العصر العباسي

أ- الحياة السياسية: انتقلت الخلافة بين أوائل سنة 132هـ/750م وأواخرها من أيدي الأمويين إلى أيدي العباسيين، وانتقل معها جنوب الشام إلى الحكم العباسي الذي استمر سيد الإقليم حتى الفتح الفاطمي فلسطين ودمشق سنة 358هـ/969م، أي زهاء قرنين وربع قرن. وكانت فلسطين وشرق الأردن معاً جندين من أجناد الشام، تقسم الأرض بينهما عرضياً من الشرق إلى الغرب لا طولياً من الشمال إلى الجنوب. فجند الأردن في الشمال، مركزه طبرية*، ويمتد من صور وعكا* في الساحل إلى البلقاء وعمان واذرح في الداخل. وجند فلسطين في باقي فلسطين حتى رفح*، آخر أعمال الشام في اتجاه مصر، وحتى أيلة على البحر الأحمر مما يلي الحجاز (رَ: الإدارة). كانت فلسطين في العهد الأموي الأخير أحد مراكز القلق القوية، فقد تمزقت أهواء أهلها في السياسة بعد أن كانت متكتلة حول البيت الأموي الحاكم (رَ: العصر الأموي). وقد تكاثر السكان فيها، وتزايدت الطواعين، وخربتها الزلازل*، وخاصة زلزال سنة 130هـ، وكثرت الفتن، بينما ضعفت الموارد الاقتصادية بسبب الاضطرابات، وطول الحرب الاقتصادية التي شنت منذ أيام عبد الملك بن مروان على البيزنطين. وتحولت طرق التجارة العالمية من سواحل مصر والشام والبحر الأحمر إلى الخليج العربي والعراق والأناضول. وقد سجق الأسطول الشامي- المصري بضربة بيزنطية سنة 139هـ/747م في البحر قبل سنوات ثلاث من سجق الجيش الأموي البري في الزاب على يد العباسيين سنة 132هـ/750م، مما كان له أكبر الأثر في إنهاء الحكم الأموي. وحين تراجع مروان بن محمد بعد معركة الزاب إلى الجزيرة، ثم دمشق، ثم فلسطين، وقفت القوى الفلسطينية منه موقف العداء، فاضطر لمتابعة الطريق إلى مصر. ولم يكن قد مضى على معركة الزاب ثلاثة أشهر حتى كان عبد الله بن علي بن عبدالله العباسي* يدخل دمشق، ثم يمشي أواخر رمضان سنة 132هـ إلى طبرية، ثم ينزل بيسان*، ثم يعسكر على نهر أبي فطرس. وبينهما أرسل أخاه صالح بن علي وراء مروان بن محمد ليلحق به في بوصير (قرب الفيوم)، ويقتله، كان عبد الله نفسه يقوم في معسكره بالمذبحة التي اسفرت عن سبعين أو ثمانين من كبار زعماء الأمويين، ويبالغ في استئصال هذا البيت وأنصاره أسوأ المبالغة، لئلا يظهر منهم مطالب بالحكم فيما بعد (رَ: أبي فطرس، مجزرة). هكذا استهل العباسيون حكم فلسطين. وقد دام حتى دخلها الفاطميون* بعد قرنين وربع القرن. وتمكن قسمة هذا العصر العباسي إلى فترتين: 1) فترة الارتباط المباشر بالعراق وبغداد وسامراء (132 – 264هـ/750 – 878م). من أول نتائج الحكم العباسي أن جنوب الشام الذي كان الإقليم الأول في العهد الأموي ولأكثر حظوة لم يعد كذلك. إذا لم يحسر، مركزه هذا فحسب، بل خسر كذلك قولي القيادات واستغلال المصالح، وصار ولاية ثانوية، يشك العباسيون في ولائها، ولماذا لم يعطوا حكمها إلا لأمراء البيت