تقرير المصير

أهدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 181 (الدورة 2) بتقسيم فلسطين* حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره، إذ لم تحترم رغبة هذا الشعب الواضحة والصريحة في أن يتم إنهاء الانتداب البريطاني على وطنه بإقامة دولته المستقلة، وجنحت خطأ إلى التوصية بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية، وإنشاء نظام خاص لمدينة القدس. ومضت الأمم المتحدة تغض الطرف عن حقوق الشعب الفلسطيني، ومنها حقه في تقرير المصير، حين تعامت عن ابتلاع (الدولة اليهودية) التي أوصت بإنشائها لمزيد من الأراضي المخصصة للدولة العربية، وإخراج سكانها منها بالقوة لينضموا إلى من سبقهم من “المخرجين” في خيام اللجوء في الأقطار المجاورة، أو المشردين في كل حدب وصوب. كل ما فعلته الأمم المتحدة ممثلة في جمعيتها العامة كان اكتفاءها بالتوصية في قرارها رقم 194 الصادر في 11/12/1948 “بوجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم, ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر يكون من الواجب، وفقاً لمبادىء القانون الدولي والانصاف، أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة”. ودأبت الجمعية العامة منذئذ على توكيد هذا الحق في العودة أو التعويض سنوياً (رَ: العودة، حق). وفي حين كرست الأمم المتحدة وجود (الدولة اليهودية) المؤسسة تحت اسم (دولة إسرائيل) بقبولها في عضويتها عام 1949 (رَ: إسرائيل في الأمم المتحدة، عضوية –) عاملت الشعب الفلسطيني المشرد على أنه مجموعة لاجئين لا حق لهم سوى في العودة أو التعويض ووفق شروط مبهمة، ودون أن يكون هذا الحق مدعوماً بأي تصرف يوحي بتصميم الأمم المتحدة على إنقاذه. كل ما فعلته الجمعية العامة لهؤلاء اللاجئين العرب الفلسطينيين هو إنشاء صندوق خاص بإغاثتهم (القرار 212 تاريخ 19/11/1948) ثم بدلت به وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى* (القرار 302 تاريخ 8/12/1949). وهكذا انحسرت قضية شعب بأسره فغدت مشكلة لاجئين فحسب، وطويت قضية فلسطين من جداول أعمال المنظمة الدولية ليحل محلها موضوع مناقشة التقرير السنوي للمفوض العام للوكالة المذكورة. ومع أن هذه المناقشة السنوية كانت تتطور في الجمعية العامة لتصب على ظلامة الشعب الفلسطيني وحقوقه الأساسية ومنها حقه في تقرير مصيره فإن حصيلة المناقشات كانت لا تتعدى التصديق على تقرير المفوض العام، وتوكيد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة أو التعويض (رَ: فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، قضية –). من جهة أخرى شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة ولجنتاها الثالثة والرابعة، منذ مطلع الخمسينات وحتى منتصف الستينات، مناقشات مستمرة حادة حول المركز القانوني “لتقرير المصير” ومضمونه، وتحديد الجماعات البشرية التي يحق لها ممارسته وأساليب هذه الممارسة. ذلك أن النص على تقرير المصير ورد عاماً وغير متفق على طبيعته وحدوده في مادتين من مواد ميثاق الأمم المتحدة: المادة 1 (2) والمادة 55، وذلك بناء على اقتراح سوفيتي قدم الأول مرة في مشاورات الأربعة الكبار السابقة لمؤتمر سان فرنسيسكو سنة 1945. وتدل محاضر المؤتمر على أن مندوبي الدول الخمسين المشتركة فيه الذين أجمعوا على إدخال “تقرير المصير” في هذه الوثيقة القانونية التي تعد بحق دستور العلاقات الدولية في عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكونوا متفقين على قيمته القانونية (هل هو حق أو مبدأ)، ولا على معناه، ولا على ما يتبع ذلك من آثار. ولا أدل على ذلك من التفاوت البين