المفجر (خربة -)

يستدل من أخبار المؤرخين أن الخلفاء والأمراء الأمويين شيدوا في الفترة الممتدة بين سنة 91هـ/710م وسنة 133هـ/750م في فلسطين والأردن وبادية الشام قصورا يزيد عددها على 60 قصرا. ولم يعثر حتى اليوم الا على عشرة منها أشهرها الرصافة، وفصر الحير الغربي، وقصر عمرة، والمشتى، وقصر الطوبى، وخربة المفجر (رَ: العصر الأموي). وخربة المفجر هي أغنى هذه المواقع الأثرية من حيث كثرة مواد البناء وتنوع الزخارف والتماثيل. وهي أبرز تشاهد على النهضة العمرانية في العهد الأموي الذي اتسعت فيه الفتوحات وكثرت الغنائم والأموال وتكشفت المواهب المبدعة التي خلقت حضارة جديدة تمازجت فيها عناصر هلنستية وشرقية – آسيوية تميزت بطابع عربي خاص. تقع خربة المفجر على بعد كيلومترين إلى الشمال من أريحا*. وعندما زار فريق من الجمعية الانكليزية المعروفة باسم “صندوق استكشاف فلسطين” هذا المكان في سنة 1873 سمعوا من السكان العرب أن اسمه “جلجال”. ولكن الباحث “بلس” الذي أرسلته الجمعية في سنة 1894 ليقوم بوصف الخربة علم أنها كانت تسمى خربة النويعمة، وخربة السمراء، وخربة المفجر. وهذا الاسم الأخير هو المستخدم وحده الآن. وقد كتب بلس مقالا في نشرة الجمعية أرفقه ببعض الصور من الزخارف الجصية. ويبدو أن المنظر العام للخربة كما وصفه بلس لم يتبدل كثير بعد أربعين عاماً عندما قررت دائرة الآثار القديمة في عهد الانتداب البريطاني على فلسطين المباشرة بالحفريات الأثرية في سنة 1934. إلا أن بعض أكوام الركام القائمة وسط الخربة وجنوبها قد تقلصت بسبب اقتلاع الحجارة والأعمدة منها بعد الحرب العالمية الأولى لبناء دير الفرنسيسكان في أريحا سنة 1927. فقد استخدمت في بنائه أكثر من 4,500 كتلة حجرية اقتلعت من الخربة عدا كثير من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والجص والتماثيل التي كانت تزين مدخل الدير. وقد أعيدت هذه القطع الأثرية بعد بضع سنوات بطلب من دائرة الآثار في فلسطين. بدأت حفريات التنقيب في عام 1934-1935: واستمرت مدة اثني عشر عاماً حتى توقفت في سنة 1948 بانتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين. وقد قام بالتنقيب الدكتور ديمتري برامكي الذي كان آنذاك مفتشا وباحثا في دائرة الآثار. وكان يصف نتائج الحفريات في سلسلة من التقارير التي ظهرت في نشرة دائرة الآثار في فلسطين (رَ: الآثار، علماء -) . ظهر من الحفريات أن خربة المفجر كانت تزود بالمياه من ينابيع ثلاثة هي: عين السلطان في موقع أريحا القديمة على بعد كيلومترين. وكانت مياهها تستخدم للري. وعين الديوك وعين النويعمة على بعد أربعة كيلومترات. وكانت مياه العينين الأخيرتين تصرف في القصر والحمام والجامع (رَ: عيون الماء). ويبدو أن هذه المياه كانت تجمع في بركة قبل أن تسقط بشكل شلال من ارتفاع 30 متراً تقريباً لتحريك عدة طواحين مائية ما زالت احداها قائمة على الطريق الحديثة بين أريحا وبيسان وتعرف باسم طاحونة المفجر. وكذلك يمكن اليوم مشاهدة آثار القناطر التي كانت القنوات ممدودة فوقها لجر المياه. اشتهرت خربة المفجر باسم “قصر هشام” لأن الدكتور برامكي عثر في حفريات 1936-1937 على لوح مكسور من المرمر كتب عليه اسم الخليفة هشام بن عبد الملك. ولكن لا يمكن اعتبار هذا اللوح حجراً أساسياً يقصد منه تسجيل انشاء البناء. فقد كتبه شخص اسمه عبيد الله بن عمر، وهو غير معروف. وعثر كذلك في المكان على كثير من الألواح والحجارة كتبت عليها أسماء بعض العمال كاسحق بن محمد وعبد الله بن سليم وكلثوم بن عياض وقسطنطين ويوحنا. والظاهر أن هؤلاء العمال كانوا من سكان البلاد يتكلمون اليونانية والآرامية* إلى جانب العربية، وكانوا يتلهبون بكتابة مختلف الأسماء وبعض