الغارات الإسرائيلية على المخيمات الفلسطينية

يسهم الشعب العربي الفلسطيني في النضال من أجل تحرير وطنه واسترداد حقوقه، بأشكال مختلفة، حسب الظروف التي يعايشها. فقد أصبح هذا الشعب، في أثر النكبات التي حلت به، موزعاً إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول يشتمل على الفلسطينيين، الذين ما زالوا يعيشون في الجزء الثاني الذي احتلته (إسرائيل) عند قيامها، والقسم الثاني يشتمل على الفلسطينيين الذين وقعوا تحت الاحتلال الإسرائيلي في أثر عدوان حزيران 1967 (رَ: حرب 1967)، والقسم الثالث يضم الفلسطينيين الذين هجرتهم سلطات الاحتلال خارج فلسطين. وقد استقر قسم كبير من هؤلاء الذين أطلق عليهم تعبير “اللاجئين الفلسطينيين” في الأقطار العربية المجاورة لفلسطين، أي في لبنان وسورية والأردن، وأقاموا في مخيمات وتجمعات سكنية موقتة، قريبين من وطنهم، يستعدون لمعركة العودة. وقد قدمت هذه المخيمات إلى الثورة الفلسطينية، وما تزال تقدم، خيرة المناضلين الوطنيين. وقد عملت (إسرائيل) منذ اغتصابها فلسطين، على القضاء على هذا القسم من الشعب الفلسطيني، لأن تجمعه في هذه المخيمات على حدود فلسطين يقض مضجع العدو، الذي يسعى إلى إلغاء الهوية الفلسطينية، وإلى تذويب الفلسطينيين في المجتمعات الخارجية التي يعيشون فيها، بحيث تمتصهم تلك المجتمعات، كأفراد، ويرتبطون بها وبمصالحهم الشخصية فيها. وبالرغم من انقضاء أكثر من خمسين عاماً على معاناة اللاجئين الفلسطينيين أقسى أنواع الحياة، وأصعب ظروف المعيشة، فإنهم يزادون، عاماً بعد عام، اصراراً وعزماً على تحرير وطنهم والعودة إليه. ومن هنا شكلت الهجمات المستمرة والمتتالية التي شنها ويشنها العدو الإسرائيلي على هذه المخيمات عملاً استراتيجياً بالنسبة إلى المخيمات وانطلاق الفدائيين الفلسطينيين منها، أو بكونها مراكز للتجمع والتدريب العسكري. ويمكن القول إن هناك أسباباً عسكرية ومعنوية وسياسية قد دفعت (إسرائيل) إلى العمل العسكري ضد المقاومة الفلسطينية والمخيمات خارج فلسطين المحتلة. فمن الناحية العسكرية، هدفت السلطات الإسرائيلية إلى نقل ساحة المعركة من داخل فلسطين المحتلة إلى المخيمات الفلسطينية وقواعد الفدائيين في سورية والأردن ولبنان وغيرها. ومن شأن هذا أن يدفع منظمات المقاومة إلى تبني استراتيجية دفاعية أمام الهجمات الإسرائيلية, والتخلي، بصورة تدريجية عن الاستراتيجية الهجومية، بسبب الأعباء الدفاعية التي يجب أن تتحملها المقاومة للدفاع عن المخيمات، وحرص المقاومة المتوقع على تجنب دفع (إسرائيل) إلى مهاجمة المخيمات رداً على عمليات المقاومة داخل الأرض المحتلة. ولا شك في أن الاستراتيجية الهجومية الإسرائيلية جعلت منظمات المقاومة تركز بعض جهودها العسكرية للدفاع عن المخيمات. ومن الناحية المعنوية، هدفت (إسرائيل) من مهاجمة المخيمات إلى وضع سكان هذه المخيمات في جو من التعب النضالي المستمر، ورمت، بإدعائها أن مهاجمة المخيمات هي رد فعل على عمليات المقاومة، التي تملك أسلحة حديثة للدفاع عن هذه المخيمات، رمت إلى إضعاف الالتحام بين سكان المخيمات ومنظمات المقاومة. وقد يكون العدو من الناحية السياسية هدف في المدى البعيد، إلى إيجاد شعور بالعجز لدى الفلسطينيين من سكان المخيمات أمام القوة العسكرية الإسرائيلية الضارية، وبالتالي تمهيد السبيل أمام التسويات السياسية. وعلى الصعيد المحلي