العباسي، أو لبعض المقربين المخلصين كل الأخلاص لهذا البيت. وغالباً ما كان يضاف حكم فلسطين والأردن إلى دمشق أو إلى المصر. ومن هؤلاء الولاة بعد عبد الله بن علي وأخيه صالح: عبد الوهاب ابن إبراهيم الإمام، والعباس بن محمد بن علي زمن المنصور، وإبراهيم بن صالح بن علي، ومحمد بن إبراهيم الإمام زمن المهدي، ثم موسى بن عيسى العباسي وصالح بن سليمان العباسي وإبراهيم بن المهدي زمن الرشيد، وعبد الملك بن صالح العباسي زمن الأمين، والمعتصم زمن المأمون. وأما من غير رجال الأسرة، فيحكم فلسطين أحياناً عدد بن الأشعث الخزاعي، أحد كبار رجال الدعوة العباسية، ويحكمها بعد عشرين سنة منه ابنه نصر، ثم يحكمها موسى بن يحيي البرمكي، وجعفر بن يحيى أيام الرشيد، وعلي بن الحسن بن قحطبة البطائي وعبد الله بن طاهر الخزاعي. وهذا كله إنما يدل على مدى الحذر العباسي من أهل فلسطين. وقد استمر هذا الحذر قائماً أكثر من قرن، إلى أن صار ولاة العهود والقادة العباسيون يتولون الجناح الغربي كله من أرض الخلافة. ومن هؤلاء بعد الأمين وعبد الله بن ظاهر: أشناس التركي أيام المعتصم سنة 325هـ وأيام الواثق، ثم إبراهيم المؤيد (ابن المتوكل) سنة 325، ثم بغا المغير سنة 249هـ. وفي أواخر هذه الفترة العباسية آلت فلسطين إلى عيسى بن الشيخ بن السليل الشيباني*، وهو قائد عباسي مغامر، فتغلب على جنوبي الشام كله بما في ذلك دمشق وأعمالها، وتمرد على الخلافة سنة 255 هـ، ودام تمرده سنتين، كانتا إيذاناً ببدء انفصال هذه المناطق عن خلفاء العراق. وقد هزم عيسى بن الشيخ على يد القائد التركي أماجور، ولكنه لم يترك جنوب الشام إلا بعد تعويضه عنه بالمال وبولاية أرمينية. وتسلم أماجور حكم الشام الجنوبي بعد ذلك ثماني سنوات حتى وفاته سنة 264هـ. وكانت وفاته السبب في تحرك أحد ابن طولون* من مصر للسيطرة على البلاد. وقد بدأ الوجود العباسي في جنوب الشام بداية مؤلمة، إذ يبدأ بالمذابح الأموية، وظل أهل هذه البلاد يكرهون الحكم الجديد ويعادونه. وانتشرت فيهم أسطورة “السفياني المنتظر” الذي سوف يظهر ليخلصهم من ذلك الحكم. وتبين حقد الناس على العباسيين من جواب زعيم شامي للخليفة المنصور قال  له: “ألا تحمدون الله أن رفع عنكم الطاعون في ولايتنا؟” فأجاب: “الله أعدل من أن يجمعك علينا والطاعون”. والرشيد كان يسمى أهل الشام، بعد ذلك بثلث قرن “أهل الشقاق والبغض لأئمة الهدى(العباسيين)، والحب لشجرة اللعنة (الأمويين) … وفيهم المارقة والمتلصصة ومخيفو السبيل”. وبعد ذلك بثلث قرن آخر، قال المأمون لرجل من الشام، سأله أن ينظر إلى عرب الشام كما نظر إلى عجم خراسان: “أما اليمن فوالله ما أحببتها ولا أحبتني قط، وأما قضاعة* فسادتها تنتظر السفياني، وأما ربيعة فساخطة على الله منذ بعث نبيه من مضر. اغرب! … فعل الله بك”. ثم بعد ذلك بثلث قرن حين اختار المتوكل