العصر الهلنستي

“العصر الهلنستي” اصطلاح تاريخي أطلق على الفترة الزمنية الممتدة من وفاة الاسكندر عام 323 ق.م. حتى قيام الامبراطورية الرومانية على يد أوغسطس في عام 30 ق.م. وقد سمي بهذا الاسم تمييزاً له عن الفترة الإغريقية، وهي الهلينية الصحيحة، وعلى أساس أن الحضارة الجديدة منتسبة إلى هذه الحضارة، أو متأثرة بها. ويختلف المؤرخون في تحديد معنى لفظة “هلنستي”، وان كان الجميع يتفقون على أن الهلنستية عنوان مناسب للدلالة على حضارة القرون الثلاثة السابقة للميلاد، التي كانت فيها الثقافة الإغريقية تسود، إضافة إلى بلاد اليونان، بلاد الحضارات القديمة، مصر وفارس والرافدين وآسيا الصغرى وسورية وفلسطين. كان الاسكندر المقدوني قد أنهى خلال حياته القصيرة (356 -323 ق.م.) الحكم الفارسي لمنطقة غرب آسية ومصر، وأسس امبراطورية ضمت المناطق السابقة، إضافة إلى بعض أصقاع الهند الشمالية. وبعد موته احتدم بين قادته صراع عنيف استمر حتى عام 302 ق.م.، وانجلى عن سيطرة القائد سلوقس (356 -280 ق.م.) على آسية الغربية (سورية الشمالية وآسية الصغرى والرافدين والهضبة الإيرانية)، وعن سيطرة القائد بطليموس (367 – 283 ق.م.) على مصر وقورينايئة (برقة) وبعض جزر البحر الايجي إضافة إلى فلسطين، وعن سيطرة القائد أنتيغونوس (306 – 301 ق.م.) على بلاد اليونان. وقد تميز العصر الهلنستي بنزاعات مستمرة بين السلوقيين* والبطالة* حول امتلاك سورية المجوفة، وهي المنطقة إلى الجنوب من اللاذقية، وتشمل لبنان وفلسطين وبعض أجزاء من سورية الداخلية، كدمشق. وقد تمكن البطالة من الاحتفاظ بسيطرتهم على هذا الجوف من 302 ق.م. وحتى 198 ق.م.، عندما استخلصها السلوقيون منهم. واستمرت السيطرة السلوقية على فلسطين حتى عام 64 ق.م. حين دخلت مع الأراضي السورية كافة تحت الحماية الرومانية. ورغم أن فلسطين، كجزء من جوف سورية، قد خضعت للدولة البطلمية، ثم للسلوقية، فإن مظاهر حضارتها لم تختلف عنها في الفترتين إلا في موقف الدولتين من اليهود المقيمين في بيت المقدس. أ- فلسطين تحت الحكم البطليمي: تذكر المصادر القديمة أن الملوك البطالمة الأوائل فأبوا على التقرب من اليهود بشكل واضح. ويبدو أن كراهية المصريين لليهود في العهد الفارسي، التي ترسخت نتيجة للعطف الذي كان الفرس يكنونه لليهود، قد كونت السبب المباشر في أن يعتمد البطالمة عليهم كأقلية تدعم الأقلية الإغريقية الحاكمة. وتعزو المصادر إلى بطليموس الأول تخصيص أحد أحياء الاسكندرية لليهود، كما تغزو إليه نقله أفواجاً من اليهود من فلسطين للإقامة في مصر. وقد ازداد توافد اليهود إلى مصر في عهد خليفته بطليموس الثاني (308-246 ق.م.) الذي وصف بأنه “صديق اليهود” بسبب ما كلأهم به من الرعاية أكثر من أي مالك آخر، حتى قيل انه افتدى أسرارهم من ماله الخاص، كما أجزل الهدايا الثمينة لمعبدهم في بيت المقدس. وتذكر المصادر أيضاً أن بطليموس الثالث أنزل في الأراضي المستصلحة بالفيوم عدداً من اليهود. ب- فلسطين تحت الحكم السلوقي: اثر موقعة بانيون عام 198 ق.م.، التي حقق فيها الملك السلوقي أنطيوخس الثالث (223-187 ق.م.)  