه الباطنية من الطبقة المغذية لينابيع نهر العوجا، ونتيجة لجر قسم من مياه النهر إلى جنوب فلسطين لاستخدامها في أعمال الزراعة* المروية. ويمكن تفسير هذه الغزارة المائية باتساع مساحة الحوض أولاً، وبالشروط المناخية ثانياً، بالوضع الجيولوجي البينوي ثالثاً، إذ تهطل على المساحة الكبيرة لحوض النهر كميات من الأمطار تراوح بين  500 و800 سم سنوياً. وتكون الأمطار في الأجزاء العليا من الحوض غزيرة تقل في الاتجاه نحو الغرب والبحر المتوسط (رَ: المناخ) وبالرغم من ارتفاع نسبة التبخر في هذا الجزء من فلسطين، يظل تأثير ارتفاع درجات الحرارة في كمية المياه الهاطلة نسبياً، لأن التهاطل في فصل الشتاء، حين تكون الحرارة منخفضة والتبخر ضعيفاً من جهة، ولأن معظم الصخور* السائدة في أرض الحوض من الصخور الكلسية والدولوميتية العائدة للسينوماني والتوروني من الحقبة الجيولوجية الثانية، وهي صخور تترشح فيها نسبة عالية من مياه الأمطار، مما يحفظها من التبخر على السطح، ويغذي بها الطبقات الصخرية الحاملة للمياه الباطنية التي تنبثق على شكل ينابيع متفرقة في أرجاء الحوض، وبصورة خاصة في أقسامه الغربية، وأهمها نبع رأس العين الآنف الذكر. تشمل منطقة نهر العوجا جميع الأراضي الجبلية والتلية والسهلية المحصورة ضمن مثلث رؤوسه مدن القدس*ونابلس*ويافا*. وفي هذا المثلث تنتشر عشرات القرى والتجمعات السكانية الأخرى، منها على سبيل المثال قرى حوارة ودير استيا وجيوس وقلقيلية* وبينار عدس* وجلجوليا وكفر قاسم في حوض وادي قانا، وقرى تلفيت وسنجل ودير بلوط ومجدل يابا* ورأس العين ورنتية* في حوض وادي البلوط، وقرى شقبة ونعلين* وجمزو* ودير طريف* وقطنة* وبيت لقيا وبيت نوبا* وسلييت* وعنابة* وكفر عانا* وساقية* والخيرية* ومدينة اللد* في حوض وادي المصرارة – جريوت المعروف بوادي الكبير أيضاً. ويثبت هذا الواقع ملاءمة الشروط والظروف الطبيعية، من أرض وتربة* ومناخ* ومياه (مطرية كانت أو جارية سطحية) لقيام حياة بشرية ونشاط اقتصادي متطور يرجع في جذوره إلى عصور تاريخية قديمة (رَ: العصور القديمة). وحوض نهر العوجا، بخيراته وإمكاناته، أكثر بقاع فلسطين ازدحاماً بالسكان، وكثافة تتجاوز 4.000 ن/كم2 في منطقة المجرى الأدنى والسهل الساحلي* الفلسطيني الذي تخرقه مياه النهر لتصب في البحر شمال مدينة يافا بمسافة 6.5 كم، خاصة في التجمع السكاني الكبير ليافا – تل أبيب وضواحيهما. ويقسم حوض نهر العوجا من حيث النشاط الاقتصادي إلى قسمين رئيسين: الأول منهما الداخل ضمن السهل الساحلي الفلسطيني، أي المجرى الأدنى للنهر. ويعتمد الاقتصاد فيه على الزراعات المروية المتنوعة والمشاريع المائية والصناعية والخدمات المختلفة. والثاني منهما المغطي لمنطقة الحوض الأوسط والأعلى، ويقوم النشاط الاقتصادي فيه على الزراعة البعلية وتربية المواشي بالدرجة الأولى، إلى جانب بعض المساحات المروية بمياه الآبار* أو المضخات الآلية، لكنها صغيرة، بالقياس لما عليه الوضع في منطقة المجرى الأدنى. تجود في حوض نهر العوجا زراعات مختلفة، في مقدمتها زراعة الحمضيات* في الغرب والزيتون* في الشرق، وتنمو فيه شتى أنواع الفواكه والخضر* في المناطق المروية، إلى جانب زراعة الحبوب* ولا سيما في الأجزاء الشرقية وفي أراضي قرى السفوح الغربية للمرتفعات الجبلية وتسود تربية الأغنام في معظم المساحات الرعوية الشرقية على السفوح والأودية الكثيرة، في حين تنشط تربية الأبقار في الأجزاء الغربية والسهل الساحلي الفلسطيني (رَ: الحيوانات الآليفة). وترى في حوض النهر بأكمله شتى أنواع الدواجن. أما الصناعات فمتعددة، وتتركز الصناعة* الحديثة منها في منطقة يافا – تل أبيب، في حين تنتشر الصناعات الصغيرة والتقليدية في الأجزاء الشرقية من الحوض. استغل الانسان غنى الحوض بالمياه، فقد تم عام 1935 جر قسم من مياه ينابيع العوجا إلى القدس بأنابيب طولها 60 كم، وأقيمت عند المصب محطة “ريدنغ” لتوليد الطاقة الكهربائية لتزويد مجمع يافا – تل أبيب بالكهرباء. وقامت سلطات الاحتلال الصهيوني بجر قسم من مياه العوجا إلى منطقة بئر السبع والأجزاء الجنوبية من البلاد، إضافة إلى توزيع المياه بالأنابيب على معظم المستعمرات الصهيونية في السهل الساحلي الفلسطيني القريبة من نبع رأس العين والمجرى الأدنى للنهر.   المراجع:   –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج4، ق2، بيروت 1972.