الانتقال إلى دمشق، وجعلها العاصمة، كتب له شاعر حائط بعض الأديرة قصيدة قال فيها: رويدك، إن اليوم يعقبه غد            وإن صرووف الدائرات تدور لعل زمانا جار يوما عليهم            لهم بالذي تهوى النفوس يدور فيفرح مرتاد،ويأمن خائف            ويطلق من ذل الوثاق أسير كان العباسيون يقاتلون هذا الموقف العدائي الشامي بالمراقبة الشديدة للتحركات، وبالإهمال للمصالح وكان محور اهتمامهم. (1) أمن طرق التجارة والحج بسبب كثرة “المتلصصة والمارقة ومخيفي السبيل”. وقد افتخر إبراهيم بن المهدي بأنه أقام الأمن أيام ولايته في الشام. ومدح أماجور بعده بخمس وسبعين سنة لأنه أمن الطرق. واذا اهتم العباسيون باخماد الفتن التي كانت تثور في الشام بين القيسية واليمانية، فإنما كانوا يهتمون بها من أجل الأمن، لابد من أجل إزالة الخلاف الذي كان ريحهم بقاؤه. ولهذا فإن جعفر البرمكي حين جاء لإخماد تلك الفتن سنة 180هـ لم يكن همه تقصي الخلاف، ولكن جمع السلاح، حتى لم يدع رمحاً ولا فرساً ولا سيفاً. وكان من عناصر الأمن عناية العباسين بالموانىء الفلسطينية أيام المنصور والمعتصم والمتوكل. وإقامة الرباطات لمراقبة الأساطيل المعادية في طول الساحل الفلسطيني الجنوبي. (2) تأمين الخراج: وكان بعض الولاة يتعسف في جمعه (مثل عبد الوهاب بن ابراهيم الامام) حتى ذهبت الوفود إلى المنصور تشكوه وتبرز له ديكاً منتوفاً لتدل به رمزاً على مبلغ ما وصلت إليه حالة أهل فلسطين. وقد اضطر المأمون إلى إعادة منح الأراضي وتعديل الخراج عليها سنة 214هـ، وقام المتوكل بعده بتعديل آخر سنة 240هـ. وبعض سكان القرى في فلسطين، تركوها لثقل الخراج، وظلم العمال أيام الرشيد. فلما وعدوا بالتخفيف عنهم عادوا، وقد سموا “بأصحاب التخافيف”. وبعضهم عاد مع الموعد بعدم الظلم، فهم “أصحاب الردود”. (3) الاستفادة من المركز الديني لبيت المقدس: وقد قام عدد من الخلفاء العباسيين بزيارة تلك المدينة (المنصور مرتين سنة 140هـ وسنة 155هـ، والمهدي سنة 163هـ، والمأمون سنة 215هـ حين أمر بإضافة اسمه على فسيفساء قبة الصخرة). كما أن العباسيين قاموا، أكثر من مرة “باصلاح المسجد الأقصى” الذي كانت تهدمه الزلازل. فقد بناء المنصور بعد أن باع صفائح الذهب التي كانت تغشي أبو لية، ثم بناء المهدي مرة أخرى بعد زلزلة دمرته، ثم اتهدم بزلزلة ثالثة فأمر المأمون بتوزيع بنائه على أمراء الأطراف وسائر القواد. وقام بالبناء قائده عبد الله بن طاهر بعد سنة 210هـ. (4) رعاية المستغلات: وهي الأملاك التي صادرها العباسيون من أراضي الأمويين وقصورهم. وكانت من الكثرة والسعة بحيث كان لها إدارة وميزانية خاصة في قصر الخلافة في بغداد، للصيانة والإدارة وإقامة الصهاريج. أما أهل الشام الجنوبي فقد تفاوتت علاقاتهم مع العباسيين ما بين التعاون المحدود والثورة. (1) أما التعاون المحدود فقد