نصراً كاملاً على الجيش البطليمي، تبعث فلسطين ولبنان والأقسام التي كانت تؤلف جوف سورية، الامبراطورية السلوقية. ولا يعلم عن علاقة أنطيوخس الثالث بالأرض الفلسطينية سوى ما يتكهنه المؤرخون من أنه تودد إلى المدن الفلسطينية، رغبة في كسب تأييدها في النزاع الذي توقعه مع البطالمة. وبطبيعة الحال انقسمت هذه المدن بين مؤيد لسلوقيين ومؤيد للبطالمة. وقد ظهرت صورة هذا النزاع أشد ما ظهرت عند اليهود الذين استوطنوا بعض مناطق بيت المقدس إضافة إلى السامرة. ورأى أنطيوخس الرابع – وكان يعلم مدى ارتباط معظم اليهود بمنافسيه البطالمة – أن خير وسيلة لخلخلة التعنت والتعصب اليهوديين، محاولة صبغهم بالصبغة الإغريقية. فأرسل في عام 167 ق.م. أحد قادته، وكلفه إلغاء الطقوس الدينية اليهودية، والاستعاضة بالاله زيوس الأولمبي عن الاله يهوه وإقامة مذبح على النمط الاغريقي فوق المذبح المقدس. وفي العام نفسه حول أنطيوخس الرابع معبد يهوه على جبل جرزيم (الطيور) – وكان معبد للطائفة السامرية – إلى معبد للاله زيوس اكسنيوس Xenios، وحرم الختان واقتناء الأسفار المقدسة، وأوجب أكل لحم الخنزير، وغير ذلك من الأوامر التي حللت بعض المحرمات اليهودية، وحرمت بعض المحللات. وبموجب الأوامر الجديدة لقسم اليهود، وحتى العام التالي (166 ق.م.) إلى قسمين: قسم انصرف، مرغماً أو مقتنعاً، عن الشريعة، وأقام في بيت المقدس أو في المدن الإغريقية الأخرى، وهم، “المتهلنون” أو “المتأغرقون”. وقسم آخر من المحافظين أقل عدداً، هربوا خارج المدينة المقدسة، وأطلق عليهم اسم “حزب القديسين”، واعتمدوا لقيادتهم ماتاتيه  Mattatiah كبير عائلة الأشمونيين، الذي مات بعد فترة قصيرة، وتسلم الزعامة من بعده ابنه الثالث يهوذا، ويلقب “بالمكابي” وتعني المطرقة. وقد حقق نجاحاً في التصدي للقوات السلوقية. مما دفع قسماً كبيراً من المترددين اليهود إلى الانضمام إليه. وتمكن المكابي في عام 166 ق.م. من تحقيق نصر في معركة “عقبة بيت حورون” على القائد أبولونيوس. وفي عام 165 ق.م. هزم في معركة “أماوس” جيشاً آخر بقيادة القائدين نيكانور وجورجياس، مما دفع أنطيوخس – وكان في حملة شرقية ضد البازلتين – إلى الاستجابة لطلب المكابيين، فأوقف اضطهاد المحافظين، وسمح لهم بممارسة شعائر دينهم جنباً إلى جنب مع انصار “التأغرق”. وعاد المكابيون إلى بيت المقدس وإلى ممارسة شعائرهم في الخامس والعشرين من كانون الأول عام 164 ق.م. وما زال اليهود يحتفلون بهذا العيد تحت اسم عيد الأنوار (حانوكا). وعندما توفي أنطيوخس الرابع توقع المكابيون نواعاً بين القائد فيليب الوصي على ولي العهد، والقائد لوسياس الذي كان نائباً للملك في العاصمة أنطاكية. فضغطوا على المتأغرقين اليهود الذين استجاروا بالقائد لوسياس، فأنجدهم هذا، وهزم المكابيين في معركة “بيت زكريا” بالقرب من بيت صور، وقتل اليعازر شقيق المكابي. ولكنه، أي لوسياس، اضطر إلى العودة سريعاً إلى العاصمة بعد أن عين كاهنا جديدا يدعى ألياكيم ِAlkimos وفي تلك الفترة رغبت روما، لغاية في نفسها، في إزاحة لوسياس عن مركز السلطة في أنطاكية، وساعدت أحد أدعياء العرش السلوقي، ويدعى دمتريوس (الأول)، وكان رهينة في روما، على استعادة عرشه في ظروف صعبة للغاية. وقد استغل المكابيون هذه الفرصة فخلعوا الكاهن المتأغرق ألياكيم، ودفعوا مع روما معاهدة، تعهدت لهم فيها يمد يد العون إليهم في حال تعرضهم لهجوم. فما كان من دمتريوس إلا أن جرد في ربيع عام 161 ق.