الأردن (استثمار مياه نهر – وروافده)

في مقابلة تلفزيونية في أمريكا عام 1961، سئل دافيد بن جوريون عن مدى صحة القول المأثور من أن  فلسطين هي “أرض اللبن والعسل” فرد متحسراً بقوله “لكن أهم من عدم توافر الماء، فهي بكل المقاييس أرض يعوزها الماء” وردد العبارة الأخيرة عدة مرات. فقد كان توفير موارد الماء العذب هو الهاجس الذي شغل بال جهابذة اليهود، حتى قبل حصولهم على الوعد المشؤوم، ففي عام 1905 خلص المهندس نلسون بلبوس N.Bilbus إلى أن محصلة مياه نهر الأردن كافة، لن تلبي حاجة الأراضي الفلسطينية على المدى البعيد، فكان أول من اقترح تحويل مياه نهر الليطاني إلى نهر الحاصباني، بغية مضاعفة صبيبه، وبعد نصف قرن من ذلك التاريخ، تضمن مشروع جون كوتون J.Cotton الاقتراح ذاته، والذي كانت المنظمة الصهيونية قد أكدت عليه عام 1919، ولم تأخذ به سلطات الانتداب حين أدخلت الليطاني ضمن الأراضي اللبنانية لصالح فرنسا. وبعد أخذ ورد بين سلطتي الانتداب البريطاني- الفرنسي، وبين ضغوط المنظمات الصهيونية وفي غياب أي حضور عربي، تم ترسيم الحدود الشمالية بين فلسطين وكل من لبنان وسورية، بحيث تبدأ من رأس الناقورة على ساحل البحر المتوسط، متجهة في خط متعرج تجاه الشرق مسافة 35 كيلومتراً، متجاوزة قرية بنت جبيل بنحو سبعة كيلومترات إلى الجنوب الشرقي من موقعها، لكي ينحرف خط الحدود بعد ذلك شمالاً بزاوية قائمة مسافة 25 كيلومتراً، ليشكل بعد ذلك اسفيناً مطوقاً القسم الأكبر من المنابع العليا لنهر الأردن، باستثناء أجزاء من نهر الحاصباني في المغرب ونهر بانياس في الشرق، ومن ثم تتجه الحدود جنوباً لتجعل منخفض الحولة، وبحيرة طبرية، والجزء الأدنى من مصب نهر اليرموك (المعروف بالمثلث)، ضمن الأراضي الفلسطينية. ورغم كل هذا التحيز، فما برحت أزمة المياه مستحكمة، حيث يسعى الكيان الصهيوني لتعويض بعض حاجاته بشراء الماء من تركيا، ذلك أن الإمكانات المائية لنهر الأردن متواضعة لعدة أسباب منها: صغر رقعة حوض التغذية، الذي يقع قرابة نصف مساحته في مناطق جافة وشبه جافة، خاصة في قسمة الأدنى، وحتى الأراضي شبه الرطبة والرطبة من الحوض بأعالي المرتفعات، فإنها تقع على هامش مناخ البحر المتوسط، مما يجعلها عرضة لذبذبات واسعة من حيث كمية الأمطار، ومن ثم فإن معدلات التصريف المائي لأية سلسلة زمنية طويلة، تحجب ما يمكن أن تتعرض له البلاد من “مجاعة” مائية حقيقية، مصداق ذلك أن على مدى خمسة عشر عاماً من عقدي الخمسينات والستينات، تراوح التصريف السنوي لنهر بانياس بين 150م3 كنهاية عظمى و80م3 كحد أدنى، وبالمثل تفاوت صبيب الحصباني بين 236م3 و63م3. ولئن كانت إمكانية التخزين السنوي بإنشاء السدود أمراً متاحاً في سبيل الانتفاع بالفائض المائي من موسم الفيضان الشتوي لاستعماله صيفاً، فإن فإمكانية التخزين على مدى سنين تبدو معدومة. سبب آخر يحد من مائية نهر الأردن ما يتمثل في إختراق الشطر الأعظم من قناته أراض غورية بامتداد قاع الحفرة الصدغية على مناسيب دون مستوى سطح البحر حيث درجات الحرارة عالية على مدار شهور السنة، خاصة في فصل الصيف، وبالتالي تعظيم كميات