بين النصين الإنكليزي والفرنسي للمادتين اللتين نصتا عليه. ففي حين اكتفى النص الإنكليزي بالإشارة إليه على أنه مبدأ Principle ذهب النص الفرنسي – وهو مكافىء للنص الإنكليزي في القيمة القانونية – إلى الإشارة بأنه حق Droit. مع مطلع الخمسينات، وفي سياق المعركة التي شنتها الدول الصغرى ودول المجموعة الاشتراكية على الدول الاستعمارية التي تمكنت من التمييز في الميثاق بين نوعين من المستعمرات: الأقاليم الموضوعة تحت الوصاية (وكانت تؤلف أقلية المستعمرات)، والأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي (وكانت تؤلف أغلبية المستعمرات)، حتى إن الميثاق جعل الاستقلال أو الحكم الذاتي الهدف الذي تسعى الأمم المتحدة إلى تحقيقه للفئة الأولى، في حين اكتفى بالحكم الذاتي هدفاً نهائياً للفئة الثانية، في سياق هذه المعركة، وفي عام 1950 على وجه التحديد، لجأ المناضلون ضد الاستعمار إلى “تقرير المصير” من أجل التعويض عما أخفق الميثاق في النص عليه في الفصل الحادي عشر الخاص بالأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. وكانت حجة هؤلاء أنه ما دام تقرير المصير حقاً للشعوب جميعاً بدون استثناء فإن شعوب الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي تستطيع، من خلال ممارستها لهذا الحق، اختيار الاستقلال كواحد من المراكز القانونية التي تصل إليها عندما تتحرر من الاستعمار. وكان أول من استخدم هذه الحجة وطرحها في ميدان المعركة مع الاستعمار في الأمم المتحدة مندوبا السعودية وأفغانستان. غير إن إثارة موضوع تقرير المصير على هذا النحو أثار من جديد الجدل الحاد الذي شهدته جلسات سان فرنسيسكو حوله حتى أصبح تقرير المصير مادة قائمة بذاتها استنفرت الوفود في الجمعية العامة ولجنتيها الثالثة والرابعة نيفا وعشر سنوات، إلى أن تمكنت أغلبية الدول – وخاصة بعد انضمام المزيد من الدول الحديثة الاستقلال إلى عضوية المنظمة الدولية – تمكنت من استصدار مجموعة متلاحقة من القرارات الصادرة عن الجمعية العامة كان من أهمها القرار التاريخي رقم 1514 (الدورة – 15) الصادر في 14/12/1960 والخاص بمنح الاستقلال للشعوب والأقاليم المستعمرة. والقرار رقم 2625 (الدورة – 35) الصادر في 24/11/1970 المتضمن مبادىء القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفق أحكام ميثاق الأمم المتحدة والذي أقر بتفصيل وإسهاب مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها من بين هذه المبادىء. كذلك فإن الاتفاقيتين الخاصتين بحقوق الإنسان اللتين أوصت الجمعية العامة بإبرامهما عام 1966 تتصدرها مادة واحدة في المعنى (المادة الأولى) عن حق تقرير المصير. ويمكن إجمال ما تمخضت عنه الأمم المتحدة حول تقرير المصير بالآتي: 1)   تقرير المصير ليس مجرد مبدأ سياسي يجوز إهماله، وإنما هو حق قانوني، بل واحد من أهم حقوق الإنسان، وواحد من قواعد القانون الدولي اللازمة للتعاون بين الدول وقيام علاقات ودية بينها. وفوق هذا فثمة اتجاه فقهي متصاعد لاعتبار مبدأ حق تقرير المصير من النظام العام الدولي Jus Cogens. 2)   تقرير المصير حق لجميع الشعوب على الاطلاق، وفيها شعوب الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والمشمولة بالوصاية. 3)   كلمة الشعب هنا تعني مجموعة الأفراد الذين يقطنون إقليماً محدداً، أي سكان الدول، أو سكان الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، أو سكان الأقاليم المشمولة بالوصاية، أو سكان المستعمرات الأخرى التي ترفض الدول المستعمرة إدخالها في الفئتين السابقتين (كشعوب المستعرات البرتغالية وزيمبابوي سابقاً، وشعب ناميبيا). وحق تقرير المصير هو حق أغلبية السكان، لا حق الأقلية. فهو لا يعني حق الأقليات في الانفصال عن البلد الأصلي. 