م. حملة بقيادة نيكانور، هزمها المكابيون عند الرها في الثالث عشر من آذار، فجرد حملة ثانية بقيادة باكخيدس. حققت نصراً كبيراً على المكابي عند موقع لاشع، وقتل المكابي نفسه وفر إخوته وصحبه عبر الأردن. وفي عام 157 ق.م.، ونظراً لصعوبة متابعة المتمردين المكابيين بزعامة يوناثان شقيق بهوذا، عرض دمتريوس على يوناثان صلحاً، شرط إلا يقيم وجماعته داخل أسوار بيت المقدس، فقبل يوناثان ذلك، وأقام في مكماش، وبعد موت الكاهن الأعظم اغتصب يوناثان المنصب لنفسه، ومد نفوذه، وأسس إمارة مستقلة بزعامته. ونتيجة النشاط السياسي الذي بذله دمتريوس خلال فترة حكمة، تألبت عليه كل من المملكة البطلمية في مصر وإمارة بزعامة في آسيا الصغرى. وبتأييد من روما ساعد البرغاميون دعيا للعرش اسمه اسكندر بالاس على منافسه دمتريوس. وأثناء النزاع عرض كل من المتنافسين على اليهود عروضاً مغرية لمساعدته. وبتوجيه وما دعم اليهود الدعي اسكندر. الذي تمكن بمساعدتهم، من هزيمة دمتريوس وقتله عام 150 ق.م. وفي عكا* عقد اسكندر بالاس زفافه على كيلوباترا ابنة خليفه  ملك مصر بطليموس السادس، وأقام في المدينة نفسها التي أصبحت العاصمة الفعلية في عهده. كان بطليموس ما يزال يطمع في جوف سورية فاتفق مع يوناثان سراً، وجمع جيشاً وقدم إلى فلسطين متظاهراً بالسلم. وكانت المدن الفلسطينية في توق للترحيب بزيارة بطليموس رغبة في دفع أذى المكابيين الذين كانوا يمارسون نشاطاً عدوانياً مستمراً ضد مختلف المدن الفلسطينية. وقد أطلع سكان مدينة أشدود* بطليموس على الأثار الرهيبة للمجازر التي ارتكبها المكابيون في هذه المدينة. ولكن بطليموس لم يرغب في إثارة عداء اليهود، وأجل اتخاذ قرار بهذا الشأن. وفي يافا* التقى بطليموس يوناثان الذي رحب بالملك المصري ورافقه حتى نهر الكبير في الشمال. ونتيجة للامتعاض الذي أيداه اسكندر بالاس من استقبال مدن فلسطين وسورية لبطليموس، أيد الأخير دمتريوس (الثاني) ابن الأول – وكان مقيما في آسية الصغرى – على بالاس الذي قتل مع بطليموس مع المعركة التي جرت بين الفريقين، وتسلم دمتريوس الثاني الحكم فأطلق يد قائد مرتزقته في القضاء على جميع معارضيه في العاصمة وخارجها. وفي فلسطين،كان الاستقلال الذاتي للطائفة اليهودية بزعامة يوناثان تاما منذ عهد بالاس، ولم يكن لينتقص منه إلا وجود حامية سورية صغيرة في قلعة بيت المقدس. وقد استغل يوناثان النزاع بين بالاس ودمتريوس وضرب حصاراً على القلعة للتخلص من آخر مظاهر السيطرة الملكية، وتابع الحصار حتى أثناء زيارة دمتريوس الثاني عكا، ونجح بالهدايا والأموال في استمالة الملك الذي تقاضى عن توسع المكابي شمال فلسطين، وعندما تعاظمت النقمة الشعبية في العاصمة أنطاكية على قائد مرتزقة دمتريوس، وانقلبت إلى ثورة داخلية استنجد دمتريوس يوناثان الذي أمده بعده من أشرس رجاله، ساهموا – كما تذكر المصادر اليهودية نفسها – في قتل ما لا يقل عن مائة ألف من سكان أنطاكية وضواحيها. وفي عام 143 ق.