انتقال الأراضي

كانت القوانين والأنظمة العثمانية عقبة أمام انتقال الأراضي إلى الصهيونيين، فقد حصرت القوانين الانتقال برعاياها وفيهم الفلسطينيون. أما بالنسبة إلى الشركات فقد وضع القانون العثماني الصادر بتاريخ 22 ربيع الأول 1331هـ (1913م) المتعلق بحق الشركات في امتلاك الأراضي قيوداً على الشركات التي تؤسس بقصد الزراعة من أهمها. 1)  أن تكون أسهمها اسمية، وهذا يحول دون حصول الأجانب عليها. 2)  أن يكون حامل الأسهم من التبعية العثمانية. 3)  أن يصرح في نظامها المصدق من الحكومة بصلاحيتها لتملك العقارات. 4) ألا تكون الأراضي مجاورة للقدس. وقد وصف وايزمان خطورة القوانين العثمانية التي ظلت نافذة في فلسطين لمدة قصيرة بقوله: “لا يمكن أن يكون في فلسطين وطن قومي بدون أرض. وإن تضييق هجرتنا لأسباب سياسية، أو وضع قانون يجعلنا غير قادرين على شراء الأراضي اللازمة لإنشاء مستعمراتنا معناه الفعلي نحو سياسة الانتداب نفسها”. لكن الإدارة العسكرية لفلسطين بين عامي 1918 و1920 كانت إدارة مؤقتة تمثل مرحلة انتقالية. وإذا كانت قد قامت بقييد عمليات شراء الأراضي، وأقفلت دوائر السجل العقاري بعد أن نقل الأتراك أو أتلفوا بعض سجلاتها، فإن هذه دوائر عادت تفتح أبوابها في أيلول 1920 بعد أن أصبحت فلسطين تحت الانتداب البريطاني برئاسة مندوب سام بريطاني صهيوني هو هربرت صموئيل وقد استخدم هذا جميع سلطاته لتنفيذ المخططات الصهيونية، ولا سيما في مجال تغيير القوانين العثمانية، والاستعاضة عنها بقوانين جديدة تضفي الشرعية على عمليات انتقال الأراضي إلى الصهيونيين. فكان قانون انتقال الأراضي الذي صدر في أيلول 1920 أول قانون يمهد الطرق أمام اليهود لامتلاك الأراضي. وكان ذلك إرضاء لوايزمن الذي ادعى أن سبب الجمود الذي تعاني منه حياة البلاد الاقتصادية يرجع إلى إغلاق السجل العقاري، وقال: “إن بناء الفنادق والمنازل وافتتاح المشاريع الصناعية والعمرانية وسواها من التحسينات التي تبرز الحاجة إليها ملحة يجري وقفها نتيجة للقيود المفروضة على انتقال الأراضي”. وزعم أو. أ. سكوت من موظفي وزارة الخارجية البريطانية أن هدف الإدارة من إصدار القانون وإعادة فتح دوائر السجلات العقارية هو مساعدة السكان أبناء البلاد وإعطاؤهم فرصة “إشباع حاجاتهم، والاستقرار باطمئان قبل بدء الهجرة الصهيونية التي من المحتمل أن يشرع بها فور تشكيل الإدارة المدنية”. لكن الحقيقة كانت غير ذلك لأن قانون انتقال الأراضي وضع الشروط الملائمة لاستيلاء الصهيونيين على الأرض. فقد جاء في ديباجته “وثني من المناسب أن يصرح بمعاملات يكون الغرض منها استعمال الأرض وزرعها حالاً”. أي أن القانون سمح بتسجيل أعمال البيع والشراء. وحدد في المادة السادسة شروط امتلاك الفرد العقارات بما يلي: 1)  الإقامة في فلسطين. 2)  أن ينوي زراعتها أو إعمارها بنفسه حالاً. 