تمثل في أعمال الكتابة الصغرى وجباية الخراج. وتبرز أحياناً أسماء بعض أهل فلسطين في بغداد، مثل أبي عبدالله معاوية بن يسار وزير المهدي، وأبي أحمد يزيد بن أبي خالد الأحول كاتب هذا الوزير، وابنه أبي العباس أحمد من بعده وكان كاتب المأمون، وسعيد بن أبي الرح الكناني الذي ولي اليمن للأمين. وتجند بعض أهل فلسطين في الجيش العباسي. فقد كان في جيش عبد الله بن علي بعض من جند فلسطين ودخل الفضل بن صالح العباسي مصر والياً عليها سنة 169هـ وفي جيشه فرق من أهل فلسطين وأخرى من أهل الأردن. وحين حاول عبد الملك بن صالح العباسي معونة الأمين سنة 196هـ جمع في الجزيرة جيشا من الشام كان فيه الكثيرون من قبائل كلب* الجنوبية الذين حين أرادوا التخلي عنه ولانسحاب صاروا ينادون: “داركم داركم. الموت الفلسطيني خير من العيش الجزري”. وكان في جيش المأمون في الغزوة التي توفي فيها سنة 318هـ عدة آلاف من أهل فلسطين والأردن بل وجدت في سامراء سنة 248هـ فرقة عرفت بفرسان طبرية، اشتركت في الفتنة العسكرية التي انتهت بتوليه الخليفة المستعين. (2) وأما التمرد والثورة فكان أمرهما الطابع الأغلب على العلاقات مع الحكم العباسي. وأهم أسباب ذلك، عدا العقدة الأموية، الظلم الخراجي والزحام القبلي على المصالح والأرضين. وإذا كانت الثورات الأولى المبكرة زمن أبي العباس مجرد ردة فعل على الحكم العباسي الجديد الذي سجق الأمويين بقسوة (ثورة حبيب بن مرة المري أحد قواد مروان بن محمد سنة 132هـ، وثورة الحكم بن ضبعان الجذامي سنة 136هـ)، فإن الثورات التالية كانت نتيجة الفقر الاقتصادي وظلم الخراج والزحام المحلي على الأراضي بين المتوطنين من القبائل القيسية أو اليمانية ومن أمثلة ذلك فتنة سنة 176هـ وسنة 180هـ وسنة 187هـ، وكلها في زمن الرشيد. وإذا كثر قطاع الطريق والمتلصصة في الشام منذ أيام الرشيد (ومنهم أبو الندى البلوي الذي ظهر ما بين مدين وأيلة جنوب فلسطين) فإنما يدل ذلك على انتشار الفقر والضيق الاقتصادي. وقد كانت فترة النزاع الأخوي بين الأمين والمأمون فرصة للشام الجنوبي لفوضى الأمن وانتشار النهب ولهرب الناس منه، ولتسجيل عدد من التمردات، وليظهر عدد من المتسلطين المحليين، من أهمهم أبو العميطر حفيد معاوية الذي ثار وهو في التسعين من عمرة، وأعلن خلافته سنة 193هـ ولكن تعصب القيسيين عليه هزمه سنة 198هـ وضاع خبره. ومنهم أيضاً سعيد بن خالد العثماني الذي هزم بدوره، فهرب إلى الصحراء، ولعل أهمهم سعيد بن أبي السرح الذي غضب – على ما يظهر – لقتل الأمين، فثار، وسيطر على فلسطين وجنوب الشام ما بين سنة 198 – 210هـ، وضرب النقود باسمه. ولكنه هزم أمام عبد الله بن طاهر سنة 210هـ، وانتهى سجيناً في سامراء سنة 211هـ. على أن الثورات هدأت بعد ذلك حوالي 15 سنة لتظهر من جديد ثورة فلاحية خطيرة أعلنها المبرقع تميم