م. ترجم القائد ديودوتوس حقد الأنطاكين على دمتريوس، وأعلن ابن الملك السابق بالاس ملكا باسم أنطيوخس السادس. وانقسمت المملكة إلى قسمين: فحكم سورية الداخلية أنطيوخس بمساعدة وزيره ديودوتوس وعاصمته أنطاكية، وحكم سورية الداخلية دمتريوس وعاصمته سلوقية على مصب نهر العاصي. بالرغم من أن المكابيين كانوا من أنصار دمتريوس، فإنهم سرعان ما انقلبوا عليه، وأيدوا أنطيوخس أولاهم ثقته، فاستغلوها وبدأوا يتوسعون إلى درجة أدت بهم إلى الاتصال بروما للحصول على تأييدها واعترافها بتوسعاتهم، فما كان من الوزير ديودوتوس إلا أن جهز حملة وصلت إلى بيسان*(سكيثوبوليس)، وفيها فتك جنوده بيوناثان المكابي ومعظم رجاله، ولم يفلح أخوه سمعان – الزعيم الجديد للمكابيين – إلا في الحصول على عظام أخيه لدفنها في عاصمة المكابيين (مودين؟). أما ديودوتوس فقد أغراء النجاح الذي تحقق له بالانقلاب على سيده أنطيوخس، فاغتاله، وأعلن نفسه ملكا باسم تروفون، مما أطمع المكابيين مرة أخرى، فعرضوا تأييدهم على دمتريوس الثاني المقيم في سلوقية على مصب العاصي. وقبل دمتريوس، وأعفاهم من الضرائب، وأخلى لهم الحصون. ولكنه تورط في حرب ضد البارثين، أسر فيها، مما أدى إلى قيام أخيه الأصغر أنطيوخس السابع بالزواج من زوج أخيه كليوباترا، وإعلان نفسه ملكاً. وفي أول صدام مع تروفون هرب الأخير إلى دوراً على الساحل الفلسطيني، ومنها إلى عكا، ثم إلى عرطوس على مصب نهر البارد، فأقاميه حيث قتل هناك. وعندما استنب الأمر لأنطيوخس طلب إلى سمعان المكابي دفع الجزية عن الأراضي خارج بلاد اليهودية، وبخاصة اقليمي يافا وجزر. ولم تتمكن القوات التي أرسلها أنطيوخس من جباية الجزية إلا بعد ثلاث سنوات، حينما شارك أنطيوخس نفسه في حصار بيت المقدس التي سقطت سنة 132 ق.م.، فعاد أنطيوخس شمالاً بعد أن فرض غرامة حربية كبيرة على اليهود، وجزية على المدن والأقاليم الفلسطينية مثل يافا وجزر. ومع تزايد الخلافات الداخلية في سورية وفي مصر تمكن المكابيون في عهد هركانوس من مد نفوذهم على معظم فلسطين جنوب الكرمل، كما أكره خليفته أريستوبوليس عام 104/103 ق.م. سكان الجليل بحد السيف على اعتناق اليهودية. وعندما حاصر بانايوس، خليفة اريستوبولوس، وأول من اتخذ اللقب الملكي من اليهود، عكا استنجدت بالملك المصري بطليموس التاسع الذي أوقع باليهود في معركة “أسوفون” هزيمة منكره. ولكنه لم يستطع جني ثمار نصره إذ اضطرته الظروف إلى العودة إلى مصر، مما مكن يانايوس من إعادة تأسيس دولته من جديد، ولكن على حساب نقمة اليهود أنفسهم الذين ساءتهم مظاهر الملكية التي أحاط بها نفسه، وطلبوا مساعدة ملك دمشق السلوقي دمتريوس الثالث، فأنجدهم عام 87 ق.م. وأكره يانايوس على الفرار من بيت المقدس، وزال بذلك أي ذكر لحركة سياسية هامة في فلسطين حتى نهاية العصر الهلنستي فيها عام 64 ق.م. ج- أبرز المظاهر الحضارية: 1) نظم الحكم: لما كان الفتح في التاريخ القديم يكسب الفاتح حقوقاً مطلقة على الأقاليم التي فتحها، فقد اعتبرت فلسطين في نظر ملوكها البطالة حتى عام 198 ق.م.، وبعد ذلك ملوكها السلوقيين غنيمة حرب، أرضاً وسكاناً، وكانت سلطاتهم مطلقة تتفاوت في الكم والكيف حسب الظروف السياسية وقوة الملك. وفي حين ملوك فلسطين الأوائل يطلقون على أنفسهم اسما واحداً هو “بطليموس” لم يلتزم الملوك اللاحقون هذه الطريقة، بل حملوا أسماء متعددة، مثل “سلوقس، وأنطيوخس، ودمتريوس، واسكندر”، وان تشابهوا جميعاً في حمل ألقاب تعظيمية كانت تضاف إلى أسمائهم، مثل نيكاتور (المنتصر) وابيفانس (المتجلي) وفيلادلفوس (المحب لأخيه)، وغير ذلك. كما حمل أفراد الحاشية الملكية ألقاباً فخرية متباينة المراتب، كان الملك يخلعها على من يشاء من رعاياه دون تحديد. وكانت اللغة الإغريقية اللغة الرسمية في فلسطين في العصر الهلنستي، في حين كانت الآرامية* اللغة الشعبية، إضافة إلى عبرية الفئة اليهودية. لم تعرف الأرض الفلسطينية تقويماً رسمياً في الفترة الأولى من العصر الهلنستي، أي خلال حكم البطالمة، وكانت تؤرخ بسني حكم الملوك، في حين كان اليهود يؤرخون بتقويمهم الخاص. ومع بداية الحكم السلوقي تبعث فلسطين التقويم السلوقي الذي يبدأ بشهر تشرين الأول عام 312 ق.