الناقد بالتبخر، ومما يزيد تفاقم الضائع من الماء بهذا العامل، إنتشار حصيلة المنابع العليا فوق مسطحات واسعة بكل من بطاح الحولة وبحيرة طبرية، فعلى سبيل المثال قدر تقرير بيكر هيرزا كمية التبخر من البحيرة بنحو 310م3 سنوياً، أي ما يعادل 30% من المياه الداخلة إليها من الأحباس العليا لحوض النهر، فإذا انتقلنا إلى قناته جنوب البحيرة، فإن كميات هائلة من مائيتها تتبدد بالنتح من أدغال النباتات المائية التي تعمر القناة، وأشرطة الأزوار المواكبة لها. ولكن ثمة ميزة وحيدة يتمتع بها الأردن هي كونه من فئة الأنهار المتفجرة Effluent، أي التي تعتمد في جزء كبير من مائيتها على الينابيع المنبثقة عند رؤوس روافدها، وعلى جوانب أوديتها، وهذا هو السبب في ديمومة جريان نهر الأردن وروافده الرئيسية، أثناء فصل الصيف، حينما تحتبس الأمطار تماماً لمدة ستة أشهر على الأقل، فتشكل تلك الينابيع تدفق الأساس Base flow، الذي كانت تعتمد عليه أشرطة من الأراضي الفيضية لري مزروعاتها، وتنسحب هذه الظروف على كلا أودية الجانبين الأردني والفلسطيني، فضلاً عن أراضي الأزوار الممتدة على جانبي القناة الرئيسية قبل أن تتملح مياهها. رغم السمات الهيدرولوجية غير المواتية السائدة بحوض هذا النهر، سواء من حيث تواضع إيراده المائي، أو من حيث تفاوت صبيبه بين مواسم من الطوفان والغرق، وأخرى ضنينة شحيحة، فإن دواعي النزاع التي دبت على موارده، هي في واقعها دوافع بشرية محضة، بدأها الاستعمار أولاً منذ نهاية العقد الثاني من القرن الماضي، عندما جزأ حوضه بين أربعة كيانات، وحتى هذه التجزئة لم تكن لتثير نزاعاً طالما كان السكان عرباً، تستوعبهم بيئتهم الجغرافية، في ظل ظروف ديمغرافية من التزايد الطبيعي، الذي يمكن ملاقاة آثاره تدريجياً بمرور الوقت. لذا كان الإخلال السكاني المبيت للمنطقة بجلب ملايين الدخلاء من مهجري اليهود إلى فلسطين، وحاجتهم المتزايدة لموارد الماء بحرمان أهل البلاد منها، هو أساس الأزمة، ومن ثم النزاع الذي دفع إلى المنطقة بفرق من الخبراء لتقييم موارد النهر، والخروج بمشاريع تقسيم -رغم انحيازها دائماً لإرضاء الأطماع اليهودية- إلا أنها كانت دون طموحاتهم فلم يقبلوا بها، ورفضها العرب لما فيها من أحجاب يبلغ حد التجاهل لحقوقهم البينة. لذا، ودون الخوض في تفاصيل تلك التقارير والمشاريع، ينبغي مناقشة بعض أبرز عناصرها مناقشة تحليلية موضوعية، حيث أنها رسمت فيما بعد معالم الطريق الذي سلكه اليهود في مراحل انتهت بنهب موارد المياه العربية علناً ودون مواربة. 1-  أهم ما يلاحظ بخصوص حجم موارد الحوض سنوياً من المياه تضارب الأرقام، إذ يرفعها لودرملك عام 1944 إلى 1800 م3، وتهبط في دراسة ماكدونالد 1951 وبنجر 1952 إلى 1213م3 فقط، في حين تقدرها سلطة المياه الأردنية عام 1995 بنحو 1500م3. 2-      كان تقرير الهيدرولوجي البريطاني أيونيدس أول من أشار إلى نقطتين هامتين عام 1939 هما: أ-شق قناة الغور الشرقية لري 45 ألف دونم من أراضي الأغوار الأردنية بسحب قسم من مياه اليرموك وصبيب وادي العرب. ب-تخزين فائض مياه نهر اليرموك في بحيرة طبرية بدعوى سحب هذا الفائض لإكمال ري ثلاثمائة ألف دونم من أراضي الغورالشرقي، وإمكانية إنشاء قناة أخرى على الجانب الفلسطيني وري أراضي الغور الغربي. 