إسكندرونة (نهر)

ويعرف أيضاً باسم نهر المالح. تتكون بدايات هذا النهر من تجمع مسيلات مائية موقتة تجري فيها مياه أمطار المنطقة الواقعة بين قرى كفر قدوم والكور وكفر عبوش. ويسير الوادي المكون منها نحو الغرب شمال قرية كفر جمال وفلمة (أو فلامة). ويعرف النهر هنا بوادي إسكندرونة، وهو يسير في القاعدة الغربية لجبال نابلس* ويحزّ مجراه في صخورها. وبعد قطع مسافة 12 كم يدخل السهل الساحلي الفلسطيني*، ثم ينعطف نحو الشمال بزاوية قائمة ويسير متعرجاً ماراً ببلدة قلنسوة، ثم يتخذ بعدها محوراً شمالياً شرقياً حتى أراضي قرية قاقون*. وهناك يرفده وادي زٍبْمَر القادم من جبال نابلس ماراً شمالي طولكرم*. وبعد التقاء النهر برافده زبمر بنحو كيلومترين ينعطف النهر نحو الغرب – الشمال الغربي متعرجاً في أرض السهل الساحلي باتجاه البحر المتوسط، مخترقاً سهل الحوارث ورمال الساحل حتى يصيب في البحر عند ميناء أبو زابورة شمالي قرية أم خالد العربية ونتانيا* الصهيونية بين أراضي عرب النفيعات* في الشمال وأراضي عرب الحوارث في الجنوب. ويكون النهر قد قطع مسافة قدرها 37 كم بدأت بارتفاع متوسط قدره 300 – 325م فوق سطح البحر، وبذا يكون مقدار الانحدار 1: 124 تقريباً، لكنه كبير في المجرى الأعلى ضمن قواعد الجبال والتلال*، وقليل في السهل الساحلي الفلسطيني. يقسم مجرى النهر إلى ثلاثة أقسام، الأول منها واد سيلي يشغل معظم أجزاء النهر العليا والوسطى. والقسم الثاني يصبح فيه النهر مستمر الجريان بما يتلقاه من تغذية روافد وينابيع ومياه جوفية في المجرى الأدنى (رَ: عيون الماء). أما القسم الثالث فطوله 2.6 كم حتى المصب، وفيه يصبح النهر عريضاً دائم الجريان يتجاوز عرضه 50م ويصلح لسير الزوارق والمراكب الصغيرة فيه. مساحة حوض نهر إسكندرونة مع جميع روافده والسيول المنتهية إليه 561كم2. وهو، أي الحوض، مؤلف في أجزائه الجبلية والعليا من صخور رسوبية عائدة للحقبة الجيولوجية الثانية ( السينوماني-التوروني)، ويغلب عليها الحجر الكلسي والدولوميتي (رَ: الصخور)، في حين تسود بقية قطاعاته (الوسطى والدنيا) ترسبات رباعية لحقبة – فيضية ومجروفات مائية سيلية من حصى وأحجار ورمال وغيرها من المواد الناعمة المكونة لأرض السهل الساحلي الفلسطيني. ويمر النهر في منطقة مصبه بين تلال وكثبان رملية ساحلية بعضها من تلال الكركار الرباعية. وهكذا فإن بناء وبنية حوض النهر بسيطان إذا استثني جزء من المجرى الأعلى للنهر على امتداد صدع شرقي – غربي، وكذلك مسايرة رافده وهو يمر في جزء من مجراه الأوسط لصدع شرقي – غربي آخر. ومن الجدير بالذكر أن المجاري العليا لهذا الرافد تمر في مناطق صخور سينونية – ايوسينية في الأجزاء الغربية من جبال نابلس. ولما كانت انحدارات المقطع الطولي لنهر إسكندرونة وروافده شديدة في الأجزاء الجبلية والتلية المكونة من صخور الحقبتين الثانية والثالثة القاسية نسبياً فإن المياه تسيل في واد عميق ضيق محفور في الصخور المذكورة. أما في المنطقة الرباعية في السهل الساحلي الفلسطيني فإن ضعف الانحدار يسبب تعرج النهر وعدم تعمق واديه كثيراً في المواضع الطرية. ويصبح الانحدار في الكيلومترات الأخيرة من النهر ضعيفاً جداً، حتى إن الفيضانات تسبب نشوء برك ومستنقعات* على جانبي النهر جفف معظمها وحوّل إلى برك لتربية الأسماك. يخضع نظام جريان مياه نهر إسكندرونة للنظام