غزة

أصبحت المنطقة العربية، خلال النصف الأول من الخمسينات، هدفاً للسياسة الاستعمارية الرامية إلى جر المنطقة إلى الأحلاف والمحاور الاستعمارية، التي تتستر بشعار مواجهة الخطر الشيوعي، وترمي إلى حقيقتها إلى تصفية القضية الفلسطينية وتهيئة الاجواء، من خلال هذه الأحلاف، لعقد صفقات الصلح بين (إسرائيل) والأنظمة العربية المجاورة لها. ترافقت سياسة الأحلاف هذه مع برامج أخرى كان يجري إعدادها وراء الكواليس لتصفية مخيمات اللاجئين في قطاع غزة عن طريق الدمج أو التوطين، وفي سورية ولبنان عن طريق اتنفيذ مشروع جونستون لتقسيم مياه نهر الأردن. وقد تعرضت مصر،ولا سيما بعد ثورة 23 يوليو 1952، لضغوط استعمرية وإسرائيلية شديدة، من أجل جرها إلى محور حلف بغداد، الذي كان يتزعم الدعوة إليه وتنفيذه نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي آنذاك. وكان السعي منصباً على عقد صلح بين مصر و(إسرائيل)، تؤكد ذلك المقترحات التي طرحت خلال الفترة الممتدة من 1950 – 1955، والتي كانت تربط بشكل واضح مسألة جلاء بريطانيا عن قناة السويس بمسألة الصلح بين مصر و(إسرائيل)، وتنفيذ مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات قطاع غزة، في منطقة شمال غرب سيناء. خلال السنتين الأوليين من عمر الثورة المصرية ولجأت (إسرائيل) إلى سياسة اللين وتبريد الحدود مع مصر، لإتاحة المجال لانضمام النظام الجديد إلى سياسة الأحلاف الاستعمارية دون اللجوء إلى العنف أو التلويح به. ولكن الموقف المصري الرافض لسياسة الأحلاف بدأ يتضح جلياً، حتى قبل إبعاد محمد نجيب عن السلطة في تشرين الثاني 1954 وإنهاء الصراعات الداخلية في مصر. فخلال النصف الثاني من عام 1954 كان نوري السعيد قد قطع شوطاً كبيراً في إنشاء حلف بغداد، وأصبح لزاماً على الثورة المصرية أن تحدد موقفها، بل أن تنقل من مرحلة الرفض إلى مرحلة الهجوم على الأحلاف. وانطلاقاً من هذا المبدأ رفضت مصر الفكرة التي تقدمت بها الباكستان لعقد مؤتمر إسلامي تفوح منه رائحة الأحلاف المشبوهة. وفي الوقت الذي كان فيه صالح سالم، عضو مجلس قيادة الثورة المصري، يجتمع مع نوري السعيد رئيس وزراء العراق في 14/8/1954 لإقناعه بالعدول عن ربط العراق بالأحلاف الاستعمارية، ولدعوته إلى توقيع معاهدة الدفاع المشترك مع مصر، كانت قوة من الجيش الإسرائيلي تتسلل عبر خط الهدنة، وتتوغل نحو ثلاثة كيلومترات داخل حدود قطاع غزة الذي كانت تشرف عليه الإدارة المصرية، حتى وصلت إلى محطة المياه التي تزود سكان غزة بالماء، فقتلت الفني المشرف على المحطة، وبثت الألغام في مبنى المحطة وآلات الضخ. هدفت هذه الغارة إلى توجيه تهديد صريح إلى مصر باستعمال سياسة القوة بتأديب الثورة المصرية وردعها عن الاستمرار في سياسة معاداة الأحلاف والمحاور الاستعمارية. ولعل توقيت الغارة يدل بوضوح على مغزى السياسي لها، فقد جرى تنفيذها بعد ساعات من فشل الاجتماع الذي تم بين المندوب المصري ورئيس وزراء العراق. لكن رغم ذلك، واصلت الثورة المصرية نهجها المعادي للأحلاف الاستعمارية. وفي مطلع عام 1955 دعت الحكومة المصرية لعقد اجتماع طارىء لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى رؤساء الوزارة (22/1/1955) لمناقشة حق العراق في دخول الأحلاف الاستعمارية. ودعت