الإسرائيلي، رغب العدو في طمأنة الرأي العام الإسرائيلي، إلى قدرة (إسرائيل) العسكرية على مواجهة المقاومة الفلسطينية حيثما وجدت، خاصة أن هذه المقاومة أثارت القلق والخوف، وزعزعت الأمن في صفوف الرأي العام الإسرائيلي، نظراً إلى استمرار قدرة المقاومة على اختراق مختلف الحواجز الأمنية الإسرائيلية في فلسطين المحتلة كلها. نوعت (إسرائيل) غاراتها على المخيمات بحسب الأغراض المتوخاة من الغارة، وبحسب موقع المخيم وتكوينه وأهميته. فمن أنواعها: 1) الغارة البرية: التي تترجح أهميتها بين الغارة البسيطة والعملية الحربية التي تشترك فيها مختلف الأسلحة كالغارة على الكرامة (رَ: الكرامة، معركة). ويمارس العدو هذا الأسلوب في العدوان عندما يكون المخيم قريبا من الحدود. لذلك كثرت قبل الخامس من حزيران 1967، غاراته على المخيمات ومدن الضفة الغربية وقطاع غزة (رَ: السموع، معركة). 2) الغارة الجوية: التي قد تتحول إلى معارك جوية كبيرة عندما يكون المخيم في بلد عربي يملك دفاعاً جوياً كمصر وسورية. 3) الغارة بالجنود المحمولين بالحوامات (الهليكوبتر) وقد نفذها العدو ضد المخيمات وقواعد الفدائيين في لبنان والأردن. 4) الغارة البحرية: التي يمارسها العدو ضد مخيمات اللاجئين القريبة من الساحل في لبنان. إن الغارة الإسرائيلية على مخيم فلسطيني هي عمل عسكري يدخل في الاطار الاستراتيجي للخطط العسكرية العدوانية الإسرائيلية، لذلك يطبق في تنفيذها جميع القواعد المناسبة المعروفة في الفنون العسكرية، وذلك في إطار العقيدة الصهيونية في غزوها للأرض العربية. وهكذا نجد العدو في هجومه على مخيمات اللاجئين، ذات الأكواخ الهشة التي لا تكاد تقاوم قبيلة بدوية، يلقي بأطنان القنابل المتفجرة وقنابل النابالم والقنابل الفوسفورية شديدة الحرق والقنابل العنقودية. وعندما يحتل مخيماً يقتل جميع من فيه، رجالاً ونساء، شيوخاً وأطفالاً. ويتبع العدو، بصورة عامة، في غاراته على مخيمات اللاجئين قواعد التفوق المحلي والمفأجاة في التنفيذ والسرعة والدقة حسب خطة معدة بعناية بناء على معلومات دقيقة، فهو: 1) يجمع المعلومات اللازمة عن المخيم بمختلف طرق الاستطلاع والتجسس: الاستطلاع الجوي، والاستطلاع الأرضي عن بعد أو عن قرب، والتجسس عن طريق زيارات الأجانب للمخيمات تحت ستار “العطف” على اللاجئين والتعرف على قضيتهم وأحوالهم وعرضها على العالم الخارجي بواسطة الأفلام والصور التي تذهب في نهاية الأمر إلى المخابرات الإسرائيلية. وقد يأتي بعض قادة الغارة المنتظرة بأنفسهم بين السياح لاستطلاع المخيم عن كثب وأخذ الصور والأفلام وجمع المعلومات. 2) يقوم بوضع الخطة الملائمة، وبتحديد العناصر المنفذة بالاستناد إلى المعلومات المستقلة وحسب متطلبات الخطة التي يجب أن تتوحى السيطرة المطلقة على مسرح العملية طيلة جريانها، وإلا فإن الهزيمة والدمار يكونان من نصيب هذا العدو، كما جرى في الكرامة. وتتضمن الخطة تحقيق عزل المخيم عزلاً تاماً عن الخارج، وسد كل طرق النجدة إليه مع ضمان التفوق المطلق على القوى المدافعة عنه. 3) يسمى مختلف عناصر الغارة، ويقوم بتدريبها بكل عناية ودقة وبكل الوسائل العلمية، على الخرائط وصناديق الرمل، وعلى نماذج مصنوعة تطابق الهدف. ويحصي جميع الاحتمالات والمفاجآت المملكة ويدرسها مع المنفذين، ويستقصي حلولها، ويتدرب على درئها. 