عز الدين القسام

شيخ القساميين ومؤسس تنظيمهم وقائده وأحد أوائل شهدائه. ولد في بلدة جبلة السورية جنوب اللاذقية، من أسرة متدينة متوسطة الحال. كان أبوه صاحب كتاب يعلم فيه الأطفال أصول القراءة وحفظ القرآن. تلقى عز الدين القسام دراسته الابتدائية في بلدته، ونشأ على هدى الدين والصلاح والفضائل. ذهب، وهو في الرابعة عشرة، إلى القاهرة للدراسة في الأزهر برفقة أخيه فخر الدين. وأمضى في الأزهر سنوات أخذ فيها العلم على أبرز أئمته، وفيهم الشيخ محمد عبده، ونال الشهادة الأهلية. وقد تركت سنوات الدراسة في الأزهر في نفسه آثاراً بعيدة، لأنها كانت في مرحلة غليان وطني عاشتها مصر بعد الاحتلال البريطاني وهزيمة ثورة عرابي، وفي وقت أخذت تبرز فيه الزعامات الوطنية، وراحت تعلو فيه الدعوات الإصلاحية التي كانت تؤكد ان من أسباب حفظ الأمة، الاتحاد والشورى وعدم الاعتماد على الأجنبي. عاد الشيخ عز الدين إلى جبلة سنة 1903، وارتحل إلى تركية للاطلاع، وقد آمن أن رجل الدين ليس عالم الدين الفروض والعبادات فحسب، بل معلم الآباء والوطنية وعزة النفس. إن دور رجل الدين كان عنده دفع المؤمنين إلى رفض الاستكانة والتواكل وعدم عزلهم عن قضايا شعبهم. حل القسام مكان والده في الكتاب، وأخذ يعلم الأطفال بعض العلوم الحديثة وأصول القراءة والكتابة إلى جانب تحفيظ القرآن. ثم أصبح اماماً لمسجد المنصوري في جبلة، وغدا يخطبه ودروسه وسلوكه موضع احترام السكان، وامتدت شهرته وسمعته الحسنة إلى المناطق المجاورة، وربطته بكثير من سكانها صداقات متينة. كان أول تجسيد لمفهومه عن عالم الدين المجاهد العملي، حين قاد مظاهرة طافت شوارع بلدته، تأييداً للعرب الليبيين يوم هاجم الايطاليون ليبية. وقد دعا القسام الناس إلى التطوع لقتال الايطاليين، وانتقى 250 متطوعاً، وقام بحملة جمع تبرعات لتأمين ما يلزمهم ويلزم أسرهم. ولكن السلطات العثمانية لم تسمح لهم بالسفر. رفع القسام راية مقاومة فرنسا في الساحل الشمالي لسورية، وكان في طليعة المجاهدين الذين حملوا السلاح في ثورة جبال صهيون (1919 – 1920) مع المرحوم عمر البيطار، وترك قريته على الساحل، وباع ما يملك، وانتقل مع أسرته إلى قرية الحفنة الجبلية ذات الموقع الحصين في سبيل الثورة. وكانت هذه الثروة مدرسة عملية صقلت الشيخ القسام، وعلمته الكثير من الدروس. وقد حكم عليه الفرنسيون بالإعدام لما عرفوا من قوة نفوذه، وأعماله في مقاومتهم. التجأ القسام، بعد اخفاق الثورة، إلى فلسطين مع ستة من جماعته، ووصل إلى حيفا* أواخر صيف 1921، ثم لحقت به أسرته بعد حين، وقد لفت إليه أنظار المصلين في المسجد الذي لجأ إليه في حيفا مع جماعته في اليوم الأول لوصوله، حين انبرى بعد صلاة المغرب لتقديم درس ديني. بدأت حياة القسام النضالية منذ 1922 فعمل مدرساً في المدرسة الإسلامية في حيفا، وكان خطيباً وإماماً لجامع الاستقلال فيها، وانتسب إلى جمعية الشبان المسلمين في حيفا سنة 1926، ثم أصبح رئيساً لها. وعين منذ سنة 1929 مأذوناً شرعياً من قبل المحكمة الشرعية، فصار يخرج إلى القرى، وعرفه الناس وعرفهم، وازدادت شعبيته وذاعت شهرته. التقت في القسام مجموعة من المؤثرات كونت شخصيته المتميزة، وجعلته صاحب مدرسة في النضال تركت