4)   يعني حق تقرير المصير – بالنسبة إلى الشعوب المستعمرة – إما الاستقلال الناجز، وإما الانضمام إلى الدولة الوصية، وإما الانضمام إلى دولة مجاورة. أما بالنسبة إلى الشعوب عموماً فيعني حق كل شعب في أن يقرر بحرية وبدون أي تدخل خارجي وضعه السياسي، وأن يتابع تطوره الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وعلى كل دولة واجب احترام هذا الحق تمشياً مع نصوص الميثاق. 5)   يمارس حق تقرير المصير بالاستفتاء الشعبي المباشر، وعلى أساس أن لكل إنسان صوتاً واحداً. ويفضل أن يتم الاستفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة. غير أن شيئاً ما لا يمكن أن يحول بين الشعوب المعني وممارسته حقه في تقرير المصير بالكفاح المسلح. وعلى الأمم المتحدة والدول الأعضاء تمشياً مع أهداف ومبادىء الأمم المتحدة أن تقدم للشعب المعني ما يحتاج إليه من مساعدة للوصول إلى حقه في تقرير مصيره. ويلاحظ أن ممارسات الأمم المتحدة حول طبيعة تقرير المصير ومضمونه ليست ذات صفة إنشائية، بل ذات صفة إظهارية وحسب. فالحق مقنن بميثاق الأمم المتحدة. وما ممارسات الأمم المتحدة إلا تفريغ وتفصيل لمبدأ موجود، لكنها تظهر بجلاء ووضوح مدى إهدار الأمم المتحدة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، حين استصدرت جمعيتها العامة قرار التقسيم، ثم حين راحت في غيبوبة سياسية عن الشعب ذاته إغفالاً وتجاهلاً. وقد كان على الأمم المتحدة أن تصحو من غيبوبتها السياسية هذه في أكثر من مناسبة لعل أبرزها حرب 1967* التي أدت إلى ابتلاع (إسرائيل) ما كان قد تبقى من فلسطين بحدودها الدولية (الضفة الغربية وقطاع غزة)، واقتلاع مئات الألوف من سكانها والإمعان في معاملة من لم يهجر منهم معاملة ذاتها المجتمع الدولي أكثر من مرة. غير أن شيئاً من هذا لم يحصل. وعلى العكس فقرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في 22/11/1967 اكتفى بتوكيد الحاجة إلى “تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين”. ويلاحظ أن كلمة لاجئين وردت مطلقة دون تخصيص، مما حفز (إسرائيل) وأنصارها على الزعم أن المقصود هنا هو اللاجئون العرب الفلسطينيون، وكذلك اللاجئون من اليهود الذين تركوا الأقطار العربية في أعقاب إقامة (إسرائيل)، مع أن المقارنة غير ممكنة بين من هاجر ومن هجر. فمعظم يهود البلاد العربية تركوا أقطارهم طوعاً، وتحت تأثير الدعاوة الصهيونية، أما الفلسطينيون فقد هجروا من بلداهم بالإكراه والعنف (رَ: إخراج الفلسطينيين من ديارهم، 1948). واستمر شعب فلسطين وحقوقه الوطنية الثابتة غائبين عن قرارات الأمم المتحدة حتى أواخر الستينات. لكن بداية التحول ظهرت في عام 1969. ويعود الفضل الأول في هذا التحول إلى اشتداد وتصاعد صمود الشعب الفلسطيني وكفاحه المسلح للاستعمار الاستيطاني الصهيوني، سواء داخل الأرض المحتلة عام 1948، أو تلك المحتلة في عام 1967، وضربه الأهداف الصهيونية في فلسطين وخارجها. فهذه المقاومة الفلسطينية المسلحة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية* بدأت تشد اهتمام الرأي العام العالمي في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، بل في عدد من الدول الأوروبية، وتظهر أن الشعب الفلسطيني الذي زعمت غولدا مائير يوماً أنها لم تسمع به أصلاً، موجود في كل مكان، ومستعد للفداء من أجل استرجاع حقوقه الوطنية الثابتة. في العاشر من كانون الأول 1969، وبعد مناقشة أوضاع الفلسطينيين من خلال تقرير المفوض العام لوكالة الإغاثة (الأونروا)، أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 2535 /أ، ب، جـ (الدورة – 24) بعنوان “الأسف لعدم تنفيذ قرار عودة اللاجئين أو التعويض عليهم، وتأكيد الحقوق الثابتة لسكان فلسطين، ولفت نظر مجلس الأمن إلى السياسة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، وتمديد ولاية الأونروا”. وقد لاحظت الجمعية العامة في هذا القرار، مع الأسف الشديد، أنه لم تتم إعادة اللاجئين إلى ديارهم أو تعويضهم حسب ما نصت عليه قراراتها السابقة، وأن حالة اللاجئين لذلك لا تزال مدعاة للقلق الشديد. وأكدت الجمعية العامة في القسم (ب) من هذا القرار أن “مشكلة اللاجئين العرب الفلسطينيين ناشئة عن إنكار حقوقهم الثابتة المقررة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان”. وانتهت الجمعية العامة في هذا القسم من القرار إلى أن تؤكد من جديد حقوق شعب فلسطين الثابتة، وتلفت نظر مجلس الأمن إلى الحالة الخطيرة الناشئة عن سياسة (إسرائيل) وممارساتها في الأقاليم المحتلة، وعن رفض (إسرائيل) تنفيذ القرارات الصادرة عن الجمعية العامة عبر السنوات الطوال المنصرمة. صحيح أن هذا القرار صدر في سياق مناقشة تقرير المفوض العام للأونروا، وأنه استخدم في غير موضع كلمة “اللاجئين”، إلا أنه تميز بأمرين: أولهما أنه تحدث عن أن مشكلة هؤلاء اللاجئين ناشئة أساساً عن إنكار حقوقهم المقررة في الميثاق والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن بينها حق تقرير المصير. وثانيهما أنه استخدم لأول مرة عبارة “حقوق شعب فلسطين الثابتة” أي أنه أقر للفلسطينيين بصفة الشعب بعدما ظلوا خلال نحو عقدين من الزمن يوصفون باللاجئين. ومع نهاية عام 1970 تحركت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطوة أخرى في الطريق الصحيح من خلال مناقشاتها حقوق شعب فلسطين. واستصدارها القرارات 2628، 2649، 2672 (الدورة – 25). في هذه المرة لم تكتف الجمعية العامة باعترافها بالفلسطينيين شعباً، بل اعترفت أيضاً بحق هذا الشعب في تقرير مصيره. ولعل القسم (ج) من القرار 2672 هو الأكثر أهمية وتكاملاً في هذا السبيل. وينص هذا القسم على ما يلي: “إن الجمعية العامة، “إذ تدرك أن مشكلة اللاجئين العرب الفلسطينيين ناشئة عن إنكار حقوقهم الثابتة المقررة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، “واذ تذكر قرارها 2535 ب (الدورة – 24)… الذي أكدت فيه من جديد حقوق شعب فلسطين الثابتة. وإذ تضع نصب عينيها مبدأ تساوي الشعوب في الحقوق وحقها في تقرير المصير المكرس في المادتين 1 و55 من ميثاق الأمم المتحدة، والمعاد تأكيده لآخر مرة في الإعلان الخاص بمبادىء القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة. “1) تعترف لشعب فلسطين بالتساوي في الحقوق وبحق تقرير المصير وفقاً لميثاق الأمم المتحدة. “2) وتعلن أن الاحترام التام لحقوق شعب فلسطين الثابتة هو عنصر لا غنى عنه في إقامة سلم عادل ودائم في الشرق الأوسط”. وهكذا حاولت الجمعية العامة، لأول مرة في تاريخها، أن تترجم مفهومها لحقوق الفلسطينيين بطريقة لا تدع مجالاً للبس. فالفلسطينيون شعب بالمعنى القانوني للكلمة أنكرت حقوقه الثابتة حتى غدا لاجئاً. وبالتالي يقضي انصافه بالعودة إلى الاعتراف به كما هو أصلاً شعباً له من الحقوق ما لغيره من الشعوب، ومن هذه الحقوق حق تقرير المصير بكل أبعاده ومضامينه. وبدون احترام هذه الحقوق للشعب الفلسطيني لا يمكن إقامة سلم عادل ودائم في المنطقة.