3-دراسة لودرملك التي اشتملت على نقطتين غاية في الخطورة هما:   أ- زيادة كمية المياه البالغة 1800م3 عن حاجة الحوض، ومن ثم يمكن تحويل الفائض لمناطق فلسطينية أخرى لاستيعاب ملايين المهجرين اليهود، وهذا ما حدث بعد عقدين من نشر هذا التقرير.   ب- إن من لا يرغب من العرب العيش في كنف هؤلاء المهجرين، فيمكن نقلهم بسهولة إلى أراضي الرافدين والتي يزعم أن فيها متسع لأعداد هائلة منهم، فكأن الكاتب قد أوحى بسياسة “الترنسفير”، وما حيك من مؤامرة على العراق منذ حرب الخليج مؤشر لا يخفي نحو تحقيق هذا الهدف.   ج- إضافة إلى ما سبق، يرى لودرملك أن تناقص تصريف مياه نهر الأردن في البحر الميت وانكماش مساحته تبعاً لذلك، يمكن تعويضه بشق قناة تجلب مياه البحر المتوسط إليه (مشروع قناة البحرين). 4- مشروع الخبير ميلزبونجر الذي كان أول من أنصف الجانب العربي من خلال نقطتان هما:   أ- إنشاء سد في موقع المقارن على نهر اليرموك يستوعب 500م3 لري أراضي الغورين الشرقي والغربي.   ب- إنشاء محطة توليد كهربائية تحت السد مباشرة طاقتها العظمى 15 ميجاوات. كانت مفاوضات جونستون المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي فيما بين عام 53/1955 بمثابة مرحلة مفصلية في مسيرة قضايا تقسيم مياه الأردن بين العرب واليهود، حيث رفضها الطرفان، ولم يضيع اليهود وقتاً فراحوا ينفذون ما بدأوه من مشاريعهم، متحررين من كل قيد، في حين أمدت الولايات المتحدة الأردن بقرض لإنشاء قناة الغور الشرقية بطاقة تصريف مقدارها 10م3/ث، مقابل تمويل مشروع يهودي يقضي يقضي بنقل مياه الأردن خارج حوضه إلى صحراء النقب، فما كان من سورية إلا أن اتجهت نحو تخزين ما يمكن من نهر اليرموك بإقامة سلسلة من السدود على روافده، خاصة بعد توقف أهم عناصر المشروع العربي الخاص ببناء سد المخيبة على اليرموك لصالح الأردن وسورية. وهو مشروع قضي عليه باحتلال موقعه، واستيلاء اليهود على آلياته عشية سقوط هضبة الجولان بأيديهم. لذا تميز عقد الستينات بنوع من الفوضى والانتهاز، إذ شرع كل طرف يمهد للحصول على أقصى ما يمكنه اقتطاعه من موارد ذلك النهر، ربما بدرجة استنزاف فاقت ما تتعرض له بقية الأنهار على القارات الست، فتحولت قناته الرئيسية بمرور الوقت إلى مصرف لمياه مالحة، تختلط بملوثات مياه عادمة، تزداد ملوحة وتلوثاً بالإمعان جنوباً نحو المصب. وربما كانت محاولة التملص من دواعي هذه الكارثة البيئية لنهر يتمتع عالمياً بسمة اكتسبته نوعاً من الحرم التاريخية، هي من بين أسباب الضبابية التي تحيط بالأرقام الخاصة بكميات المياه التي تستغلها الدول المشاركة، خاصة تكتم اليهود كعادة أثيرة تتصف بها سلوكياتهم، ومن ثم فإن ما سيرد هنا من أرقام، ينبغي أن تؤخذ بحذر وعلى علاتها. وتلك عجالة عن مجالات استعمالات مياه النهر. الاستعمالات على الجانب الأردني عرفت الزراعة المروية بغور الأردن، منذ عصور قديمة، يعود أبكرها إلى عهود ما قبل التاريخ، فالعصر