اللخمي*، باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سنة 226هـ، أواخر أيام المعتصم. وقد بلغ أنصاره مائة ألف من الحراثين في الغور* وبيسان وطبرية والرملة* والبثنية، ولم يهزمه الجيش العباسي وبأسره ويدخله سجن سامراء إلا حين انصرف أنصاره عنه في أيام الحرث سنة 227هـ. ولم تهدأ بلاد جنوب الشام بعد ذلك، فقد انفجرت فيها ثورة محلية سنة 249هـ، ثم ثار بها ابن السليل سنة 255 – سنة 257هـ ثم قامت ثورة سنة 257هـ بين لخم* وجذام* قبل أن تدخل المنطقة في الحكم الطولوني. 2) فترة الارتباط بمصر (264 – 358هـ/878 – 969م): في هذه الفترة انقلبت الأمور بالنسبة إلى الشام (ومصر معها)؛ فبينما وقع مركز الخلافة في العراق في عصر الفوضى العسكرية، وضعف السلطة المركزية. وقطع الطرق التجارية العالمية، واضطراب الانتاج الاقتصادي، اثر ثورات الزنج ثم القرامطة*، كانت بلاد مصر وجنوب الشام على النقيض من ذلك، تدخل في عهد من النشاط الاقتصادي ومن القوة الاقليمية السياسية تمثلت في ظهور أسر حاكمة محلية (كان طولون ثم آل الاخشيد). وهكذا: تحول اتجاه (جنوب الشام السياسي)، تبعثا للارتباط الاقتصادي، من بغداد إلى مصر. واجتمع حكم جنوب الشام كله في يد وال واحد على الأغلب، وسيطرت الأسماء التركية في الطبقة الحاكمة لعسكرية. ودخل البدو عنصراً سياسياً في مصائر المنطقة. وتمكن قسمة هذه الفترة إلى ثلاثة عهود: العهد الطولوني، وعهد الولاة، والعهد الاخشسيدي . (1) الطولونيون في جنوب الشام (264 – 292هـ/878 – 905م): كان أحمد بن طولون قد حكم مصر منذ عشر سنوات حين توجه إلى احتلال فلسطين، ثم في دمشق سنة 264هـ، منتهزاً فرصة موت وإليها أماجور، ثم لم يتأخر عن احتلال ما بقي من الشام. وقد اعتبر هذه المنطقة جزءاً متمماً لولايته، ونصب فيها العمال والولاة من قبله، ونظم أمورها التجارية والحربية، وعني بثغورها، فبنى، مثلا، ميناء عكا التجاري الحربي في تلك الفترة. وبالرغم من معارضة الموفق شقيق الخليفة العباسي وولي العهد لابن طولون، استطاع هذا القائد التركي أن يستغل ضيق الخليفة بتسلط أخيه، وأن ينصب نفسه محامياً عن الخليفة ويعلن من على منابر دمشق وفلسطين لعن الموفق ووجنوب جهاده. وإذا هدأت المشكلة بين الموفق وابن طولون أواخر سنة 269هـ فان هذا الأخير لم يلبث أن توفي سنة 270ه تاركا الحكم لابنه خمارويه. استمر حكم الأسرة الطولونية بعد ذلك 22سنة توالى خلالها على حكم مصر وفلسطين وجنوب الشام: خماويه بن أحمد حتى قتل في دمشق سنة 282هـ/895م، ثم ولداه أبو العساكر جيش (تسعة شهور)، وأبو موسى هارون (283 – 292هـ/896 – 905م)، وقد قتله أعمامه، فانهارت بقتله الأسرة كلها، وجاء الجيش العباسي فسيطر على الشام ومصر. كان الهم الأول لمخارويه، بعد أبيه، الاحتفاظ، إلى مصر، بجنوب الشام. وقد اضطر من أجل ذلك إلى أن يحارب عدداً من القواد