أي أن مشكلة الشعب الفلسطيني هي جوهر النزاع في الشرق الأوسط. صحيح أن هذا القسم من القرار 2672 اتخذ بأكثرية ضئيلة، إذ صوتت معه سبع وأربعون دولة في حين عارضته اثنتان وعشرون دولة، وامتنعت خمسون دولة عن التصويت، إلا أنه يعد نقطة تحول جوهرية في نظرة الأمم المتحدة، ممثلة في جمعيتها العامة، تجاه الشعب الفلسطيني. أما القرار 2787 (الدورة – 26) الصادر في 6/12/1971، فقد سارت فيه الجمعية العامة باتجاه توكيد شرعية النضال من أجل تقرير المصير للشعوب الواقعة تحت حكم استعماري وأجنبي، ومنها الشعب الفلسطيني. كما أعرب القرار رقم 2792/د/(الدورة – 26) الصادر في 6/12/1971 عن قلق الجمعية العامة البالغ لعدم السماح لشعب فلسطين بالتمتع بحقوقه الثابتة وبحقه في تقرير مصيره. وتكرر موقف الجمعية العامة نفسه، وبلهجة أشد قليلاً في قرارها رقم 2963 /هـ(الدورة – 27) الصادر في 13/12/1972 وبالقرار رقم 3089 /ج و د (الدورة – 28) الصادر في 7/12/1973. ويلاحظ أن نسبة الدول المؤيدة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره كانت تتزايد عبر السنين، فقد صوت إلى جانب القرار الأخير 87 دولة ولم تعارضه سوى ست دول، في حين امتنعت 33 دولة عن التصويت. على أن أكثر التطورات أهمية في موقف الأمم المتحدة  تجاه الشعب الفلسطيني جاءت في أعمال الدورة التاسعة والعشرين للجمعية العامة حين بدأت آثار حرب 1973* تأخذ أبعادها السياسية والمالية والنفطية. فقد رأت الجمعية العامة في القراررقم 3210 (د – 29) الصادر في 14/10/1974 أن “الشعب الفلسطيني هو الطرف الأساسي المعني بقضية فلسطين. لذلك قررت دعوة منظمة التحرير الفلسطينية الممثلة للشعب الفلسطيني إلى الاشتراك في مداولات الجمعية العامة بشأن قضية فلسطين”. وقد صوتت 105 دول إلى جانب هذا القرار، ولم تعارضه إلا أربع دول فقط هي إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وبوليفيا والدومنكان، في حين امتنعت عشرون دولة عن التصويت. ولما كان قد تم في هذه الدورة إدراج قضية فلسطين بنداً مستقلاً على جدول أعمال الجمعية العامة لأول مرة منذ أواخر الأربعينات فقد فتحت ملفات القضية كاملة وبصورة مباشرة وجدية بمشاركة وقد يمثل الشعب الفلسطيني، وباعتراف الأمم المتحدة ذاتها. وتمخضت هذه الدورة عن مجموعة من القرارات أهمها من غير شك القرار رقم 3236 الصادر في 22/11/1974 بأغلبية 89 صوتاً مقابل 8 أصوات وامتناع 37. ويحمل هذا القرار التاريخي عنوان “قرار حقوق الشعب الفلسطيني”. وهو القاعدة التي تنطلق منها معالجة الجمعية العامة لقضية الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره. “إن الجمعية العامة …. “1- تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة في فلسطين وخصوصاً: أ‌-       الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي. ب‌-  الحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين. “2- وتؤكد من جديد أيضاً حق الفلسطينيين الثابت في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا عنها واقتلعوا منها، وتطالب بإعادتهم. “3- وتشدد على أن الاحترام الكلي لحقوق الشعب الفلسطيني الثابتة هذه، وإحقاق هذه الحقوق، أمران لا غنى عنهما لحل قضية فلسطين. “4- وتعترف بأن الشعب الفلسطيني طرف رئيسي في إقامة سلم عادل ودائم في الشرق الأوسط. “5- وتعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقاً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه. “6- وتناشد جميع الدول والمنظمات الدولية أن تمد بدعمها الشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه وفقاً للميثاق. “7- وتطلب إلى الأمين العام أن يقيم اتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية في كل الشؤون المتعلقة بقضية فلسطين”. وبموجب القرار 