الروماني، ومن بعده العربي الأسلامي، واستمر الأمر على هذا النحو حتى قبل تنفيذ مشاريع الري الحديثة في العقد السادس من القرن الماضي، فقد استغل الأهالي عشرات الآلاف من الدونمات في زراعة أشرطة من الأرض أني انفرجت بطون أودية روافد الأردن عن مساحات تغطيها ترب طينية غرينية طيبة، إذ كان من حسن الحظ أن ساعدت الظروف المناخية والجيولوجية على توافر مياه الينابيع ضامنة تدفقاً دائماً على مدار شهورالسنة، منه سيل الأهالي حصيلة هذه الجداول في قنوات يهبط منسوبها مع الانحدار العام، فتتدفق مياهها بالجاذبية لري البساتين بالراحة، أي دون اللجوء لوسائل رفع للماء. وجد هذا النوع من الزراعة المروية في وادي العرب الذي حول ماؤه قرب الشونة الشمالية إلى عدد من قنوات الري كانت تسقي مساحة 16 ألف دونم، قبل إقامة سد عليه بغرض احتجاز مياه فيضاناته الشتوية، لتغذية قناة الغور الشرقية صيفاً، عندما يعجز إيرادها من نهر اليرموك عن الوفاء بالحاجة. نفس الشيء يقال عن وادي زقلاب ووادي اليابس ونهر الزرقاء ووادي كفرنجة وأخيراً وادي شعيب في الجنوب، ففي هذه الأودية تراوحت المساحات المروية ما بين 4 و7 آلاف دونم، تخصص في الأحباس العليا للكروم والزيتون واللوزيات، وتغشاها في الأحباس الدنيا الحارة صيفاً الموز والخضر والحمضيات. كذلك كانت مياه قناة نهر الأردن الرئيسية تستغل برفعها لري مساحة قدرت بنحو ألف دونم على ضفتي النهر، وكانت قبل تحويل المنابع العليا للنقب من أجود الأراضي الزراعية، التي يتوافر لها تربة فيضية خصبة. تتكون من خيط من الطين والرمال والحصى، تتجدد بفضل ما يضاف إليها من رواسب مواسم الفيضان، وبفضل دفء المناخ كانت تلك الأراضي تغل أكثر من محصول واحد في السنة، وذلك عندما كانت نسبة ملوحة ماء النهر دون 600 جزء في المليون. بيد أن هذه النسبة تزايدت بعد تحويل المنابع العليا ونهر اليرموك، فارتفعت ملوحة الماء لأكثر من 3200 جزء في المليون، ومن ثم عدل الزراع عن السقاية بها، وكادت الأرض تتحول إلى ملاحة عديمة القيمة من الناحية الزراعية، بيد أن إيصال شبكات الري من قناة الغور بعد عام 1970 عمل على إعادة إحياء بعض هذه الأراضي. تلك كانت الأراضي الفيضية المروية على جانبي قناة النهر الرئيسية وقنوات روافده. أما ما يعرف باسم الأغوار فهي مسطحات الدالات المروحية لشبكات تصريف الأدوية، التي جلبت لشبكات الرواسب من أعالي المرتفعات، وحطتها عند حضيضها على شكل سهل تغلب على حوافه العليا في الشرق الجلاميد والحصباء، في حين تسوده تربة طينية رملية مع تدني المنسوب صوب الغرب، وتتراوح سعة هذه الأراضي ما بين كيلومتر واحد وستة كيلومترات على امتداد المسافة من مصب اليرموك حتى الملاحة الشمالية للبحر الميت عند جسر الملك حسين، ولم يكن يستغل من هذه الأراضي سوى رفاع محدودة، إلى أن جاء افتتاح مشروع قناة الغور الشرقية عام 1966، وتستمد القناة مياهها من نهر اليرموك عبر نفق أرضي للتحويل عند العدسية بطول 960 متراً، قطره ثلاثة أمتار، وتنساب فيه المياه بواسطة الجاذبية لمسافة بلغت 110 كيلومترات نفذت على أربع مراحل، ويمكنها تصريف 20 متر مكعباً في