عاليه

تحت ضغط الرأي العام العربي والفلسطيني، وما قام من اتجاهات خلال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في خريف 1947، نحو تقسيم فلسطين* وإنشاء دولة يهودية فيها، أظهرت الدول العربية والجامعة اهتماماً ملحوظاً بموضوع الدفاع عن فلسطين. وفي الحين الذي انصرفت وفود الدول العربية في الأمم المتحدة إلى محاولة لإحباط مشروع التقسيم، تنادت الدول العربية إلى وجوب الاستعداد للدفاع عن فلسطين. فدعي مجلس جامعة الدول العربية إلى عقد دورة، لبحث الأوضاع السياسية وشتى نواحي القضية الفلسطينية ومناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأنها، وبصورة خاصة لدراسة موضوع الدفاع عن فلسطين. وانعقد مجلس الجامعة في 7/10/1947 في عاليه بلبنان وحضرته وفود عن جميع الدول العربية على أعلى المستويات، إذ ضم عدداً من رؤساء الوزارات ووزراء الخارجية والدفاع. واشترك في هذه الدورة وفد عن الهيئة العربية العليا لفلسطين*. وعندما تناول المجلس بالبحث موضوع الدفاع عن فلسطين، تحمس عدد من أعضاء الوفود، خاصة الوفد العراقي، ونادوا بوجوب تدخل الجيوش العربية النظامية لإنقاذ فلسطين، وفي غمرة الحماسة التي سادت المجلس، وقف محمود فهمي النقراشي، رئيس وزراء مصر ورئيس وفدها إلى الجامعة حيذاك، وقال مخاطباً المجلس: “أرجو من الاخوان الاتزان والتفكير السليم، وأن لا يقرروا اليوم أمراً لا يستطيعون تنفيذه غداً. إني أرجو من حضرات المجتمعين، وبصورة خاصة من أعضاء وفد فلسطين أن يعلموا بأن مصر لن تتدخل عسكرياً في فلسطين، ولن تخوض غمار دفاعاً عنها، ولكنها مستعدة أن تساهم مع سائر الدول العربية في عملية جدية ومطولة للدفاع عن فلسطين وإنقاذها. أقول هذا بصراحة وصدق لكي لا ينخدع أحد بمظاهر الحماسة التي انطلقت في هذا المجلس”. طلب مجلس الجامعة من الوفد الفلسطيني إبداء وجهة نظره بشأن موضوع الدفاع عن فلسطين. فوزع الوفد على المجتمعين صورة عن مذكرة في هذا الشأن كانت الهيئة العربية العليا لفلسطين قد رفعتها إلى الدول العربية والأمانة العامة للجامعة. وقد تضمنت هذه المذكرة خطة منفصلة للدفاع عن فلسطين، بنيت في أساسها على مبدأ الاعتماد على الفلسطينيين. ثم تكلم أميل الغوري باسم الوفد الفلسطيني شارحاً موضوع الدفاع عن فلسطين ورأي الفلسطينيين بصدده. ومما قاله: “إن الوسيلة المثلى للدفاع عن فلسطين تتلخص في وجوب الاعتماد على الفلسطينيين أنفسهم وتسليحهم وتعضيدهم والمساهمة في تدريبهم، إن الفلسطينيين لا يطلبون من الدول العربية غير توفير هذا الدعم وتزويدهم بعدد من الفنيين والخبراء من العسكريين العرب الأكفاء. وأن ليس من رأي الفلسطينيين إطلاقاً أن تتدخل الجيوش العربية النظامية في فلسطين، فهم واثقون بأنهم يستطيعون تحمل عبء الدفاع وحدهم، وأن يصونوا أراضيها وعروبتها، على أن تزودهم الدول العربية بالمساعدات المالية والمادية”. وبعد انتهاء المناقشات قرر مجلس الجامعة تشكيل “لجنة عسكرية” فنية لدرس موضوع الدفاع عن فلسطين وتقديم تقرير بشأنه إلى المجلس. وقد تشكلت هذه اللجنة فوراً من عدد من كبار العسكريين الفنيين العرب، من جميع الدول العربية. وانكب أعضاء اللجنة على دراسة مسألة الدفاع عن فلسطين وبحث الطرق المثلى لتحقيق أغراضه. وانصرف أعضاء اللجنة بصورة خاصة إلى دراسة المشروع الذي طرحته الهيئة العربية العليا، وقد تعمقوا في دراسة أحوال فلسطين الداخلية جغرافياً وسياسياً وبشرياً. وبعد أن انتهى العسكريون العرب من دراساتهم ومباحثاتهم، وضعوا تقريرهم في جو هادئ وبنجوة عن التأثيرات والتوجيهات السياسية والنفوذ الأجنبي ورفعوه إلى مجلس الجامعة. وقد تضمن التقرير توصيات نوجز أهمها فيما يلي: 1) جعل أهل فلسطين في وضع مشابه الوضع الذي كان اليهود فيه من حيث تسلحيهم وتدريبهم وتحصين مدنهم وقراهم تحصيناً عسكرياً فنياً، وجعلهم الأساس في الدفاع عن بلادهم. 