مصر الدول العربية إلى اتخاذ موقف موحد من سياسة الأحلاف، كما اقترحت طرد العراق من جامعة الدول العربية. وقد خلق هذا الموقف اقتناعاً لدى (إسرائيل) والدول الاستعمارية بأن مصر لن تنجر إلى الأحلاف، وأن الصلح بينها وبين (إسرائيل) ليس وارداً. ومع أواخر شهر شباط 1955، وفي اثر انتهاء اجتماعات مجلس الجامعة بلغ العداء المصري لسياسة الأحلاف الاستعمارية ذروته، فصعدت (إسرائيل) موقفها العدواني من مصر، فكانت مذبحة المحطة المشهورة التي عرفت فيما بعد بمذبحة غزة. ففي الساعة الثامنة والنصف من مساء 28/2/1955 اجتازت عدة فصائل من القوات الإسرائيلية خط الهدنة، وتقدمت داخل قطاع غزة إلى مسافة تزيد على ثلاثة كيلومترات، ثم بدأ كل فصل من هذه القوات ينفذ المهمة الموكولة إليه، فاتجه فصيل لمداهمة محطة المياه ونسفها، ثم التوجه إلى بيت مدير محطة سكة حديد غزة، واستعد فصيل آخر لمهاجمة المواقع المصرية بالرشاشات ومدافع الهاون والقنابل اليدوية، ورابط فصيل ثالث في الطريق لبت الألغام فيه ولمنع وصول النجدات. دوى صوت الانفجار في محطة المياه،ورافقه زخات متواصلة من الرصاص الذي انهمر على معسكر الجيش المصري القريب من المحطة، فاستشهد وجرح عدد من الجنود المصريين. طلب آمر المعسكر النجدة من أقرب موقع عسكري، فأسرعت السيارات الناقلة للجنود لتلبية النداء لكنها وقعت في الكمين الذي أعده الإسرائيليون في الطريق، فذهب ضحية ذلك خمسة وعشرون جندياً عدا الذين جرحوا. وكانت الخسائر الإجمالية لمذبحة غزة 39 شهيداً و33 جريحاً. أسفرت هذه المذبحة عن نتائج خطيرة، أهمها: 1) انتفاضة آذار وسقوط التوطين: حركت هذه الغارة الجماهير الفلسطينية ضد أية محاولة للتوطين، ودفعها لتأكيد على تحرير فلسطين وعودة الشعب العربي الفلسطيني إلى وطنه، والمطالبة بتسليح المواطنين للدفاع عن أنفسهم ضد الاعتداءات الإسرائيلية. وقد تمكن هذا التحرك الذي أطلق عليه، “انتفاضة آذار 1955” من إسقاط مشروع التوطين نهائياً، وإسقاط المفهوم المشوه لمشكلة اللاجئين، والذي بنيت على أساسه مشاريع التوطين، حين تبين للجميع أن الوطن وليس “طحين وكالة الإغاثة” هو ما يحرك اللاجئين لرفض مشروع التوطين. 2) صفقة الأسلحة التشيكية: كانت هذه الغارة السبب الهام المباشر الهام في تصلب الموقف المصري المعادي (لإسرائيل) وللأحلاف الاستعمارية، وكانت المحرك الذي دفع القيادة المصرية إلى البحث عن مصادر جديدة للتسلح لمواجهة العدوان، فكانت صفقة الأسلحة التشيكية التي أعلن عنها الرئيس جمال عبد الناصر* في أيار 1955. 3) حرب الفدائيين: أشعلت الغارة شرارة حرب الفدائيين (رَ: غزة، العمل الفدائي من -)، وحولتها من نشاط استطلاعي إلى أعمال ذات صيغة عسكرية واضحة بمعرفة الإدارة المصرية ودعمها. وقد أوضح الرئيس جمال عبد الناصر قراره بإعلان حرب الفدائيين التي استمرت بشكل مكثف من أيلول 1955 وحتى العدوان الثلاثي في تشرين الأول 1956 بقوله: “بعد غارة غزة كان لدينا لقاء، وقررنا زيادة عدد الفدائيين، وطبقاً للظروف التي تمت فيها الغارة استقر رأينا على أن أفضل وسيلة لمجابهة إسرائيل هي أن يكون لدينا فدائيون منظمون على أساس الوحدات الصغيرة”.   المرجع:   حسن أبو النمل: قطاع غزة 1948 – 1967: تطورات اقتصادية واجتماعية وعسكرية، بيروت 1979.