الأردن (نهر)

يبلغ طول حوض نهر الأردن في خط مستقيم ابتداء من أقصى منابعه برأس رافده الحاصباني في الشمال حتى مصبه في البحر الميت* في الجنوب زهاء 205 كيلومترات، يقسم هذه المسافة بالتساوي الطرف الجنوبي لبحيرة طبرية*، حيث تقع قاعدة دلتا النهر على بعد 102 كيلومترات بعد مخرجه من تلك البحيرة، إلا أن تعرجات قناة الأردن ومنعطفاته – التي يندر أن يوجد لكثافتها وأنماطها نظير بأنهار الدنيا – لمن شأنها زيادة المسافة الحقيقية التي يقطعها تياره لتربوه على 150 كيلومتراً في نصفه الأدنى. وينتشر حوض التغذية المائية لنهر الأردن على مساحة 16.730 كيلومتراً مربعاً حسب تقديرات ابونيدس، وذلك ضمن أراضي أربعة أقطار عربية، يخص سورية منها 8.500كم2 تليها الأردن بمساحة 6.100كم2، وفلسطين 2000كم2، وأخيراً لبنان بنصيب لا يتجاوز 130كم2. ولا يتميز نصيب سورية من رقعة الحوض بسعة المساحة فحسب، بل بغزارة الأمطار، حيث تشتمل على مرتفعات الجولان*، التي يبلغ معدل الهطول السنوي عليها نحو 1000مم، بأراض يعلو منسوبها 1000متر فوق مستوى سطح البحر، وأكثر من هذا جبل الشيخ الذي تشمخ قمته 2814 متراً فوق مستوى البحر، فيلقى تساقطاً يبلغ معدله السنوي قرابة 1500مم، يهطل أكثره كزخات ثلجية، تبقى تجلل أعاليه حتى فصل الصيف، وهذا من شأنه توفير كميات كبيرة من المياه، تبقى دافقة بعدد من الروافد دائمة الجريان على مدار شهور السنة، فهناك تتأصل منابع نهر الأردن، الذي ينشأ من اتحاد أربعة روافد، هي من الغرب إلى الشرق بريغيث والحاصباني ودان وبانياس. أصغر هذه الروافد من حيث الطول وكمية الصبيب بريغيث، الذي ينبع من منطقة مرج عيون اللبنانية، هابطاً بعد ذلك إلى منخفض الحولة كشلال يدعى التنور، مسبباً فياضانات شتوية عارمة أحياناً، بيد أنه غالباً ما يجف تماماً في فصل الصيف، عندما تستغل مياهه للري بأراضي المنبع. على النقيض من ذلك، رافد الحاصباني، فهو أكثر المنابع طولاً، فضلاً عن اتخاذه مساراً من الشمال إلى الجنوب، فكأن حقيقة تتمة لجذع نهر الأردن الأدنى، فصلت بينها غياض الحولة وبحيرة طبرية في القسم الأوسط، وتتفجر ينابيع هذا الرافد من السفوح الشمالية الغربية لجبل الشيخ في لبنان على مسيرة 52 كيلومتراً من موقع المطلة، ليلج منخفض الحولة متكسراً على عدد من المساقط المائية عند الحدود السياسية المشتركة بين فلسطين وكل من سورية ولبنان. أما نهر دان، فهو أغزر الروافد العليا للأردن ماء، إذ تغذيه بصفة مستديمة الينابيع المنبثقة بامتداد حضيض جبل الشيخ في حين يستمر جريانه من ماء الثلوج المنصهرة على القمة بعد انتهاء موسم الأمطار شتاء. أخيراً، ومن الركن الشمالي الشرقي للحوض يفد نهر بانياس، منحدراً إلى منخفض الحولة عبر حائط صخري شاهق قرب قرية بانياس السورية، مندفعاً بعنف في اتجاه جنوبي غربي ليلتقي بنهر دان، ومن بعده بنهر الحاصباني. تنتهي مجموعة الروافد العليا هذه إلى منخفض الحولة، وهو عبارة عن حوض أرضي خفيض، ينتشر على مساحة 117 كيلومتراً مربعاً، بطول 25 كيلومتراً من الشمال للجنوب، وعرض سبعة كيلومترات من الشرق إلى الغرب. وقد كان هذا المنخفض موضعاً لمسطحات مائية لعدد من