3)  ألا يزيد الحد الأقصى لمساحة الأرض المسموح بنقل ملكيتها على: (1) 300 دونم في الأراضي الزراعية. (2) 30 دونماً داخل المدن. أما الأراضي التي تزيد مساحتها على الحد الأعلى فقد أعطي المندوب السامي البريطاني سلطة الموافقة على انتقالها (المادة الثامنة). وإذا كان المشتري غير مقيم في فلسطين تسجل الأرض باسم “المصلحة العامة” التي تعني في نظر المندوب السامي- كما حددها صك الانتداب* ووعد بلفور*- إنشاء الكيان الصهيوني في أوسع مساحة ممكنة من الأرض الفلسطينية. وإذا أضيف إلى هذا التفسير للمصلحة العامة السلطات الواسعة التي يتمتع بها المندوب السامي أمكن إدراك الخطورة الفعلية لهذا القانون لأن المندوب السامي لم يكن يتوانى عن إعطاء موافقته، بل استغلال نفوذه، لتمليك الصهيونيين أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الزراعية في فلسطين. عمد القانون الجديد إلى ازالة جميع القيود المفروضة على انتقال الأراضي إلى الشركات الصهيونية. فقد أجاز لأي شركة تشتغل بالصرافة أو بالأعمال التجارية أن تملك الأراضي للقيام بمشروعها، إذ نصت المادة الثامنة على أنه “يجوز للمدير أن يخول أية شركة تتعاطى الصرافة حتى ارتهان الأراضي. وأن يجيز لأية شركة تجارية مسجلة في فلسطين امتلاك الأراضي الضرورية لمشروعها، ويجوز له – مع مراعاة الشروط الواردة في القانون العثماني- أن يوافق على انتقال أية أرض إلى أية هيئة مسجلة”. فالقانون إذن اشترط الإقامة في فلسطين لبيع أية أرض إلى أية هيئة أو شركة مسجلة. ولتنفيذ مخطط شركات الصرافة عملت إدارة المندوب السامي على إغلاق المصرف الزراعي، وهو الوحيد في فلسطين. فاضطر الفلاح الفلسطيني إلى اللجوء إلى شركات الصرافة الصهيونية للحصول على القروض. وإذا لوحظت الفوائد العالية التي كانت تؤخذ على القروض، والضرائب الباهظة التي كانت تثقل كواهل الفلاحين، أمكن إدراك خطورة الأمر، لأن قانون انتقال الأراضي نص على جعل المال غير المنقول مرتهناً، بل أخبار بيع الأموال غير المنقولة تنفيذاً لحكم أو وفاء لرهن. وقد تضمن قانون انتقال الأراضي لعام 1920 بعض القيود التي تمنع المضاربات في شراء الأراضي، ووجوب موافقة المندوب السامي على البيع، لكن هذه القيود أتت شكلية. وعلى الرغم من ذلك أصدرت حكومة الانتداب عام 1921، بتأثير الصهيونيين، تعديلاً ألغى المواد التي اعتبرها هؤلاء عقبة في سبيل تملكهم للأرض. وبهذا التعديل فتحت الأبواب على مصاريعها لحيازة الأرض العربية.  بعد تسع سنوات من وضع القانون موضع التنفيذ صرح مدير دائرة الأراضي إلى لجنة شو* “أن القانون لم تتضح معالمه في حال من الأحوال”. وقد انتقلت مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية إلى اليهود ( نحو نصف مليون دونم في منطقة الحولة ووادي الحوارث* ومرج ابن عامر*). وجدير بالذكر أن هذه الأراضي كانت من أملاك أسر لبنانية وسورية تعيش خارج فلسطين. لقد نتج عن عمليات الاستيلاء على الأراضي وجود طبقة من الفلاحين الذين لا يملكون الأرض، فبين العائلات العربية البالغة 86.980 عائلة لم يكن ثلثها يملك أرضا لزراعتها والعيش منها. والأخطر من ذلك موقف الصهيونيين الذين كانوا يرفضون تشغيل العامل العربي. وهكذا غدت عملية تشريد الفلاحين، نتيجة هذا القانون وأمثاله، خطراً سياسياً واجتماعياً على الشعب الفلسطيني. المراجع: –         إبراهيم أبو لغد: تهويد فلسطين، بيروت 1973. –         دوزين انغرامز: أوراق فلسطين 1917 – 1922، بذور القضية، بيروت 1972. –         نقابة المحامين الأردنية: موسوعة التشريع الأردني، ج4، عمان. –         عادل جامد الجادر: التشريعات البريطانية لتهويد فلسطين 1917 – 1948، مجلة مركز الدراسات الفلسطينية، عدد 13، بغداد 1975.