الغارة الإسرائيلية على مطار بيروت

التقط الرادار السوري في الساعة 20:30 من يوم السبت في 28/12/12968 حركة طائرات تقلع من مطار نهاريا الإسرائيلي قرب الحدود اللبنانية الجنوبية الغربية، بينما كانت طائرة مصرية تتجه نحو سورية. فذهب الظن في بادىء الأمر إلى أن تلك الطائرات خرجت لاعتراض الطائرة المصرية. ولكن الأمر كان في الواقع قيام حوامات (هيلكوبتر) إسرائيلية اتجهت صوب لبنان، ووصلت فوق مطار بيروت نحو الساعة 21:10. وكانت تحلق فوقها مقاتلات ليلية للحماية. وفي هذه الأثناء كان كل شيء يجري طبيعياً على أرض المطار. وفجأة  سمعت أصوات محركات الحوامات التي وصلت فوق المطار على نحو منخفض جداً وتوزعت كما يلي: 1) اتجهت إحدى الحوامات نحو طريق بيروت، وراحت تحلق  فوقه جيئة وذهاباً كي تعرقل وصول النجدات. 2) حطت حوامتان على أرض المطار، ونزل من كل منهما عدد من جنود العدو يقدر بفئة قتال، وقد بادر بعضهم باطلاق الرصاص يميناً وشمالاً “لتنظيف الساحة” وإرهاب الحراس والعاملين والمسافرين، في حين انطلق آخرون نحو برج المراقبة لتعطيله، ونحو حظائر الطائرات للنسف والتدمير. 3) أما الحوامة الرابعة والأخيرة فقد بقيت في الجو تحوم فوق ساحة المطار، وهي تطلق الرصاص والأسهم النارية لإضاءة الساحة التي أظلمت بعد قطع عمال المطار التيار الكهربائي. وراح الجنود المغيرون يزرعون القنابل الموقوته في حركات الطائرات اللبنانية وأجسامها وفي عنابر الصيانة، ويطلقون الرصاص هنا وهناك إرهاباً، ويلقون قنابل الذخان لتغطي حركتهم. وقد استغرقت العملية كاها خمساً وثلاثين دقيقة، سارع بعدها الجنود المغيرون إلى الحوامتين اللتين ارتفعتا بهم بسرعة. وما ان أصبحتا في الجو حتى أخذت القنابل الموقوتة تنفجر في أجسام الطائرات اللبنانية، وتتصاعد منها ألسنة النيران والأدخنة الكثيفة. وظلت حوامات العدو تطلق الرصاص وتلقي القنابل على الطائرات الجائمة والعنابر ومدرج المطار لمدة خمس دقائق، ثم ابتعدت راجعة إلى الأرض المحتلة. كان تخطيط العملية، مع بساطته، دقيقاً. فقد تم اختيار الساعة التاسعة من مساء يوم السبت لسببين، أولهما أن معظم المسؤولين في بيروت يكونون في ذلك الحين في شبه إجازة، وثانيهما أن معظم طائرات شركة طيران الشرق الأوسط تكون في هذا الوقت قد عادت إلى بيروت من أوروبا، استعداداً لانطلاقها إلى بعض الدول العربية القريبة. يضاف إلى ذلك أن توزيع المهام على الحوامات ومفارز الجنود الذين قاموا بإطلاق النار وقنابل الدخان والصاق المتفجرات بأجسام الطائرات، ثم عادوا إلى الحوامات بسرعة فائقة قد جرى ونفذ بالدقة التي رسمتها خطة العملية. كانت حصبلة الغارة تدمير القسم الأكبر من الأسطول الجوي المدني اللبناني،اذ نسفت وحرقت ثلاث عشرة طائرة ركاب كبيرة على مختلف الأنواع. وقد انحصرت الخسائر في الطائرات العائدة إلى شركات الطيران اللبنانية فقط، ولم تصب أية طائرة أجنبية بأذى. كما لم تقع خسائر جسيمة في الأبنية والمدارج والتجهيزات الفنية للمطار. ولم تقع إصابات في الأرواح. وقد ادعى العدو أن غارته على مطار بيروت كانت رداً على هجوم الفدائيين الفلسطينيين على طائرة “العال” الإسرائيلية