البحيرات في عصور جيولوجية غابرة، قبل أن يغيض ماء آخر تلك البحيرات، بعد امتلاء القاع بالرواسب وبقايا النباتات المتحللة، مشكلة طبقات من اللبد النباتي المتحللة تتعاقب مع أخرى من الطين، في حين استمرت بقايا المسطح المائي في الانكماش إلى حجمها الذي كانت عليه منذ العصور الوسطى. ومنذ عام 1958 شرعت سلطات الاحتلال في تجفيف الماء، فانكمش حجم البحيرة إلى ثلث ما كانت عليه، وتحولت إلى غياض ومستنقعات على منسوب 71 متراً فوق مستوى سطح البحر، وشغلت ثلث آخر أراض غدقة موحلة، بينما ظلت أراضي الثلث الشمالي عرضة للغرق جراء الفياضانات التي تجلبها الروافد عقب زخات المطر العنيفة شتاءً. يخرج نهر الأردن من منخفض الحولة، متجهاً جنوباً مسافة سبعة كيلومترات، بعدها يعمق النهر مجراه، مشكلاً خانقاً ضيقاً، تحفه من كلا جانبيه جروف بازلتية وعرة، تنتصب ترابة مائة متر فوق منسوب قناته، التي تظل تنحدر بشدة، حتى تهبط بمقدار 270 متراً على امتداد مسافة 14.5 كيلومتراً، أي بمعدل سقوط أقل قليلاً من 20 متراً لكل كيلومتر واحد، لتدخل بعدها من الطرف الشمالي لبحيرة طبرية، حيث يغور منسوبها نحو 212 متراً دون مستوى سطح البحر، وتغطي مياهها مساحة 165 كيلومتراً مربعاً، وأعمق بقاع قاعها 50 متراً في قسمها الشمالي الشرقي. وينصرف إلى هذه البحيرة عدد من النهيرات الصغيرة من مرتفعات الجليل، وأخرى أكثر أهمية من منحدرات هضبة الجولان على الجانب السوري، ورغم عذوبة مياه روافد منابع الأردن المنصبة إلى البحيرة، إلا أن نسبة الملوحة في مائها تبلغ نحو 400 جزء من المليون، ويرجع هذا إلى الينابيع الجوفية المالحة المتدفقة من قاعها على الجانب الغربي. تفيض مياه البحيرة بعد ذلك من فتحة في حافتها الجنوبية، مشكلة بداية النصف الأدنى لنهر الأردن، تزخر بها قناة رئيسية، لا تلبث أن تتلقى بعد مسيرة نحو ثمانية كيلومترات جنوباً، أكبر الروافد من حيث كمية المياه ورحابة الحوض، ونعني بذلك نهر اليرموك، الذي يرفد النهر آتياً من الشرق، بعد أن يصفي مياه مساحة تربو على 5000كم2 من الأراضي السورية الرطبة، إضافة إلى 1500كم2 من أراضي الأردن الشحيحة الأمطار. وبعد ذلك يغذي النهر من كلا جانبيه، الأردني في الشرق، والفلسطيني في الغرب، فئتان من الروافد هما: الروافد الرئيسية: وتشمل على الجانب الأردني كلاً من وادي العرب وزقلاب واليابس ونهر الزرقاء ووادي شعيب، وهي جميعاً تنبع من أعالي هضاب جلعاد وعجلون والسلط، في نطاق مناخ شبه رطب، تتراوح أمطاره ما بين 450مم وأكثر من 550مم في معدلاتها السنوية. أما على الجانب الفلسطيني، فروافد الأردن أقل أهمية نظراً لتواضع إيرادها المائيويرجع ذلك لسببين، هما تدني مناسيب نطاق المنابع دون 800 متر في القسم الأكبر من هضاب وسط فلسطين، ثم وقوع أحواض هذه الروافد في نطاقطل المطر، وبالتالي يتضاءل نصيبها من التساقط، مقارنة بالروافد الشرقية التي تعلو منابعها 1000 متر، فضلاً عن انتشار أحواضها في مقتبل كتل الهواء الرطب القادمة مع أعاصير الشتاء من الغرب، لذا اقتصرت أهم الروافد من الجانب الفلسطيني على وادي جالود والفارعة، وإلى حد ما وادي العوجة. الروافد الثانوية: وهي عبارة عن أودية صغيرة حجماً وإيراداً، منها وادي كفرنجة ووادي راجب والكفرين على الجانب الأردني، وعلى الجانب الفلسطيني وادي البيرة وعشة والمالح والقلط. لعل أهم ما يلاحظ أن تلك الأودية جميعاً تجيش بمياه السيول أثناء زخات المطر شتاءً، في حين يتضاءل صبيبها كثيراً في أشهر الصيف، إذ تتحول قنواتها إلى مجرد جداول، تغذيها مياه الينابيع المنبثقة على جوانبها، بيد أنه في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، جفت الكثير من تلك الينابيع أو كادت، بسبب التوسع في حفر الآبار، والجور في عمليات سحب مخزون الطبقات الحاوية للمياه الجوفية بكميات تجاوزت إمكانات التعويض، ومن ثم الإخلال بالتوازن الطبيعي الذي كان سائداً من قبل. يشق نهر الأردن قناته، ويعمقها بسرعة في طبقات رواسب بحيرية هشة، تتألف من راقات المارل والجبس وطبقات رملية وطينية، بينما تجف قناته من الجانبين شريطان سهليان يعرفان باسم “الأزوار”، تكتنفهما المستنقعات، وتنمو بهما أدغال كثيفة من البوص والصفصاف والأثل والسلم. والأردن الأدنى رغم صغره نهر عنيف، سريع الجريان والتقلب، والمفارقات الشديدة كانت سمة نظامه المائي قبل تتابع عمليات تحويل مياه روافده، ففي حين لا تزيد كمية المياه الجارية به عن 5م3/ث نحو أواخر الصيف، نجدها قد تصل 60م3/ث في منتصف الشتاء عقب زخات المطر العميقة. وتلتزم قناة النهر الضيقة التي يتراوح عرضها بين عشرين وثلاثين متراص الجانب الغربي على طول القسم الأعظم من مجراه، ومن ثم فمساحة “الأزوار” على الجانب الشرقي ضعف مساحة نظيرتها على الجانب الغربي، فتكثر بذلك مظاهر الأرساب والخمول في الشرق، ممثلة بعشرات البحيرات المعزولة، والقنوات المهجورة، والجزر التي تشعب المجرى، بينما يضرب التيار قواعد جروف التلال المعرفة باسم “الكتار” على الجانب الغربي، مسبباً تآكلها وتراجعها بسرعة، ويعزى سبب جنوح القناة لمواكبة الجانب الغربي إلى نشاط مجموعة الروافد المنحدرة من المرتفعات الأردنية، ووفرة ما تحمله مياهها الغزيرة من الرواسب، مما يدفع بالمجرى بعيداً في الاتجاه الآخر، أي صوب الأراضي الفلسطينية. أخيراً ينتهي نهر الأردن إلى البحر الميت بدلتا قوسية متواضعة الأبعاد، يقع رأسها إلى الشمال قليلاً من جسر الملك حسين، ولأول مرة تتميز مصاب نهر الأردن الحالي الممتد زهاء خمسة كيلومترات فوق أرض الدلتا باستقامتها الشديدة، وخلوها من الأكواع التي تميز بقية مجراه، وأبرز معالم التضرس على وجه سهل الدلتا، يتمثل في مجموعات من التلال الطويلة المسطحة، تكتنفها منخفضات شريطية ضحلة، يطلق عليها محلياً اسم “أودية”، ومن المرجح أن تكون حفات التلال هذه، هي بقايا الضفات الطبيعية لمصبات قديمة بائدة، أما المنخفضات الملحية بينما، فهي كل ما تخلف عن أقنية تلك المصبات. المراجع: –         صلاح الدين بحيري: جغرافية الأردن، عمان 1991. –         Shattner, I., LowerJordanValley. Jerusalem, 1962. –         Efrat, O. and Epart, A., Geography of Israel, Jerusalem, 1966. –         Ianides, G., The Water Resources of Transjordan, Jordan, 1939.     الأردن (وادي-): رَ: الغور