م.وقد استمر العمل بهذا التقويم حتى القرن الثالث الميلادي. ورغم غموض المعلومات عن السلطة المحلية والتنظيمات الإدارية، يمكن استخلاص بعض المعلومات عن ذلك، فقد كانت فلسطين تقسم إلى قسمين: الوحدة الكهنوتية وعاصمتها بيت المقدس، وبقية الأرض الفلسطينية وأشهر مدنها عكا التي سماها البطالمة الأوائل بتولمايس (بطلماية). وكانت المدينة نفسها في فترة متأخرة من الحكم السلوقي عاصمة الامبراطورية غير المسماة. وباستثناء بعض الحصون التي أنشئت في أكثر من موقع في فلسطين، وبخاصة في منطقة بيت المقدس، لا تتوافر أية معلومات عن مستعمرات عسكرية أنشأها الملوك البطالمة أو السلوقيون على الأرض الفلسطينية، رغم أهميتها الفائقة لنظم الحكم في الدولتين. وفي مجال الإدارة* الداخلية، تضمنت فلسطين، إضافة إلى الوحدة الكهنوتية اليهودية، عدداً كبيراً من المدن المحلية، وعدداً أصغر من المدن الإغريقية الصبغة. ولا يعرف الكثير عن إدارة المدن المحلية، ويرجح المؤرخون أنها استمرت تنهج طريقتها القديمة في الإدارة الذاتية مع ملاحظة عدم تعارض هذه الإدارة مع نظم الوحدة الإدارية الكبرى التابعة لها، وعدم استبعاد تبعية كل مجموعة من هذه  المدن لمدينة إغريقية، أو متأغرقة قريبة منها. أما فيما يتعلق بالمدن الإغريقية فيعتقد أن كل مدينة منها تضمنت حين رئيسين، سكن أكبرهما الإغريق، وانتظموا في قبائل، في حين سكن المحليون في الحي الأصغر، وانتظموا في جاليات مارست حياتها الخاصة حسب معتقداتها وتقاليدها. وتدل الأثار في عدد من المدن الهلنستية على أن كل مدينة إغريقية كان لها مجلس يترأسه ممثل الملك الذي أطلق عليه لقب ايبستات، وكان يناط به تنفيذ الأوامر الملكية في المدينة التي يترأس مجلسها، وفي المدن المحلية المجاورة. ولا شك في أن مثل هذا النظام قد كان مطبقاً في المدن الإغريقية أو المتأغرقة في فلسطين في ذلك العصر. وفيما يتعلق بالوحدة الكهنوتية اليهودية كانت بيت المقدس المركز الرئيس للوحدة.وبالرغم مما يزعمه المؤرخ اليهودي بوسيفوس من أنها كانت تشابه المدن الإغريقية، فإنها اختلفت عنها في عدم وجود هيئة مواطنين تشارك في تسيير شؤون المدينة عن طريق تاليف المحاكم واختيار الحكام. وكان الكاهن الأكبر في المجتمع اليهودي على رأس جهاز يتألف من رؤساء العائلات الكبرى والرهبان، ويتلقى وفق قواعد مجهولة، وإن كان من الجلي أنه لم يكن للشعب رأي في تكوين هذا الجهاز، الذي توحي القرائن بأنه كان جهازاً ارستقراطياً لم ينتخب أي عضو من أعضائه بشكل مباشر أو غير مباشر. وقد ساعد النزاع بين البطالمة والسلوقيين أولاً، وبعد ذلك بين المتأغوقين (أنصار السلوقيين) بزعامة عائلتي طبريا وأونياس، والمحافظين بزعامة المكابيين ثانياً، ساعد على استحكام الخلاف بين العائلات الكبرى حول تولي المراكز القيادية المحلية. وكان من أبرز مظاهر عطف الملوك على العائلات المختارة الإعفاءات من الضرائب والامتيازات والألقاب الفخرية. وكان الكاهن الأكبر مسؤولاً عن تنظيم جباية الأموال الحكومية تحت رقابة المندوب الملكي للحكومة المركزية الذي لم تكن الهيئة الكهنوتية تقدر على نقض قراراته، وإن كان يحق لها إقامة الدعوى عليه، أو استئناف أحكامه أمام الملك. وكانت الفوروس، أو الجزية، أهم الضرائب التي كانت فلسطين تدفعها للملك البطلمي، وبعد ذلك للملك السلوقي. وهي ضريبة عرفت منذ عهد الملك الفارسي دارا الأول (521 – 486 ق.