العبارات البذيئة أحياناً. إن الدراسة الشاملة التي قام بها هاملتون دفعته إلى القول ان الأبنية في خربة المفجر ترجع حقا إلى عهد هشام بن عبد الملك الذي حكم من سنة 124م إلى سنة 743م وشيد عدداً من القصور. ولكن ليس هناك من دليل على أن هذا الخليفة نفسه قد سكن في خربة المفجر. ويذهب هاملتون إلى أن ما رواه المؤرخون عن سيرة هشام بن عبد الملك وما اتصف به من وقار ورزانة وميل إلى الاقتصاد والتفتير، بل إلى البخل. يتفانى كله مع مظاهر البذخ والترف في القصر، ولا سيما في عمارة الحمام وزخارفه وتماثيله ورسومه التي تكشف من حياة الخلاعة والتهتك. وقد تبين من التدقيق في مراحل البناء أنه قد طرأت تغييرات وتعديلات كثيرة على التصماميم والمخططات الأساسية. ويستنتج هاملتون أن أعمال البناء في خربة المفجر ظلت مستمرة بعد وفاة هشام إلى أن دمرت المباني كلها بالزال الذي حدث في سنة 746م (رَ: الزلازل). وهو يرجع أن القصر والحمام اختص بهما الوليد بن يزيد الذي تولى الخلافة بعد عمه هشام ويروي المؤرخون أغرب القصص عن سيرته وانقطاعه للصيد والشعر والشراب والغناء وانغماسه في الملاهي والملذات، ويذكرون أنه كان يسبح في بركة مملوءة خمراً. ترجع أهمية خربة المفجر إلى وفرة المواد التي عثر عليها فيها. وقد جمعت هذه المواد في متحف الآثار الفلسطيني، وهي تشمل مختلف مواد البناء من حجارة ومرمر وآجر وجص وزخار فسيفسائية، كما تشمل التماثيل الحجرية والجصية والأقواس والأعمدة والتيجان والرسوم الجدارية الملونة. وكشفت الحفريات كذلك عن الأسس التي قامت عليها الأبنية، الأمر الذي يساعد على رسم مخطط للبناء ومحاولة اعادة تشكيله. واذا كانت هذه الآثار وما زالت تحتاج إلى التصنيف والدرس والتمحيص فانه يمكن القول ان خربة المفجر تشبه سائر القصور الأموية في تصميمها وعماراتها وأنها أنموذج كامل للمستوى الذي بلغه تطور الفن المعماري في سورية وفلسطين في العهد الأموي. ولا شك في أن هذا الفن اقتبس بعض عناصره من الفن الهلنستي وبعضها الآخر من الفنون الشرقية – الأسيوية. ولكنه تمكن من تكييفها حسب بيئة البلاد، وتوصل إلى ابداع أسلوب خاص متميز. ويلاحظ أن المعماريين والفنانين السوريين – الفلسطينيين لم يبرزوا في صنع التماثيل البشرية لأن تقاليدهم المتوارثة المتأثرة بالعقائد الدينية كانت لا تحبذ تمثيل الكائنات البشرية فظلوا لا يعرفون شيئاً عن هيكل الانسان وتشريح جسمه وتكوين عضلاته. وهكذا تبدو التماثيل البشرية القليلة المنحوتة من الحجر، أو المحفورة في الجص، التي عثر عليها في خربة المفجر بعيدة عن التنقيب والتناسق والانسجام ولا تعبر عن الصورة الواقعية. وعلى العكس من ذلك كانت تماثيل الخيول وغيرها من الحيوانات. أما الناحية التي يبرهن فيها الفنانون والصناع السوريون – الفلسطينيون على مقدرة كبيرة ومهارة فائقة فهي الزخرفة. فقد عثر في خربة المفجر على عدد كبير جداً من النقوش النباتية والأشكال الهندسية المتنوعة التي تمتاز كلها بدقة الصناعة ورشاقة الخطوط والحياة المتحركة النابضة. ولا بد من الاعتراف بأن المعماريين والصناع من سكان البلاد الأصليين الذي شيدوا مجموعة الأبنية في خربة المفجر استطاعوا أن يلائموا بين التقاليد الفنية المتوارثة في سورية وفلسطين ورغبات الأمراء الأمويين وحاجات مجتمعهم الجديد المندفع وراء الغرائب المتحمس للرياضة والفروسية المحب لروائع الجمال وآيات البديع. وقد تبين أن خربة المفجر كانت تضم ثلاثة أبنية هي القصر والمسجد والحمام.   المراجع:   Quarterly of the Dept. of Antiquities of Palestine. D.: Guide to the Umayyad Palace at Khirbat al Mafjar, Jerusalem 1947. R.: Khirbat al Mafjar, Oxford 1959.     المفدال: رَ: الحزب الديني القومي