العباسين الطامعين الذين أرسلهم، أو أيدهم الموفق، من أمثال ابن كنداجيق، وأبي العباس بن الموفق، الذي سيرد ذكره باسم الخليفة المعتضد. وقد هزمت جيوش خمارويه في كل المعارك عدا المعركة الأخيرة التي وقعت قرب الرملة، وربحها جيشه صدفة بعد أن هرب هو نفسه، وهي معركة الطواحين* (صفر سنة 271هـ/885م). وأهم ما أسفرت عنه هذه المعركة أنها قررت مصير جنوب الشام إلى عشرين سنة تالية، ففي الاتفاق الذي تم على أثرها أعطي خمارويه حق الحكم الوراثي لما تحت يده من مصر وجنوب الشام مقابل مبلغ سنوي يدفعه إلى الخلافة. وتحولت العلاقات الطولونية العباسية من العداء إلى جو الود، ثم المصاهرة، وشهد جنوب الشام مرور موكب قطر الندى بنت خماويه لتكون زوجة للخليفة المعتضد سنة 281هـ. وبديهي أن الطولونيين حكموا جنوب الشام بولاء من قبلهم، منهم مثلا: سعد الأيسر، وطبارجي، وطغج بن جف. وقد تعرض جنوب الشام، في أواخر العهد الطولوني، سنة 290هـ وما بعدها، لحركات ولهجمات قرطمية نكبت مناطق طبرية، ودمشق، وحتى الرملة. وكانت هذه الحركة القرطمية هي الشكل الظاهر لموجة بدوية واسعة النطاق كانت تتسرب من الجزيرة العربية إلى العراق والشام في تلك الفترة، وتقوم بكثير من أعمال التدمير والنهب في مناطق البلقاء والبثنية وحوران وبيسان وطبرية. ومن أخبارها الباقية نزول حوالي 50 ألف مقاتل بدوي من بني شهاب في بوادي أذرعات سنة 253هـ/867م. وفي سنة 271هـ اضطر بدر الأعسر إلى حماية طريق الشام للحج بعد أن تغلبت عليه الأعراب وقطعته سنين عديدة، وكان من نتائجها ظهور مجموعات مسلحة من سكان المدن لحمايتها، تعرف باسم: الأحداث*. وكان الطولونيون شديدي العناية بالشام وتمثل ذلك بكثرة تردد خمارويه عليها. فقد جاء فلسطين مرتين سنة 272هـ ثم أمضى سبعة أشهر بين سنتي 272 و273هـ، ثم أمضى سنة ونصف السنة بين 274 و276هـ، ثم خمسة أشهر بين سنتي 277 و278هـ ثم أربعة أشهر سنة 282هـ. وقد قتل في دمشق تلك السنة بمؤامرة لم يغب عنها قائده طغج بن جف (والد الاخشيد فيما بعد). ويسجل هنا أن الدعوة الشيعية الاسماعيلية قد تسربت إلى الشام كلها في الفترة الطولونية، ففي أواخر هذه الفترة (حوالي سنة 287هـ) لجأ الامام الاسماعيلي سيراً من السلمية إلى الرملة، واختفى فيها قبل أن يتحول إلى مصر سنة 290هـ (رَ: الشيعة). وكان ضعف الطولونيون في عهدهم الأخير سبباً في طمع القرامطة في أن يقيموا دولة في الشام. وكان شروعهم في ذلك أحد الأسباب في تدمير الدولة الطولونية (رَ: القرامطة). (2) عهد الولاة (293 – 323هـ/905 – 935م): انتهى العهد الطولوني بضربة عاصفة مزدوجة أنزلها القراطمة في الشام أولاً، ثم الجيش العباسي القادم من العراق بعد ذلك. وإذا كان القرامطة الذين أخذوا دمشق وطبرية ثم حمص وشمال الشام، بقيادة أولاد زكرويه القرطمي (الشيخ صاحب الناقة، ثم أخيه أبي مهزول