الثانية. ويرفد هذه القناة مياه عدد من السدود التي أقيمت على بعض الروافد، لتكد القناة بالماء في فصل عندما يتزايد الطلب عليها ويتناقص إيراد نهر اليرموك، أهم هذه السدود سد الملك طلال على نهر الزرقاء ويتسع إلى 80 م3، يليه سد وادي العرب بسعة 26م3، ثم سد وادي اليابس وسد كفرنجة وسد وادي شعيب، وقد رفعت هذه المشاريع المساحة المروية بالأغوار إلى 288 ألف دونم، ويقدر معدل تصريف القناة بنحو 120م3 سنوياً من مياه اليرموك، وجدير بالذكر أن قسماً من مياه القناة التي أصبحت تسمى قناة الملك عبدالله، يرفع عبر أنبوب ضخم إلى محطة تنقية في موقع “زي”، لتسهم في مد مدينة عمان بشطر من حاجاتها لمياه الشرب. وأخيراً فإن المياه المبرمة بين الأردن واليهود بموجب معاهدة وادي عربة 1994 نراها قد أحيت اقتراحاً قديماً ورد في أكثر من مشروع سابق ورفضه العرب، ونعني بذلك تخزين مياه اليرموك شتاء في بحيرة طبرية بمقدار 13م3 ويمكن أن تحصل على كمية إضافية مقدارها 20م3، على أن ترد تلك المياه للأردن عبر قناة مأخذها على نهر الأردن عند بوابات دجانيا في فصل الصيف، كما يتعاون الطرفان في المستقبل إنجاز مشروع لتحلية 20م3 من مياه الينابيع المالحة يتقاسمانها كما وتكلفة ….. وقد تضاربت تفسيرات كل طرف حول ما جاء بهذه الاتفاقية المبهمة، التي تملص اليهود – كما هي عادتهم- من أي التزام واضح. إزاء ذلك، سارع الأردن للاتفاق مع سورية في عام 2000 على البدء مباشرة في تنفيذ سد الوحدة على نهر اليرموك لخزن 105م3، يستخدم الأردن 55م3 لمياه الشرب و50م3 للزراعة، وتحصل سورية على 75% من الطاقة الكهربائية. استعمالات المياه على الجانب الفلسطيني المحتل   ظهرت فكرة استغلال مياه نهر الأردن خارج حوضه أول ما ظهرت كمشروع متكامل، تضمنه كتاب الصهيوني لوردملك الذي نشر عام 1944 بعنوان “فلسطين أرض الميعاد”، بيد أن تنفيذ هذه الفكرة لم يتم إلا بعد عشرين عاماً من ذلك التاريخ، وهي فترة حدثت أثناءها تغيرات سياسية وتكنولوجية، أدت إلى إدخال تعديلات جبرية على الخطط الأصلي، ففي ضوء مقترحات تقدم بها كوتون 1955 لتلافي ما برز من مشكلات، استقر الرأي على اتخاذ بحيرة طبرية كخزان يبدأ منه تغذية المشروع. وكان لهذا الاقتراح عدة ميزات، أولها أنه لا داعي لتحمل نفقات إنشاء خزان اصطناعي آخر في منخفض البطوف طالما تولت الظروف الطبيعية لسطح بحيرة طبرية تأدية هذه الوظيفة، ميزة أخرى مؤداها أنه ليس هناك مجال لضياع المخزون بالتسرب من قاع طبرية وجوانبها على نحو ما ثبت – حدوثه بالنسبة لجيولوجية صخور منخفض البطوف، وأخيراً فإن الفاقد بالتبخر من طبرية هو قسم فاقد سواء نفذ المشروع أم لم ينفذ، في حين أن اتخاذ خزان جديد في مكان أخر من شأنه مضاعفة كميات التبخر. كما تبين فيما بعد أن جر مياه الروافد قبل دخولها طبرية حسب المشروع الأصلي، سيكون سبباً في زيادة ملوحة ماء البحيرة الذي تشوبه أصلاً نسبة عالية من الأملاح. بدأ تشغيل المشروع عام 1964 تحت مسمى “ناقل الماء الوطني” (NWC)، ويقع مأخذه على الجانب الشمالي الغربي من طبرية، حيث يضخ الماء في محطة عملاقة من منسوب 210 أمتار دون