2) الاستعانة بالمتطوعين القادمين من الأقطار العربية لمساعدة الفلسطينيين في الدفاع عن بلادهم. 3) مرابطة الجيوش النظامية للدول العربية على حدود فلسطين، دون دخولها، وذلك كمظاهرة لرفع معنويات الفلسطينيين ولمساعدة المجاهدين، عند الضرورة، ببعض العتاد والضباط، وتسلل بعض الوحدات الفنية، بصفة متطوعين، للمقاومة عند مسيس الحاجة. عقد مجلس الجامعة جلسة خاصة للنظر في هذا التقرير، فأعرب الوفد الفلسطيني عن ترحيبه بالتقرير وتوصياته، التي جاءت في الحقيقة تؤيد كل التأييد المشروع الفلسطيني للدفاع عن فلسطين. وبعد مناقشة المجلس للتقرير وتوصياته، وافق عليه بالإجماع، وأحاله إلى اللجنة السياسية واللجنة العسكرية التابعتين لمجلس الجامعة لوضعه موضع التنفيذ (رَ: اللجنة العسكرية التابعة جامعة الدول العربية). عقدت اللجنة السياسية للجامعة جلسة خاصة أعادت فيها دراسة تقرير اللجنة العسكرية الفنية، وقررت وضعه موضع التنفيذ. وكذلك فعلت اللجنة العسكرية للجامعة. وأوصت اللجنة السياسية بتشكيل لجنة عسكرية خاصة مرتبطة بالأمين العام للجامعة، تتولى عملية التنفيذ. وقدم محمود فهمي النقراشي، رئيس وزراء مصر ووفدها، تحفظاً على قرارات اللجنة قال فيه: “أريد أن يعلم الجميع أن مصر إذا كانت توافق على الاشتراك في المظاهرة العسكرية (أي مرابطة الجيوش العربية النظامية على حدود فلسطين) فإنها غير مستعدة قط للمضي أكثر من ذلك”. وعقدت اللجنة السياسية جلسة خاصة أيدت فيها قراراتها السابقة، وقررت أن تمد الفلسطينيين عن طريق الهيئة العربية العليا لفلسطين. إمداداً أولياً بخمسة آلاف قطعة من السلاح وبمبلغ مليون جنيه. وتم تشكيل اللجنة العسكرية الخاصة من عدد من كبار الضباط العرب. وأبدت الحكومة السورية اهتماماً كبيراً بموضوع الدفاع عن فلسطين، ووضعت إمكانياتها تحت تصرف اللجنة العسكرية الخاصة، التي عهدت إلى الفريق طه الهاشمي (العراق) أمر الإشراف على أعمال التطوع والتدريب والتجهيز. وانتهت دورة مجلس الجامعة لجنته السياسية في عاليه بالقرارات المذكورة أعلاه.وعادت الوفود العربية إلى بلادها. وبعد أيام قليلة انقضت على انعقاد مجلس الجامعة في عاليه، تبين الدول العربية بصورة قاطعة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ستتخذ قراراً يقضي  تقسيم فلسطين وإنشاء دولة يهودية فيها. فوجه الأمين العام للجامعة دعوة مستعملة لعقد اجتماع اللجنة السياسية للجامعة في القاهرة. فلبى الدعوة وزراء الخارجية والدفاع العرب وأعضاء اللجنة العسكرية للجامعة. وبعد أن بحثت اللجنة في الأوضاع الراهنة قررت بالاجماع مضاعفة كمية السلاح التي كانت قررت بالاجماع مضاعفة كمية السلاح التي كانت قررت تقديمها للفلسطينيين في اجتماع عاليه، وقررت كذلك مضاعفة المبالغ المالية التي تقرر تخصيصها للفلسطينيين. غير أن هذه القرارات لم تجد سبيلها إلى التنفيذ الصحيح.