م.)، واستمرت حتى الفتح الروماني. وكان مقدار الجزية يتفاوت تبعاً لتفاوت الأوضاع والظروف، فقد دفعت بيت المقدس في عهد أنطيوخوس الثالث جزية مقدارها ثلاثمائة تالانت (وزنة)، وصلت في عهد خليفته أنطيوخس الرابع، نتيجة المنافسة بين المرشحين لتولي وظيفة الحبر الأعظم، إلى ثلاثمائة وتسعين. وعلى هذا الأساس يقدر أن الأرض الفلسطينية بكاملها كانت تدفع قرابة ألف تالانت في تلك الفترة. وكان يتبع في فروض الجزية قاعدتان أساسيتان، أولاهما: أنها لم تكن تفرض على كل فرد بعينه، بل على المجتمع بأسره. وثانيتهما: أنها كانت تقسم على عناصر هذا المجتمع أفراداً أو قرى بالتساوي. وكان المقدار يظل ثابتاً لا يتغير لمدة غير محدودة من الزمن، سواء أكانت السنون رخية أم عجافاً. وكانت العادة أن تدفع هذه الوحدات جانباً من جزيتها نقداً، والآخر عيناً، من المحاصيل أو الحيوانات، حسب شهرة الوحدة بنوع معين من أنواع الثروة، على غرار ما جرت عليه العادة زمن الفرس. ولما كانت الجزية هي الدلالة الملموسة الوحيدة على الخضوع للملك، لم تعف منها أية وحدة من وحدات المملكة البطلمية أو الامبراطورية السلوقية إلا بامتياز خاص كان الملك يختص به بعض الوحدات بعينها وقد عرفت المدن الفلسطينية عدداً من هذه الامتيازات، أشهرها بيت المقدس في حالات قوة اليهود وضعف السلطة المركزية، وكذلك عكا وجزر وأشدود، مكافأة لها، أو تعويضاً عليها من جراء تصديها لليهود في بعض الحالات. وعرفت فلسطين، إضافة إلى الجزية، ضرائب أخرى في الفترتين البطلمية والسلوقية، منها كانت ضرائب كانت تفرض على القطعان والأشخاص وضريبة الملح وضريبة التاج وضريبة الأسواق وضريبة مزاولة الحرف. وفي مجال الرسوم الجمركية عرفت فلسطين رسم الاستيراد على التجارة الخارجية، ورسم المرفأ على التجارة البحرية، ورسم الباب. 2) القضاء: كانت الأعراف والقوانين المحلية نافذة المفعول في فلسطين في العصر الهلنستي، ولم يدخل البطالمة أو السلوقيون على هذه القوانين إلا قدراً طفيفا من التعديلات التي اقتضبتها الأوضاع الجديدة. وتشير القواعد التاريخية إلى أنه حتى الجاليات القومية في المدن الفلسطينية كانت تعتمد قوانينها وأعرافها الخاصة، حتى ليزعم فيها بعض المؤرخين اليهود، أن الجاليات اليهودية في مدن المملكة البطلمية أو الأمبراطورية السلوقية، قد حصلت على حق محاكمة أعضائها حسب شرائعها الدينية في تلك الآونة. وكان رجال الشرطة الفولاكيناي يكلفون تطبيق النظام وتنفيذ الأحكام في المدن الفلسطينية . 