صاحب الشامة) قد أظهروا ضعف الطولونيون الفاضح إلى درجة أن مشروع دولة قرمطية قد ظهر في بلاد الشام حوالي سنة 290هـ، فإن الخلافة العباسية التي هددت بهذا الشكل من جانب البحرين والسواد من جهة، ومن جانب الشام من جهة أخرى بالخطر القرمطي، جمعت أقصى ما تستطيع من القوى فوجهتها إلى الشام بقيادة محمد بن سليمان الكاتب، وسحقت القرامطة (معركة السيل قرب حماة اوائل سنة 291هـ) ثم انطلقت فاحتلت جنوب الشام من الطولونيون أولاً، ثم طرودتهم من مصر بمنتهى القسوة والنكال، وأحرقت عاصمتهم القطائع. وعاد جنوب الشام، بهذه العملية الحربية إلى تبعية مركز الخلافة في بغداد وإلى الولاة المرسلين منها. وبعد حكم قصير للقائد بدر الحمامي في دمشق وطبرية والرملة سنة292هـ، تولى هذه المنطقة أحمد بن كيغلغ حتى أواخر القرن الثالث، ثم عاد إليها مرة أخرى بين سنتي 301 و303هـ، ثم عاد مرة ثالثة بين سنتي 312 و313هـ. وكان خلال هذه الفترات كلها يتبادل الحكم مع والي مصر أبي منصور تكين الخزري، الذي كان يحل محله في جنوب الشام حين ينتقل ابن كيغلغ الى مصر. ثم ولي البلاد سنة 313 هلال بن بدر القائد ثلاث سنوات من قبل الخليفة المقتدر، كما ولي الرملة محمد بن غلام الراشدي. فلما نقل إلى دمشق تولى الرملة وفلسطين محمد بن طغج سنة 316هـ. ثم ما لبث هذا القائد الأخير الطموح، أن استطاع بصداقاته وهداياه، أن يأخذ ولاية دمشق، ويعيد الراشدي إلى الرملة فترة قصيرة. ويبدو أن حكم الرملة عاد قبل سنة 321هـ إلى تمكين والي مصر الذي أرسل إليها ابنه “ولكن موت تكين أعاد هذا الابن مع جيشه إلى مصر، وسمح للخلافة في بغداد أن تتصرف، وتعيين في سنة 321هـ نفسها، محمد بن طغج، صاحب دمشق والياً على جنوب الشام ومصر. وكان ذلك نواة الدولة التي سوف تعرف بالاخشيدية. وقد شهد عهد الولاة هذا سلسلة من الثورات المحلية والأحداث الدامية المتتالية. لكن سمعة البلاد بالغنى والقدسية كانت تجذب الناس إلى فلسطين خاصة وبلاد الشام عامة. فقدمت جموع اللاجئين إليها في البر والبحر سنة 307هـ هاربين من المذابح في برقة (ليبيا)، وقدمت إليها بقايا الأغالبية مع زيادة الله الثالث الذي طرده الفاطميون من تونس. (3) العهد الاخشيدي (323 – 358هـ/935 – 969م): مؤسس الدولة الاخشيدية محمد بن طغج، رغم أصله التركي، شامي النشأة، شامي الهوى والقوة. وقد نشأ وبرز في طبرية وجنوب الشام. وإنما نشأت دولته أولاً في الشام. على خلاف الدولة الطولونية التي بدأت في مصر. لكن الدولة الاخشيدية كانت على أية حال تحديداً للدولة الطولونية وتأكيدا لانقطاع المركزية في الحكم العباسي. عين محمد بن طغج سنة 321هـ والياً على الشام الجنوبي كله بالإضافة إلى ولاية مصر. ولكنه لم يجد في نفسه القوة الكافية لفرض نفسه هناك مع وجود عدد من القوى الأخرى الطامعة. وانتظر حتى أعد لنفسه من القوى العسكرية