المناخي السائد في الساحل الفلسطيني والسفوح الغربية لجبال فلسطين (رَ: المناخ)، وتهطل في الشتاء أمطار تراوح كمياتها بين 500 و600 مم سنوياً، فتسيل المياه على شكل سيول وفيضانات تملأ الأودية والروافد العليا للنهر، في حين تنقطع في بقية فصول السنة، ولا سيما في الصيف ، فتجف بطون الأودية ولا يبقى جارياً من مياه النهر سوى مياه المجرى الأدنى. وإن تبقى في بعض الحفر شيء من الماء فإن حرارة الصيف العالية (متوسط الحرارة الصيفية 260) والتبخر الشديد (مقدار التبخر الصيفي في شهر تموز 1.800 – 2.000 مم) يسببان جفاف الأودية وتبخر مياهها، عدا ما يتسرب منها ضمن صخور بطن الوادي. النشاط السكاني – الاقتصادي: حوض نهر إسكندرونة من المواطن القديمة التي عمرها الإنسان، ومارس جوانب نشاطه الاقتصادي المختلفة فيها، في السهل وفي التلال وفي الجبال، من ساحل البحر وحتى مرتفعات نابلس. فقد عثر في موقع قرية أم خالد العربية على أدوات وأحجار صوانية (ظران) تدل على سكنى انسان العصور الحجرية في حوض نهر إسكندرونة والسهل الساحلي الفلسطيني (رَ: العصور القديمة) وتنتشر الحرب والآثار القديمة العائدة لما قبل العهد الروماني، وتشهد الأسماء الكنعانية والسريانية على نشأتها القديمة ( الخرب والأماكن الأثرية). واستمر إعمار واستغلال الإنسان لهذه البقعة من فلسطين حتى اليوم وما زالت بعض القرى والمدن القديمة قائمة، منها طولكرم وقلقيلية* وعنبتا* والطيبة* والطيرة* وجتّ وغيرها. اعتمدت الحياة في حوض النهر على الزراعة* والرعي*، فقد قامت الزراعات المختلفة من زراعة الحبوب* والأشجار المثمرة، وفي مقدمتهما الحمضيات* والزيتون. وازدهرت في الأجزاء المنخفضة والسهل، إلى جانب تربية المواشي ولا سيما في الأجزاء العليا والتلال. وتزرع الحبوب بعلاً بمساندة قليلة من الري في حين تعد بقية الزراعات مروية. أما أشجار الفواكه، عدا الحمضيات، فهي أقل أهمية وتعتمد على الري. وقد تراجعت زراعة أشجار الزيتون من السهل أمام انتشار زراعة الحمضيات، فيما عادت أشجار الزيتون ترى إلا في أجزاء المجرى الأعلى للنهر حيث تتوزع مساحات الزيتون على التلال والمرتفعات الغربية لجبال نابلس متناوبة مع حقول القمح والشعر والخضر وأشجار الفاكهة. وقد انتشرت تربية المواشي من أغنام وماعز وأبقار في حوض نهر إسكندرونة (رَ: الحيوانات الأليفة). والبقاع الوحيدة التي تكاد تخلو من الزراعات هي الكثبان الرملية قرب الساحل، ومناطق الصخور الجرداء في الداخل، ومناطق المستنقعات التي حول معظمها إلى أحواض لتربية الأسماك. وتنتشر في منطقة حوض النهر شبكة كثيفة من طرق المواصلات البرية للسيارات وللقطارات تربط المنطقة بجميع أنحاء القطر الفلسطيني، مما يسهل عملية التطور والتنمية وانتشار العمران(رَ: الطرق). وانطلاقاً من إدراك الصهيونيين للأهمية الاقتصادية لهذه المنطقة بدأوا أعمال استيلائهم على أراضيها بشتى الأساليب مبكرين، تشهد على ذلك حادثة أراضي سهل وادي الحوارث* (منطقة المجرى الأدنى من نهر إسكندرونة) وتدخل سلطات الاحتلال البريطاني لصالح الصهيونيين، واحتلال المنطقة بأكملها بعد 1948، وطرد سكانها العرب منها، وإقامة المدن والمستعمرات الصهيونية على أراضيهم (رَ: القرى العربية المندثرة قبل 1948).   المراجع: –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج3 ق2، بيروت 1971، وج4 ق2، بيروت 1973.