في مطار أثينا قبل أربعة أيام. والواقع الذي يدل عليه توقيت العملية وأسلوب تنفيذها يثبت أن العدو كان يعد لهذه العملية قبل عملية أثينا بزمن طويل، فقد جمع المعلومات بواسطة عملاء مخابراته وبمساعدة عملاء المخابرات الأمريكية كما قام بتدريب المقاتلين الذين ينفذون العملية تدريباً كافياً على نماذج مطابقة لما يمكن أن يلقوه أو يصادفوه في مطار بيروت، مما ساعدهم على تنفيذ المهمة بتلك. الدقة الواضحة، وخلال تلك الفترة القصيرة. لا شك في أن الغارة الإسرائيلية على مطار بيروت لم تكن ردة فعل على العملية الفدائية، إذ يستحيل، من الناحية المادية، التحضير لتلك الغارة خلال الأيام القليلة الفاصلة بين عمليتي أثينا وبيروت. وتشير المعلومات المستقلة من تقارير بعض السفارات الغربية في تل أبيب، إلى أن التحضير للعملية استمر أكثر من ثلاثة أشهر، وهذا يعني بوضوح أن وراء الغارة العدوانية على مطار بيروت أهدافاً أخرى منها: 1) تصفية العمل الفلسطيني الثلاثي بمختلف أشكاله العسكرية والسياسة والإعلامية والاجتماعية. وقد بينت صحيفة “جيرزواليم بوست” الإسرائيلية هذا الأمر في عددها الصادر في اليوم التالي للغارة العدوانية حين قالت: “إن الإسرائيليين يريدون من لبنان الرسمي أن يقوم بتصفية سريعة للنشاط الفدائي من جذوره”. 2) تحطيم مرفق اقتصادي حيوي لبناني، وهو الأسطول الجوي المدني. إذ أن لبنان كمركز للنشاط الاقتصادي بشكل عام، وكبلد سياحي بشكل خاص، هو في نظر الكيان الصهيوني، منافس كبير له، ولمؤسساته العالمية الاقتصادية. 3) تهيئة المناخ الملائم لتحطيم المجتمع اللبناني، فالقوى الوطنية هي من أنصار مقاومة العدوان الصهيوني وحماية العمل الفدائي والتحالف معه للاستمرار في معركة الكفاح ضد الصهيونية (وإسرائيل). 4) إرهاب القوى الوطنية في الوطن العربي ودفعها إلى اليأس من تحقيق نصر على العدو الإسرائيلي فالقيام بمغارات مسرحية تبرز بها الصهيونية “مهاراتها” و”عضلاتها”. وقد شجب الرأي العام العالمي العدوان الإسرائيلي على مطار بيروت. وظهر ذلك واضحاً في معظم الصحف العالمية، وفي مواقف قسم كبير من دول العالم وتصريحات المسؤولين فيها. كما ظهر واضحاً أيضاً في القرار الذي اتخذه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تحت رقم 262 يوم 31/12/1968، إذ أبدت جميع الدول الاعضاء هذا القرار الذي تضمن الفقرات الآتية. “1) يدين (مجلس الأمن) إسرائيل لعملها العسكري المدبر، الذي يشكل خرقاً لاتزاماتها بموجب الميثاق، ولقرارات وقف إطلاق النار. “2) يعد (المجلس) أعمال العنف المدبرة هذه تهديداً للسلام. “3) يصدر (المجلس) تحذيراً شديداً إلى إسرائيل من العودة إلى ارتكاب مثل هذه الأعمال، وإلا وجد المجلس نفسه مضطراً إلى دراسة اتخاذ خطوات أخرى تكفل تنفيذ قراراته. “4) يعتبر (المجلس) أن للبنان الحق في أن ينال التعويض الملائم عن الدمار الذي لحق به، والذي أقرت إسرائيل أنها مسؤولة عنه”.   المراجع:   مجموعة الصحف العربية والأجنبية، أواخر 1968 ومطلع 1969. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين والصراع العربي – الإسرائيلي (1947 – 1974)، بيروت 1975.