3237 (الدورة – 29) الصادر بتاريخ 22/11/1974 منحت منظمة التحرير الفلسطينية مركز المراقب الدائم في دورات الجمعية العامة وجميع المؤتمرات التي تعقد تحت إشراف الأمم المتحدة أو أي من وكالاتها المتخصصة. وهي صفة لم يسبق أن منحت لأي من حركات التحرر الوطنية في تاريخ الأمم المتحدة. وفي الدورة الثلاثين خطت الجمعية العامة خطوة أبعد باتخاذها سلسلة من القرارات أهمها القرار 3376 (الدورة – 30) تاريخ 10/11/1975. وفيه دعت الجمعية العامة، من خلال إعادة تأكيد قرارها رقم 3236 السابق، دعت منظمة التحرير الفلسطينية كممثل لشعب فلسطين إلى الاشتراك في جميع الجهود والمناقشات والمؤتمرات الخاصة بالشرق الأوسط التي تعقد تحت إشراف الأمم المتحدة، على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى. وفي الدورة ذاتها أعربت الجمعية العامة عن قلقها البالغ بسبب عدم تحقيق أي تقدم باتجاه الأهداف المذكورة في القرار 3236، وقررت تأليف لجنة من عشرين من الدول الأعضاء للبحث في ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الثابتة وفق أحكام القرار 3236 (29). وفي الدورة الرابعة والثلاثين المنعقدة عام 1979 رفضت الجمعية العامة اعتماد ما جاء في اتفاقيات كامب ديفيد* ومعاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية* حول حقوق الشعب الفلسطيني، وأعادت توكيد قرارها 3236 (29). وفي 15/12/1980 أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 35/169 وقد استذكرت فيه جميع قراراتها السابقة حول حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ولاحظت بقلق شديد عدم امتثال (إسرائيل) لهذه القرارات وبالتالي عدم تحقيق حل عادل لمشكلة فلسطين لأن هذه المشكلة ما زالت تؤدي إلى تفاقم النزاع في الشرق الأوسط الذي تمثل لبه، وإلى تعويض السلم والأمن الدوليين للخطر، ولأن قرار مجلس الأمن 242 (1967) لا يؤمن مستقبل الشعب الفلسطيني وحقوقه غير قابلة للتصرف التي يمثل تحقيقها شرطاً لا بد منه لإيجاد حل عادل لقضية فلسطين. وأكدت الجمعية العامة في هذا القرار توصيات اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف التي اعتمدتها الجمعية في دورتها الحادية والثلاثين، وقد ورد في هذه التوصيات ما يلي بالنسبة لحقه في تقرير المصير. “أ- أن يضع مجلس الأمن جدولاً زمنياً لانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي انسحاباً كاملاً من المناطق التي احتلت عام 1967. “ب- قد يحتاج مجلس الأمن إلى توفير قوات مؤقتة لصيانة السلم بقصد تيسير عملية الانسحاب. “ج- أن يطلب مجلس الأمن إلى إسرائيل أن تمتنع عن إنشاء مستعمرات جديدة، وأن تنسحب خلال هذه الفترة من المستعمرات المنشأة منذ عام 1967، وذلك مع وجوب الابقاء على الممتلكات العربية وكل المرافق الأساسية في المناطق سليمة من غير مساس. “د- أن يطلب إلى إسرائيل أن تمتثل امتثالاً كاملاً لأحكام اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب لعام 1949، وأن تعلن، ريثما يتم انسحابها العاجل من هذه الأراضي، اعترافها بانطباق هذه الاتفاقية. “هـ- أن تتسلم الأمم المتحدة الأراضي التي يتم الجلاء عنها وجميع الممتلكات والمرافق فيها سليمة بغير مساس، فتقوم بعد ذلك، بالتعاون مع جامعة الدول العربية، بتسليم هذه المناطق التي تم الجلاء عنها إلى منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها ممثلة الشعب الفلسطيني. “و – أن تساعد الأمم المتحدة، إذا اقتضى الأمر، في إقامة خطوط مواصلات بين غزة والضفة الغربية. “ز- أن تقوم الأمم المتحدة، بمجرد إنشاء الكيان الفلسطيني المستقل، وبالتعاون مع الدول المعنية