4) يتوخى دوما الاستفادة من عنصر المفاجأة، ولا سيما في الغارات البرية الكبيرة التي تستهدف احتلال المخيمات الهامة مدة كافية من الزمن للقيام بالأعمال التخريبية المطلوبة فتحاط الاستعدادات للغارة بالسرية التامة التي قد تصل إلى عزل المنفذين حتى عن أهلهم قبل تنفيذ المهمة بزمن كاف، والقيام بأعمال تعمية في مناطق أخرى، ثم الانقضاض على المخيم في أوقات غير منتظرة. 5) يربط توقيت الغارة بالهدف منها ويوضع المخيم وتركيبه. وغالباً ما يكون الليل أكثر ملاءمة من النهار في تحقيق المفاجأة، وعرقلة وصول النجدات، وبئر مختلف تحركات المغيرين. ولعل الغارة الإسرائيلية على مخيمي البداوي ونهر البارود، قرب مدينة طرابلس شمال لبنان، تعتبر انموذجاً للاستراتيجية الهجومية الإسرائيلية حيال مخيمات اللاجئين. ففي ليلة 20-21/2/1973 هاجمت قوات إسرائيلية، بحرية ومظلية، هذين المخيمين. وادعى ناطق إسرائيلي أن الهجوم استهدف قواعد للفدائيين: ثلاثاً قرب مخيم البداوي في المرتفعات المحيطة بطرابلس، وأربعاً قرب مخيم نهر البارود، على بعد 25 كم من الساحل. اشتركت في العملية خمس حوامات، وأربعة زوارق طوربيد، وعدة زوارق مطاطية للإنزال البحري، ومجموعة من المظليين والكوماندوس. وسبق العملية استطلاع جوي قامت به حوامة معادية فوق المخيمين في الساعة السادسة من مساء 20/2/1973، لاستطلاع يقع هبوط الحوامات ونقاط الإنزال البحري. وقد تم تنفيذ العملية من قبل العدو على الشكل التالي: 1) قامت سرية الكومنادوس بمهاجمة مخيم نهر البارد من البحر ودعمتها قوة بحرية تتألف من زوارق الطوربيد التي كان الإسرائيليون قد سرقوها من شربورغ في فرنسا. وقد حملت هذه الزوارق المهاجمين إلى مكان الإنزال، الذي تم بواسطة زوارق مطاطية قرب مصب نهر البارد في الساعة الواحدة من صباح 21 شباط. وفي نهاية العملية قامت زوارق الطوربيد بقصف المخيم. 2) قامت سرية كوماندوس محمولة بالحوامات بالنزول في حقل الزيتون الواقع إلى الشرق من مخيم البداوي في الساعة الواحدة أيضاً من صباح 21 شباط لنصب الكمائن بغية قطع الطريق على كل قوة تحاول الخروج من طرابلس أو من مخيم البداوي لنجدة مخيم نهر البارد، ولمشاغلة مخيم البداوي أيضاً بمهاجمته. وقامت الحوامات في نهاية العملية بقصف المخيم قبل رحيلها وعودتها إلى قواعدها في الأرض المحتلة. 3) تم التنسيق بين شطري العملية في البداوي ونهر البارد عن طريق الاتصالات اللاسلكية والإشارات الضوئية من قبل الحوامة القيادة التي بقيت في الجو متنقلة جيئة وذهاباً بين المخيمين عللا طريق حمص – طرابلس. 4) وفر سلاح الطيران الإسرائيلي الحماية للعملية بواسطة سرب من المقاتلات الليلة، حلق على ارتفاع منخفض لتجنب الرادارات ما أمكن وكانت مهمته التدخل عند الطلب. وقد خاضت حراسات المخيمين معارك ضارية ضد العدو، وأوقفت عدداً كبيراً من الخسائر في صفوفه، وقد اصطحب العدو معه قتلاه وجرحاه. ودامت المعارك نحو ثلاث ساعات. وكانت حصيلتها سقوط 31 شهيداً منهم 13 شهيداً من المدنيين، بالإضافة إلى عشرات الجرحى، وتدمير مستودعات الأغلبية التابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين* (الأونروا)، وتدمير مستوصف ومدرسة ابتدائية ومشغل للخياطة.   المراجع:   مؤسسة الدراسات الفلسطينية: الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية لعام 1973، بيروت 1976. مركز الأبحاث: اليوميات الفلسطينية، المجلد 17، بيروت 1975.