العدوان الاسرائيلي على لبنان

قامت إسرائيل بهذا العدوان الواسع بحجة حماية المستوطنات الإسرائيلية في الجليل من خطر الصواريخ، التي كان يطلقها الفدائيون على المستوطنات الإسرائيلية في شمال فلسطين، إلا أن الأسباب الحقيقية كانت تهدف إلى إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. قررت الحكومة الإسرائيلية برئاسة مناحيم بيغن آنذاك ووزير دفاعه أرئيل شارون تنفيذ خطة لعملية عسكرية واسعة في لبنان تستغرق 24 ساعة وعلى الأكثر تمتد 72 ساعة. ودار الحديث خلال جلسة الحكومة الإسرائيلية التي عقدت بتاريخ 5 حزيران/ يونيو 1982 عن حزام أمني يمتد حوالي 40 كيلومتراً من الجنوب اللبناني لحماية شمال إسرائيل. وضعت إسرائيل خطة الحرب مسبقاً وانتظرت حدوث مبرر لشن هجومها على الأراضي اللبنانية وكان ذلك بمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن، فقامت الحكومة الإسرائيلية بتاريخ 6 حزيران/ يونيو 1982 بشن عملياتها العسكرية على ستة محاور داخل الأراضي اللبنانية وبدأت باجتياح الجنوب حتى وصلت إلى مدينة صور. واعتمدت هذه الحرب على التصورات والأسس التالية: 1) تصفية الوجود العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية في جنوب لبنان وبيروت. 2) الاعتماد على حزب الكتائب شريكاً في الحزب. 3) فرض السيادة المسيحية عن طريق نظام مركزي بفرض سيطرته على لبنان كله. 4) الحاق ضربة قوية بسورية وإضعاف نفوذها في لبنان. 5) إخراج المنظمات الفلسطينية من الأراضي اللبنانية. 6) عقد اتفاقية سلام بين لبنان وإسرائيل. وقد عقد مثل هذا الاتفاق الذي كان يحمل اتفاق 17 أيار/مايو 1983 لكنه لم ينفذ بل انهار وألغي. ثم عمليات إنزال في راس العين وبرج الشمالي والبص، وفي القطاع الأوسط دارت اشتباكات بين القوات الإسرائيلية باتجاه حاصبيا وكوكبا امتداداً حتى بلدة قلايا. وعلى إثر هذا الاجتياح جرت اتصالات واسعة بين بيروت والقاهرة ودمشق والرياض لوقف الاجتياح وبوضع حد للأعمال العسكرية الإسرائيلية. ولم تفلح هذه الجهود بل استمرت المعارك، ونشطت الأعمال العسكرية الإسرائيلية بعد أن اتسعت وشملت مناطق عديدة حتى صيدا والسعديات والنبطية وحاصبيا والبقاع الغربي جواً وبحراً. واحتل الإسرائيليون قلعة الشقيف بعد محاولات عديدة، وحاولوا عزل مدينة صيدا، وجرت اشتباكات عنيفة بين القوات المشتركة والإسرائيليين، كما جرى اشتباك جوي بين الطائرات السورية والإسرائيلية. كما جرى اشتباك جوي بين الطائرات السورية والإسرائيلية. وفي 8 حزيران/يونيو امتد الغزو الإسرائيلي غلى مناطق الشوف حتى الباروك وعين زحلتا. وفي التاسع من حزيران/يونيو قصفت الطائرات الإسرائيلية سهل البقاع واستمرت المعارك فيه، وأعلن شارون، وزير الدفاع آنذاك، أن ما تريده إسرائيل في لبنان هو حزام أمني يمتد مسافة  45 كيلومتراً من حدودها، وأكد أن إسرائيل لا تريد حرباً مع سوريا وأن الجيش الإسرائيلي لا ينوي البقاء في لبنان. في 11 حزيران أعلنت كل من إسرائيل وسورية ومنظمة التحرير الفلسطينية تمسكها بوقف اطلاق النار ابتداء من 12 ظهراً ووافقت سورية على وقف اطلاق النار على أساس الانسحاب الإسرائيلي الشامل من الأراضي اللبنانية. كما أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية موافقتها على وقف اطلاق النار بناء على قراري مجلس الأمن 508/509 الذين اتخذا بشأن هذا الاجتياح لكن إسرائيل لم تلتزم بذلك بل دارت معارك عنيفة في ذلك اليوم، وفي اليوم التالي 12 حزيران/يونيو أعلنت إسرائيل وقف إطلاق النار مع منظمة التحرير والقوات المشتركة وتم التوصل غلى الاتفاق بعد مشاورات سوفيتية – أميركية وبعد أن اتصل الأمير ولي عهد السعودية آنذاك بالرئيس الأميركي رونالد ريغان. لكن إسرائيل لم تكن تريد وقف اطلاق النار لأنها لم تحقق أهدافها من الهجوم بعد واستمر عدوانها حتى دخلت في 13 حزيران/يونيو بلدة بعبدا وتمركزت في مواقع محيطة بالقصر الجمهوري ثم تقدمت باتجاه الحدث وأدركت مشارف الشويفات واعلنت عن شروطها لتسوية سياسية تسبق انسحابها من لبنان، وهي: –         أنها لا توافق على أن تكون في لبنان قواعد لمنظمة التحرير الفلسطينية. –   أنها لن تغادر المنطقة التي احتلها جيش الدفاع الإسرائيلي إلا بعد أن تضمن سلامة المستوطنات في الشمال وتمنع قيام ما سمته “منظمات تخريب جديدة”. –   وأنها تطمح في أن تجلو عن لبنان كل القوات الأجنبية الموجودة فيها، والمقصود سورية ومنظمة التحرير الفلسطينية. في 14 حزيران/ يونيو وجه الاتحاد السوفييتي انذاراً شديد اللهجة لإسرائيل بضرورة الانسحاب الفوري من لبنان، وصدر بيان عن صدر الاليزيه: “إن فرنسا تطلب رسمياً من إسرائيل وقف القصف والمعارك دون أي تأخير. في 16 حزيران/ يونيو حصل هدوء نسبي على جميع المحاور تخللته معركة محدودة في صحراء الشويفات، وصرح إسحق شامير وزير الخارجية الإسرائيلي أن إسرائيل تضع شرطين للانسحاب من لبنان، هما: 1) تشكيل حكومة لبنانية قوية وحرة يمكن الحوار معها. 2) تشكيل قوة متعددة الجنسيات تنتشر على مسافة 40 كم من الحدود الشمالية لإسرائيل بضمان أميركا. واستمرت المعارك وواجه ياسر عرفات رسالة إلى الشعبين اللبناني والفلسطيني والقوات المشتركة في 17 حزيران/يونيو حيا فيها المقاتلين، وأكد أن بيروت ستكون مقبرة للغزاة، كما صرح مصدر رسمي سوري أن بلاده ترحب بجميع المتطوعين العرب الراغبين في القتال. وأصدر البرلمان الأوروبي قراراً يدعو إلى انسحاب كل القوى المسلحة غير اللبنانية من لبنان وفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل. في 19 حزيران يونيو تجددت الاشتباكات بين المقاتلين والجيش الإسرائيلي، وصرح ياسر عرفت استعداده للتفاوض مع الحكومة اللبنانية وإنهاء القتال ورفض التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية. وصرح ناطق إسرائيلي أنه إذا وافق الزعماء الفلسطينيون على إلقاء سلاحهم فستضمن إسرائيل خروجهم من بيروت سالمين. صرح مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل أن قواته لن تنسحب من لبنان حتى يتأكد من أن منظمة التحرير الفلسطينية لن تكون قادرة على استئناف هجماتها على القرى الإسرائيلية في الشمال، كما صرح لاحقاً بأن إسرائيل لا تطمح في أي شبر من أرض لبنان وأعلن عن رغبته بأن يوقع معاهدة سلام مع لبنان ويعيشا بسلام معاً. وفي 28 حزيران/يونيو حثت إسرائيل سكان بيروت الغربية على مغادرة