أثرها في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية أثناء إقامته في حيفا التي دامت قرابة خمس عشرة سنة، وبعد استشهاده سنة 1935. وقد انطبعت في نفسه آثار سنوات الدراسة التي أمضاها في مصر، كما استفاد من دروس الثورة السورية فعرف شروط نجاح النضال. كان يحس بخطر الصهيونية، وبأنها جادة في الوصول إلى هدفها، لذلك كان يدعو الناس إلى الوقوف في وجهها بلم شعثهم واتحاد كلمتهم، وبالبعد عن الشقاق والعودة إلى تعاليم السلف الصالح. وإذا كان هذا الأحساس أمراً معروفاً لا جديد فيه فإن الجديد الذي ميز القسام من غيره، وأعطى حركته أو ثورته عمقه خاصة هو تركيزه على الاستعمار البريطاني، وإدراكه بوضوح وجلاء أن هذا هو العدو الرئيس الذي تحب محاربته ومقاومته. ملك القسام هذا الوضوح في تحديد العدو في الوقت الذي كانت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية تتجنب الصدام مع بريطانيا. وتسعى إلى مقاومتها. آمن القسام، مستفيداً من دروس النضال التي عاشها، أن الثورة المسلحة هي وحدها القادرة على إنهاء الانتداب، والحيلولة دون قيام دولة صهيونية في فلسطين. ومن الطبيعي أن الثورة المسلحة تحتاج إلى تخطيط سياسي وعسكري، وإلى تعبئة الجماهير نفسياً لتأييد الثورة والاشتراك فيها، وإلى تنظيم سري ثوري يربى فيه المقاتلون عسكرياً وسياسياً. وكانت الثورة المسلحة المنظمة أميراً غير مألوف بعد في الحركة الوطنية آنذاك، لأن النضال لم يتعد الاضرابات والمظاهرات التي قد تقع خلالها مصادمات يقتل فيها من يقتل، ويخرج من يخرج. اتصف الشيخ عز الدين القسام بقدرة فائقة على تنظيم واختيار الأعضاء، والقيادة وسبل الامداد والتسليح. وقد كان إيثار التنظيم السري أمراً هاماً يعتمد على الدقة والروية ووضع المرشح الذي يتوسم فيه الخير والاستعداد زمناً تحت المراقبة، إلى حين دعوته للعمل في التنظيم من أجل إنقاذ فلسطين. وساعد القسام عمله مدرساً وخطيباً وإماماً ومأذوناً شرعياً، على معرفة الناس، وسبيل اقناعهم والتأثير فيهم. وقد ربط القسام الجانب النضالي بالجانب الاجتماعي، فكان يهتم بتحسين أحوال الفقراء ومساعدتهم، ويسعى إلى مكافحة الأمية بينهم، إيماناً منه بأن ذلك يعمق الوعي بين الجماهير، ويزيدها إيماناً بالثورة ويشحذ عزمها للكفاح المسلح، ولا سيما جماهير الحي القديم في حيفا، حيث كان القسام يقيم، وحيث كان يقيم العمال أو فقراء الفلاحين الذين طردوا من أراضيهم، ولجأوا إلى مدينة حيفا طلباً للعمل. ويظهر أثر القسام في التنظيم من الخلايا السرية الصغيرة إلى القيادات. وقد اهتم بالتنظيم الدقيق وتوزيع الأدوار والمهمات، فكانت هناك الوحدات المتخصصة، كوحدة الدعوة إلى الثورة، ووحدة الاتصالات السياسية، ووحدة التجسس على الأعداء ووحدة التدريب العسكري، ووحدة شراء السلاح. وكان معنياً بحصول عضو التنظيم على الثقافة الدينية والوعي السياسي والتدريب العسكري. ولم يكن متعجلاً أثر إعلان الثورة، بل مؤمناً بالتأني وبالحاجة إلى استكمال التهيئة والإعداد، لهذا رفض أن يبدأ التنظيم للثورة العلنية بعد حادثة البراق سنة 1929 (رَ: ثورة 1929)، لاقتناعه بأن الوقت لم يحن بعد ذلك. ولم يكن القسام يرى اتباع أسلوب الإكراه لجمع الأموال من الشعب، لهذا