سعيد العاص

أحد قادة الثورية السورية الكبرى سنة 1925 ومناضل نذر نفسه للجهاد في سبيل أمته. و”العاص” لقبه العسكري فهو من أسرة شهاب. ولد في مدرسة حماة السورية وتلقى فيها دراسته الابتدائية ثم أكمل الدراسة الرشيدية والاعدادية في دمشق وتخرج من الكلية الحربية في الابتدائية سنة 1907. عين ضابطاً في دمشق ثم تنقل بين مراكز عسكرية مختلفة حتى التحق بمدرسة الأركان الحربية سنة 1908. وقد أخرج من هذه المدرسة لأسباب سياسية عربية فسافر مع فرقته إلى المقاطعات الأوروبية من الدولة العثمانية حيث اشترك في قتال الثائرين ضد الحكم العثماني في البلقان. وأسره اليونان في منتصف سنة 1911 ولكنه فر من الأسر إلى الأستانة. اشترك أثناء وجوده في العاصمة العثمانية في التنظيمات العربية السرية كحرب العهد* العسكري. ولما عين مأموراً في المهمات الحزبية بدمشق قوي نشاطه في الحركة العربية فأبعدته السلطات العثمانية إلى ميدان القتال في جناق قلعه. ثم استدعي للمحاكمة أمام الديوان العرفي في عاليه وحكم عليه بالإعدام لا تساويه إلى الجمعيات العربية، وأبدل بالاعدام الحبس سنة ونصفاً أمضاها في  سجني حلب وعاليه، ونفي بعد ذلك إلى جوروم ثم عاد إلى وطنه يوم دخول فيصل بن الحسين حلب. تنقل سعيد العاص في عدد من المناصب العسكرية أيام الحكم العربي الفيصلي بدمشق فتولى الشعبة الثالثة بدائرة الشورى الحربية ثم نقل إلى منطقة الزبداني ومنها الى مفتشية التجنيد العامة. ثم ذهب إلى منطقة جسر الشغور وصهيون وجبل الأكراد. وبعد نزوح الملك فيصل عن سورية اشترك في الأحداث والمعارك الحربية ضد الفرنسيين الذين نزلوا ساحل اللاذقية وحضر معارك الشيخ صالح على الأخيرة أمام أبواب العمرانية. وقد قبض عليه في حماة وسجن شهرين. وفي عام 1921 هرب إلى شرقي الأردن وتولى هناك عدداً من المناصب فعين قائداً للسرية الاحتياطية ثم أميناً للسر العام للأمين العام، وقائدا لمفرزة “كاف” ثم وكيلاً لمدير التعليم، وأخيراً مديراً عاماً  لشرطة عمان. ولما نشبت الحرب بين الهاشميين والسعوديين في الحجاز سنة 1923 تطرح في الجيش الحجازي وقاد الدفاع عن مدينة حدة وصمد طويلاً في وجه القوات الكبيرة المهاجمة. عاد إلى عمان ومنها إلى سورية عند نشوب الثورة السورية الكبرى سنة 1925 واشترك في بعض المعارك في جبل العرب والغوطة والنبك إلى حوار فوزي القاوقجي* وغيره من قادة الثورة السورية. وانسحب بعد ذلك إلى المناطق الشمالية وقاد الثوار في كثير من المعارك في مختلف المناطق كحمص وحماة والهرمل وعكار. ثم عاد إلى الغوطة وجبل العرب. وقد جرح سعيد العاص خلال هذه المعارك مرتين. لم يقر لسعيد العاص قرار بعد انتهاء الثورة السورية وظل يتوثب للنضال إلى أن تفجرت ثورة فلسطين الكبرى سنة 1936 (رَ: ثورة 1936 – 1939) فكان في طليعة أبناء الأقطار العربية الذين التحقوا بها بعد نحو شهر ونصف من بدايتها. وقد دخل فلسطين في الأسبوع الأول من شهر أيلول 1936 عن طريق شرقي الأردن مع عدد من إخوانه المجاهدين الذين اشتركوا معه في الثورة السورية. وقد اختار ميداناً لنضاله منطقة جنوبي القدس (الخليل – بيت لحم) حيث كانت الثورة في بدايتها وعدد الثوار قليلاً. بدأ سعيد العاص منذ وصوله يعمل على تغذية الثورة بأعداد من المتطوعين. وأخذ يتصل بقرى المنطقة، ويعد الرحال والعتاد يعاونه في ذلك عبد القادر الحسيني* (بعد إطلاق سراحه من معتقل صرفند). وقد استجابت له أعداد كبيرة من المجاهدين فقادهم في معارك طاحنة ضد الإنكليز كانت مساحاتها تمتد أحياناً بضعة كيلومترات. وكان يشاركهم فيها المئات من أبناء المنطقة الذين كانوا يعملون في فصائل مستقلة. دارت أهم المعارك في 24/9/1936 عند جبال قرية حلحول* على طريق بيت لحم – الخليل. وقد اختار القائد سعيد العاص القرية مركزاً لتهيئة الهجوم وتعمد توقيت المعركة في رابعة النهار كي يتسنى للمجاهدين القضاء على أكبر عدد ممكن من الجنود البريطانيين. وقد أغلق الطريق العام بالحجارة الكبيرة ثم وزع الثوار إلى ثلاثة أقسام رابط القسم الأكبر منها في الجبال، وتوزع القسمان الآخران جنوبي الطريق وشماليه لمنع وصول النجدات إلى القوات المعادية في مسرح القتال. وقد انتهت المعركة بانتصار الثوار انتصارا مؤزراً بعد قتال استمر 15 ساعة وقضوا فيه أكثر من 40 جندياً بريطانيا، وغنموا كمية من الأسلحة، في حين استشهد منهم ثلاثة مجاهدين. ونتيجة هذا الفشل جمع الإنكليز قوة تزيد على 3.000 جندي وبدأوا يوم 4/10/1936 عملية تطويق واسعة للمنطقة التي كان فيها سعيد العاص مع 120 ثائراً معتصمين في جبال الخضر. وكان القائد يراقب من مكمنه التحركات البريطانية ويرى طوق الحصار يضيق حوله فوزع معظم رجاله، حفاظاً عليهم، وبقي مع خمسة وعشرين مجاهداً (منهم عبد القادر الحسيني) أبوا أن يفارقوه وظلوا ينتظرون لقاء الأعداء. وكان اللقاء صباح 6/10/1936 ودار قتال عنيف بين الثوار القلائل وآلاف الجنود البريطانيين، واستخدم السلاح الأبيض حين نفذت الذخيرة من المجاهدين. وقد استشهد القائد سعيد العاص في هذه المعركة بعد أن أبدى من ضروب الشجاعة والبسالة ما يخلد ذكره. كما أصيب مساعده عبد القادر الحسيني بجراح فأسر، ولكنه فر من السجن. وقد دفن جثمان المجاهد الكبير سعيد العاص في قرية الخضر في احتفال شعبي كبير وأقيمت له حفلات تأبين متعددة ورثاه كثيرون منهم أمين الريحاني الذي سماه “فارس الثورات”. وكان العاص عضواً في الحزب السوري القومي ويعتبره الحرب من كبار وأوائل شهدائه.   المراجع: –         محيى الدين السفرجلاني: تاريخ الثورة السورية، دمشق 1961. –         صبحي ياسين: الثورة العربية الكبرى في فلسطين، دمشق 1959. –         منير الريس: الكتاب الشعبي للثورات الوطنية في المشرق العربي، بيروت 1976. –         محمد عزة دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، ج1، بيروت 1959. –         عيسى السفري: فلسطين بين الانتداب والصهيونية، يافا 1937. –         أميل الغوري: فلسطين عبر ستين عاماً، ج2، بيروت 1972. –         أدهم الجندي: تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي، دمشق 1960. –         أكرم زعيتر: الحركة الوطنية الفلسطينية (1935 – 1936)، بيروت 1980.