المدينة وذلك اثر قصفها المتواصل، وصرح الشيخ بشير الجميل، الرئيس اللبناني المنتخب أنه آن الأوان لنضع في قفص الاتهام كل الأشخاص من لبنانيين وغرباء كي نرى من هو المسؤول عما يحصل في لبنان ونجعله يدفع ثمن مائة ألف قتيل لبناني استشهدوا. وبعد القصف الإسرائيلي المتواصل لبيروت الغربية وسقوط عشرات آلاف الجرحى من المواطنين، ضيقت إسرائيل الحصار على بيروت وقصفت الضاحية الجنوبية. وقطعت عنها الماء والكهرباء حتى تعهدت منظمة التحرير خطياً بالخروج من لبنان. وفي آب/أغسطس 1982 قصفت إسرائيل بيروت لمدة 15 ساعة من القصف المتواصل رسمي ذلك اليوم بالآحد الأسود، حيث لقيت إسرائيل 185 ألف قذيفة على بيروت وأحيائها السكنية بمعدل 3 قذائف في الثانية خلال 15 ساعة، وحوالي 210 غارات بالطيران بمعدل غارة كل ثلاث دقائق وهجوم إسرائيلي على مطار بيروت الدولي واحتلاله. حينئذ عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة أصدر فيها قرار رقم (516) طالب فيه بوقف إطلاق النار فوراً وإرسال مراقبين دوليين فوراً إلى لبنان لمراقبة الوضع. وقد استمر قصف بيروت وحصارها طويلاً، وفي 10 آب/أغسطس وافقت إسرائيل على مشروع للموفد الأميركي فيليب حبيب لاخراج الفدائيين والسوريين من بيروت وكل لبنان وطالبت بأن تسلم رسمياً قائمة أسماء الدول التي ستستقبلهم وأعداد الفدائيين المغادرين وجثث 9 جنود إسرائيليين دفنوا في بيروت خلال حرب 1978. ولما عجزت الولايات المتحدة عن وقف القصف الإسرائيلي للبنان، حذر الرئيس الأمريكي إسرائيل بأن الولايات المتحدة ستنفض يدها من المفاوضات إذا واصلت غاراتها على بيروت. وأعلنت اسرائيل قبولها بوقف إطلاق النار. وفي 20 آب/ أغسطس انسحبت إسرائيل من مرفأ بيروت ومحيطه وتسلمها الجيش اللبناني، وأعلن الرئيس الأمريكي ريغان موافقته على إرسال قوة اميركية إلى لبنان للمشاركة في إطار القوة المتعددة الجنسيات في الإشراف على خروج الفدائيين الفلسطينيين من بيروت. وفي 21 آب/أغسطس بدأت مغادرة المقاتلين الفلسطينيين من بيروت الغربية إلى تونس واليمن والأردن والعراق وسورية. وبعد خروج الفدائيين الفلسطينيين من لبنان أعادت إسرائيل اجتياح بيروت الغربية وقصفها وذلك اثر مقتل بشير الجميل الذي كان على علاقة مع إسرائيل. وفي 18 أيلول/سبتمبر 1982 ارتكبت القوات الإسرائيلية مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا بالتعاون مع الكتائب اللبنانية حيث قتلت حوالي 1500 شخص من سكان هذين المخمين ومثلت بجثثهم. وقد أحدثت الحرب الإسرائيلية في لبنان ردود فعل متباينة في إسرائيل بين مؤيد ومعارض، لكن إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها من الحرب، حيث كان الهدف من الحرب هو القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، إلا ان ذلك لم يتحقق. كذلك فإن لبنان اعتبرت بمثابة الوحل للجنود الإسرائيليون حيث تكبدت فيها إسرائيل خسائر بشرية بلغت 265 قتيلاً وتسعة أسرى مبادلتهم وخسائر فادحة لم تكن تتوقعها. وقد أدت الحرب اللبنانية إلى إقالة وزير الدفاع الإسرائيلي أرئيل شارون ثم استقالة بيغن من رئاسة الوزراء حيث أصيب بالكآبة واعتزل في منزله حتى يوم وفاته.