مستوى سطح البحر، إلى منسوب 40 متراً فوق مستوى البحر، ليسيل بعد ذلك في قناة مفتوحة، قبل أن يعاد رفعه مرة أخرى عند بيت ناطوفه إلى منسوب 174 متراً فوق مستوى البحر، عندها تدخل المياه خزان سعته أربعة ملايين متر مكعب، ومن هناك يتم ضغطها في أنبوب خرساني قطره 180 بوصة مسافة 77 كيلومتراً، وعند رأس العين يخترق الأنبوب ما يعترضه في سلاسل تلال الجليل الأدنى عبر ثلاثة أنفاق، بعدها تتحد حصيلة الناقل جنوباً مع مشروع نهر العوجة – النقب. وبعد ست سنوات من بدء تشغيل هذا النظام، ارتفعت طاقة الناقل إلى 320م3 سنوياً، ثم زيدت تدريجياً لتبلغ أقصى طاقتها 500 م3 سنوياً، مشكلة بذلك 25% من حاجات الكيان الصهيوني للماء. إضافة إلى ذلك، يسحب من طبرية 60م3 سنوياً لري أراضي بيسان، و20م3 سنوياً للأراضي المستغلة على هوامش البحيرة. ويرجع ارتفاع نسبة الملوحة في البحيرة إلى عدد من الينابيع المعدنية التي تخرج من شقوق أرضية، بعضها قرب شواطئها الغربية، في حين ينبثق بعضها الآخر من القاع، مما جعل محاولات ايقاف دفقها بصب كواتم غطائية Capping خرسانية لإغلاقها أمراً عديم الجدوى. وتعد البربوط في قاع الركن الشمالي الغربي من البحيرة أكبر تلك الينابيع المالحة، وهي على مقربة من مأخذ قناة النقب. وتقدر حصيلة هذه الينابيع مجتمعة من الكلوريدات التي تنصرف إلى حوض البحيرة بنحو 150 ألف طن سنوياً، من هنا كانت محاولات تحويل مياه نهر اليرموك البالغة العذوبة إلى طبرية لتخفيف نسبة ملوحتها، حلم حققته اتفاقيات وادي عربة على نحو ما أوضحنا سابقاً. على أن الكثير من هذه الينابيع تم تحويل مياهها المالحة خارج حوض البحيرة، عبر قناة تنصرف إلى نهر الأردن وتصب في البحر الميت، حيث يستعيد اليهود مكوناتها أملاحاً تجارية بمصنع أقيم في أسدود. كان الهدف من إيصال المياه لأراضي النقب استيعاب ما يمكن استيعابه من موجات الهجرة المتتالية، ومن الطبيعي أن تحول رقاع من قفز تلك الصحراء لواحات خضراء منتجة وارفة الظلال، لإغراء القادمين الجدد على العيش فيها. فكانت الزراعة هي المرحلة الأولى لتعمير خواء تلك البرية الموحشة، وفي وسط هذه المزارع نشأت نوبات مراكز العمران، ومدت بكافة الخدمات لإرضاء قاطنيها على الخلود للاستقرار، فكانت الزراعة بمثابة مرحلة انتقالية، أفضت مع الوقت لنمو المستوطنات لمصاف المدن التي شكلت الصناعة المقام الأول كمجال عمل لأهاليها، في حين توارى الاستغلال الزراعي تدريجياً في الظل، عندما سحبت كميات متزايدة من الماء للأغراض من البلدية والصناعية، هذا التسلسل هو ما أوضحه الجغرافي الإسرائيلي “كدار” في محاضرة بقسم الجغرافيا جامعة كاليفورنيا 1964، عندما جادله كاتب هذه السطور عن الجدوى الاقتصادية لزراعة صحراوية، تستهلك الماء العذب بأسعار عالية، لتضيع سرباً في رمال الصحراء، وبخراً نشطاً ونتحاً في هواء جاف تحت أشعة شمس حارقة. المراجع: –         تقارير غير منشورة لسلطة المصادر الطبيعية وسلطة وادي الأردن. –         صلاح الدين بحيري: جغرافية الأردن، عمان 1991. –         يهودا كارمون: إسرائيل دراسة إقليمية، 1971 (باللغة الإنجليزية).