3) الحياة الاقتصادية: يجمع المؤرخون على تقدم الزراعة* في فلسطين في العصر الهلنستي، بدليل ما تشهد به المصادر القديمة من فرط عناية البطالمة الأوائل والسلوقيين المتأخرين بها نتيجة حاجتهم الملحة للأموال لبناء القوات وإنشاء المدن والمستعمرات، وكانت الزراعة من أهم موارد الدولة، إن لم تكن أهمها إطلاقاً. وينهض دليلاً على ذلك ما أحدثه السلوقيون بشكل خاص من انقلاب جذري في شكل الملكية الزراعية، واستيلائهم ليس على أراضي الملك الفارسي فحسب، بل على الملكيات الكبيرة التي تبعت المدن التي قاومتهم والوحدات الكهنوتية الغنية. وتذكر المصادر أن الفلاحة كانت تتم بمحاريث حديدة تجرها الثيران، وأن الفلاحين كانوا يتبعون الدورة الزراعية القائمة على نظام زراعة الأرض مرة كل عامين. وإضافة إلى الزراعات التقليدية، وعلى رأسها الحبوب* والقمح*، فقد اشتهرت السهول الفلسطينية بانتاج الزيتون* والزيت، وتدل على جودتها العالية أن المكوس الجمركية الباهظة التي فرضها البطالمة على الزيت السوري لم تحل دون توريده إلى مصر في تلك الفترة. وكانت صناعة الزيت والنبيذ من أهم الصناعات في فلسطين الهلنستية، لتوافر الكروم وأشجار الزيتون، وشدة حاجة الاغريق إلى هاتين المادتين. وكان طبيعياً أن يقضي ازدهار صناعتي النبيذ والزيت إلى ازدهار صناعة ثالثة، هي صناعة الآنية الفخارية اللازمة لتعبئتها. وتشير الموجودات الأثرية إلى انتشار ظاهرة تقليد نماذج الأتيكي في كل مراكز المملكة البطلمية والمراكز الغربية للامبراطورية السلوقية. وهو الذي كان يطلى باللون الأسود، وتدعى نماذجه الأولى “الكؤوس الميجارية”. وفي العصر الهلنستي ظلت مدن الساحل الفلسطيني تنتج أصنافاً ممتازة من المصنوعات الزجاجية، مثل الكؤوس والأطباق والحلي الزجاجية (رَ: الزجاج). ويرجح المؤرخون – رغم افتقارهم إلى معلومات مباشرة عن صناعة النسيج* في فلسطين في العصر الهلنستي – استمرار المراكز الصناعية القديمة في انتاج المنسوجات، وذلك لنشاط هذه الصناعة في الفترتين الفارسية والرومانية، وكذلك لحاجة السكان إلى استخدام الملابس الكتانية والصوفية على حد سواء. وقد أدى إلى انتعاش التجارة في فلسطين في العصر الهلنستي عاملان: أولهما ذلك التحول الهام عن الاقتصاد العيني إلى الاقتصاد النقدي. وقد أدى إلى هذا التحول غزو الاسكندر المقدوني للشرق، والاستيلاء على كنوز الفرس، بما في ذلك أكداس نفوذهم الذهبية. وثانيهما وقوع فلسطين على طريق التجارة الهندية الجنوبي، وكان طريقاً بحرياً بين الهند والموانىء الواقعة في جنوب الجزيرة الغربية مثل أدانا وجزيرة سقطرى. وكانت المراكب الهندية تفرغ حمولتها لدى أعراب المنطقة الجنوبية الذين كانوا ينقلونها إلى الشمال، إما عبر البحر الأحمر وإما عبر الطريق البري القديم الذي كان يعرف باسم “طريق البخور” ويمر بسبأ ومعين ويثرب والعلا (أوددان)، وأيلة (أو العقبة) والبتراء*، التي كان يمر فيها أيضاً طريق تجاري آخر قادم من جرها، على الساحل الغربي للخليج العربي، إلى مدن الساحل الفلسطيني ودمشق وصور. 4) الحياة الاجتماعية: بالرغم من غموض المعلومات عن الحياة الاجتماعية في فلسطين في العصر الهلنستي، خرج المؤرخون المعاصرون ببعض التصورات، من خلال المعلومات المؤكدة. ويعتقد – بناء على هذا – أن المجتمع الفلسطيني قد انقسم في ذلك العصر إلى أربعة أقسام: قسم زراعي أو اقطاعي، وآخر تجاري، وثالث كهتوني، ورابع قبلي، وقد استوطنت المجتمعات الزراعية في مختلف مناطق فلسطين، باستثناء قسمها الجنوبي والجنوبي الغربي الصحراوي الطابع. في حين تركزت المجتمعات التجارية في المدن الكبرى الساحلية، والكهتونية في بيت المقدس ومناطق السامرة وحول المعابد الأقل شأناً، والمجتمعات القبيلية في الجنوب