اكتفى بأن يدفع الأعضاء اشتراكات مالية لتغطية نفقات التسليح والتدريب. أما الشعب فسيدفع بعد اعلان الثورة، وسيمدها بكل ما تزيد بعد أن يعرف أهدافها ويشاهد انتصاراتها. لما ازداد الوضع في فلسطين سوءاً، وشددت السلطات البريطانية الرقابة على تحركات القسام في مدينة حيفا، خشي من انكشاف أمر جماعته، فعقد آخر الاجتماع في المدينة ليلة 12/11/1935، وقرر الابتداء بالثورة في الجبال. وقد انتقل مع عشرات من جماعته إلى قضاء جنين حيث كان على معرفة بالقرويين من سكانه خلال عمله مأذوناً شرعياً. وكانت القرية الأولى التي نزل فيها كفردان، ومنها أرسل رسله إلى القرى الأخرى لشرح أهداف الثورة فاستجاب كثيرون لدعوته، وانضموا إلى جماعته لثقتهم به. كشفت السلطات البريطانية أمر القسام، وعرفت مكانه، فأرسلت في 15/11/1935 قوات كبيرة اشتبكت مع جماعته قرب قرية البارد. ثم تطورت الأمور بسرعة بعد أن فقد القسام وجماعته عنصر المفاجأة وانكشف أمرهم. وكان الشيخ مع أحد عشر شخصاً من إخوانه في قرية الشيخ زيد، داخل أحراج يعبد*، عندما طوقتهم القوات البريطانية صباح 19/11/1935 وقطعت الاتصال بينهم وبين القرى المجاورة. وقد ثبت القسام مع جماعته في معركة غير متكافئة دامت ست ساعات، وقتل فيها من الإنكليز أكثر من خمسة عشر، إلى أن استشهد مع نفر من إخوانه الأبطال، في حين جرح وأسر آخرون. أصاب الحادث فلسطين كلها بالألم والحزن، وخرجت الصحف تشيد بالشهداء، وتكتب فيهم المقالات الوطنية التي تحيي بطولاتهم وشأنهم. وقد نقل الشهداء إلى مدينة حيفا، حيث كرمهم سكان المدينة ووفود عرب فلسطين من مختلف أنحائها، ولف الشهداء بالأعلام العربية. وشيعوا في جنازة مهيبة تحدت السلطات، وتحولت إلى مظاهرة وطنية عارمة اصطدمت بالقوات المحتلة. وهكذا سقط الشهيد القسام، الذي ارتبطت باسمه تلك الحركة الثورية، التي يعدها جميع الباحثين في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، أول مواجهة مسلحة جريئة بين هذه الحركة وسلطة الانتداب البريطاني (رَ: ثورة 1935). وهناك أقوال حول صلة القسام بالقيادات الوطنية في فلسطين، إذ يراه بعضهم متفقا مع الحاج محمد أمين الحسيني*، بل من جماعته وأحد أعضاء الحزب العربي الفلسطيني* في حين يرى آخرون أن العداء كان مستحكماً بين الرجلين. وإذ يذهب آخرون إلى أن القسام كان منتسباً إلى فرع حزب الاستقلال* في حيفا، في حين يؤكد أتباع القسام أنه لم يكن مرتبطاً بحزب معين. كانت ثورة القسام هي المقدمة، أو البداية الحقيقية لثورة 1936 الكبرى (رَ: ثورة 1936 – 1939) وقد فصلت بينهما أشهر خمسة، وكان معظم قادتها من القساميين. وإذا كان الشهيد عز الدين القسام حضر النشاط السياسي والتنظيمي في منطقة واحدة مما سهل القضاء عليها، وإذا كانت الحركة التي نظمها لم تستطع أن تحقق أهدافها، ولم تتمكن من حشد القوى الشعبية اللازمة لبدء ثورة شعبية كبيرة، واضطرتها الظروف إلى مواجهة القوات البريطانية المحتلة علناً قبل اكتمال نموها ونضجها، فإن أثر القسام لم يضع، فقد حرك البلاد وأثار كوامن من الأحقاد وعرف الشعب العربي الفلسطيني عدوه الحقيقي، والأسلوب الذي يجب أن يواجهه به، وفرض على الزعامات الفلسطينية انتهاج سياسة متصلة مع بريطانية.