مباشرة ومع الكيان الفلسطيني، ومع مراعاة قرار الجمعية العامة 2375د/30، باتخاذ ترتيبات أخرى من أجل إعمال حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف إعمالاً كاملاً، وحل المشكلات المعلقة، وإقامة سلم عادل ودائم في المنطقة وفقاً لجميع قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بذلك. ” ح- أن تقدم الأمم المتحدة المساعدة الاقتصادية والتقنية اللازمة لدعم الكيان الفلسطيني”. ولا تزال قضية فلسطين، كبند مستقل، تدرج سنوياً على جدول أعمال الأمم المتحدة. أما مجلس الأمن فقد درس قضية فلسطين من خلال تقارير لجنة ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الثابتة.  جلي مما تقدم ولا سيما مما ورد في القرار 3236 (29) أن الأكثرية الساحقة للمجتمع الدولي ممثلاً في الجمعية العامة للأمم المتحدة تعترف بما يلي: 1)   الفلسطينيون شعب كامل متكامل كما هو المقصود بالتعريف الوارد في الفقرة الثانية من المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، وليسوا مجرد أعداد من اللاجئين يتمتعون بحق محدد في العودة أو التعويض. 2)   الفلسطينيون شعب له قضية مشروعة يدافع عنها ويناضل من أجلها، وله حقوق ثابتة مثله في ذلك مثل الشعوب الأخرى. 3)   من بين الحقوق الثابتة التي يقر المجتمع الدولي بها  للفلسطينيين حقا العودة وتقرير المصير. 4)   الفلسطينيون كشعب له حقوقه الثابتة بما فيها حقا العودة وتقرير المصير يملكون جميع الوسائل لإحقاق حقوقهم، بما في ذلك الكفاح الوطني السياسي والعسكري وسواهما إذا أخفقت الوسائل الأخرى. وأي إجراء يتخذ لمنع الفلسطينيين من ممارستهم تلك مندد به دولياً من قبل الأمم المتحدة التي تلتزم، منطقة ودولاً أعضاء، بإعطاء الفلسطينيين جميع العون واللازم للوصول إلى حقوقهم الثابتة (الفقرة 5 و 6 من القرار 3236). 5)   الفلسطينيون ممثلين بمنظمة التحرير الفلسطينية هم الطرف الأساسي في النزاع العربي – الإسرائيلي، وبدون اشتراكهم التام والحر لن يكون هناك سلام ودائم وعادل في الشرق الأوسط. إذن فالمسألة الفلسطينية هي جوهر النزاع في هذه المنطقة. ويلاحظ أن الجمعية العامة تخلت في قرارها 3236 (29) عن التعويض بديلاً للعودة، وأصرت على العودة حقاً غير قابل للتصرف. وهذا الاصرار ينسجم مع طبيعة الأشياء. فما دام الشعب الفلسطيني صاحب الحق في تقرير مصيره، وما دامت أغلبية هذا الشعب تعيش خارج حدود إقليمه (فلسطين)، فلا بد له من العودة إلى دياره حتى يتمكن من ممارسة حقه في تقرير المصير الذي حددت ممارسات الأمم المتحدة مضمونه، وهو بإيجاز حق الشعب المعني في “أن يقرر بحرية ودون أي تدخل أجنبي وضعه السياسي، وأن يتابع تطوره الاقتصادي والاجتماعي والثقافي”. وبالنسبة إلى الشعب الفلسطيني حدد القرار 3236 جانباً متميزاً من مضمون حق تقرير المصير وهو الاستقلال والسيادة. غير أن الجمعية العامة ما زالت إلى هذا اليوم تقع في تناقض أساسي، إذ أنها تعود أثناء اعتماد تقرير المفوض العام للأونروا إلى توكيد نص المادة 11 من قرارها 194 (الدورة الثالثة) الذي يعالج مشكلة الفلسطينيين كلاجئين لهم الحق في العودة والتعويض. المراجع: –         مؤسسة الدراسات الفلسطينية: قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين والصراع العربي – الإسرائيلي، بيروت. –         Muhammad Aziz Shukri: The Concept of Self Determination in the United Nations 1965. –         Muhammad Aziz Shukri: Self Determination, And the Palestinians, Paper Presented to the “Colloque Palestinien” Brussels 1976. التقسيم (لجنة – الفنية): رَ: وود هيد (لجنة -):