والجنوب الغربي. ولا جدال في أن المجتمعات التجارية عادة أكثر انفتاحاً من غيرها، أي أكثر تقبلاً للأفكار والعادات الأجنبية. ولهذا لا يستبعد تأثر مدن الساحل الفلسطيني بشكل خاص بالحياة الاجتماعية الاغريقية، حتى قبل الغزو المقدوني للمنطقة، بدليل عثور العلماء على عدد كبير من الوثائق التي تبين بوضوح قيام بعض الفينيقيين* بترجمة أسمائهم إلى اللغة الإغريقية. لكن هذا يجب ألا يدفع إلى الاعتقاد بأن هذه المجتمعات المنفتحة قد تخلت عن أساليب حياتها الخاصة المتأصلة فيما منذ القديم. أما المجتمعات الاقطاعية والكهنوتية والقبلية فانها شديدة الحفاظ على عاداتها وتقاليدها، وإذا أضيف إلى ذلك عامل الاعتزاز بالماضي، وعامل الأضرار المترتبة عن السيادة الإغريقية، يمكن القول إن الغالبية العظمى من العناصر الوطنية في فلسطين، ولا سيما تلك الغالبية التي كانت تعيش في المدن والقرى الخالية من السكان الإغريق، قد استمرت فترة طويلة تحيا حياتها المألوفة، محافظة على عاداتها وتقاليدها الموروثة. بيد أن هذا لا ينفي اقدام بعض العناصر فيها على اقتباس مظاهر الحياة الإغريقية، أو بعضها. وفي مجال الحياة الدينية لهذه المجتمعات كان لكل مجتمع معتقداته الدينية التي لا يعرف عنها الكثير. وقد اتفق أكثر الباحثين على ما يلي: (1) توجد فوارق عميقة بين المعتقدات الدينية الفلسطينية، أو السورية عموماً، وبين الإغريقية. (2) إن ديانة الفلسطيني القديم لا تكون مثل الاغريقي أحد جوانب حياته، بل قوام حياته. (3) إن الفلسطينيين القدامى كانوا لايؤلهون البشر. ولا شك أن البطالمة والسلوقيين أدركوا حقيقتين عن الأهالي الوطنين في فلسطين وسورية عموماً، إحداهما أن لكل مجتمع ديناً يسيطر عليه. والأخرى أن هؤلاء الرعايا كانوا لا يعبدون البشر، وإن كانوا ملوكهم. وإزاء ذلك كان من غير المنطقي أن يضفي هؤلاء الملوك على أنفسهم صفات كبار الآلهة في كل مجتمع من المجتمعات الفلسطينية أو الآسيوية الخاضعة لهم. وإزاء المكانة السامية التي تبوأها الدين بين هذه المجتمعات بني الملوك سياستهم الدينية على أساس إطلاق حرية العبادة للرعايا. وهذا ما يظهره العدد الكبير من المرات التي أظهر فيها الملوك احترامهم للآلهة المحلية بعل وحدد وارتاجاتيس ويهوه وأوزيريس. ويظهر أيضاً عدم تقديم ديانة موحدة تجمع الاهتمامات الدينية للمجتمعات المختلفة. وعلى الرغم من أن معظم الملوك البطالمة والسلوقيين قد عبدوا بعد مماتهم في مختلف مدن امبراطوريتهم، ومنها المدن الفلسطينية، فليس هناك ما يثبت انتظام هذه العبادة في أي مدينة فلسطينية.   المراجع:   –         العهد القديم: نبوءة دانيال، سفر المكابيين الأول، سفر المكابيين الثاني. –         Babelon, E.: Les Rois de Syrie, Paris 1890. –         Bevan, E.: The House of Seleucus, London 1902 –         Bikerman, E.: Institutions des Seleucides, Paris 1938. –         Cambridge Ancient  History ,Vols 6-7. –         Dussaud.R.: Topographie Historique de la Syrie Antique et Mediavale.Paris 1927. –         Jones, A.H.M.: Cities of Eastern Roman Provinces, Oxford 1937. –         Rostovtzeff, M.: Social and Economic History of the Hellenistic World, Oxford 1953. –         Tarn, W.W. Hellenistic Civilization London 1966.