سنة 323هـ ما يكفيه للسيطرة بالقوة، ثم ذهب في حملة بحرية – برية معاً وطدت له حكم البلاد. وقد اضطر ابن طغج، كما اضطر الطولونيون من قبله، لإثبات قدرتهم على الاحتفاظ  لحكم جنوبي الشام مع مصر في وجه الطامعين المتحركين من مركز الخلافة المشلول الإرادة، فبعد أن استطاع احتواء حركة بحكم أمير الأمراء، ثم القائد تكين، جاءته الأزمة الكبرى مع ابن رائق سنة 327هـ الذي فشل في الحصول على امرة الأمراء فأراد أن يجرب حظه في ضم الشام ومصر إلى حكمه. ومشى في هجمة خاطفة اخترقت الشام كله من الشمال إلى الجنوب حتى دمشق، ثم طبرية، ثم دخل الرملة أوائل سنة 328هـ، واتجه إلى العريش حيث كان جيش ابن طفج قد وصل، وهزم ابن رائق في معركة العريش هزيمة ساحقة. ولكن ابن طغج قبل بعدها أن يحكم جنوب الشام فقط مع مصر وتبقى دمشق وما في شمالها لابن راثق الذي لم يتمتع بهذه الولاية طويلاً. فقد قتل على الفرات سنة 329هـ فشارع الاخشيد إلى احتلال أراضيه. وأخذ في تلك الفترة من الخليفة لقب الاخشيدي، وهو لقب تقليدي لبعض ملوك الترك فيما وراء النهر. ثم تكررت القصة مرة ثالثة بظهور سيف الدولة في شمال الشام. فقد استولى في تلك السنة (333هـ) على حلب وأسرع بضم حمص، ويهزم قواد الاخشيد، ثم دخل دمشق. ولكن جيوش الاخشيد خرجت من مصر والرملة وطبرية في وجهه. فانسحب شمالاً، ثم انتصر الاخشيد عليه نصراً حاسماً في الشمال قرب قنسرين سنة 334هـ فقرر معه الصلح. لكن هذا الصلح لم يدم طويلاً لأن الاخشيد توفي تلك السنة. وعاد سيف الدولة ينتهز الفرصة فيدخل بجيوشه دمشق، ويصل حتى الرملة. وكان ابن الاخشيد صغيراً، وعلى وصايته مملوك زنجي عاقل مخلص جرىء عرفه التاريخ بكافور الاخشيدي، فخرج بالصغير والجيوش إلى الرملة، وهزم سيف الدولة هزيمة منكرة، ثم ألحق به هزيمة أخرى في مرج عذراء عند دمشق سنة 336هـ، وطارد فلول جيشه حتى حلب. وهكذا أثبتت الدولة الاخشيدية قدرتها على الاحتفاظ بجنوب الشام وحكمه.وكان كافور الاخشيدي من الحكمة بحيث هادن سيف الدولة وصالحه ليكون حاجز الصدام بين الدولة الاخشيدية وبين البيزنطيين من جهة وبينها وبين القوى العباسية الطامعة من جهة أخرى. استمرت الدولة الاخشيدية خمسة وثلاثين سنة لم يستغرق منها عهد مؤسسها سوى 11 سنة، وأعقبه ابنه أنوجور وعمره 14 عاماً، ثم مات شاباً سنة 349هـ وخلفه أخوه ست سنوات أخرى حتى توفي سنة 355هـ. وقد تحكم بالدولة منذ وفاة الاخشيد سنة 334هـ حتى سنة 357هـ مملوكه أبو المسك كافور (أي 23 سنة) فهو الذي حكم أمور مصر وجنوب الشام خلال تلك الفترة. وإذا كان الاخشيد قد أعطى اخوته ولاية الشام أولاً، ثم غلمانه، فإن كافورا الاخشيدي قد استرضى الحسن بن طغج شقيق الاخشيد بدمشق. ثم أعطاه حكم الرملة سنة 339هـ حتى مات سنة 342، فأعطاها سنة 345هـ الحسين بن عبد الله بن طغج الذي ظل فيها حتى نهاية الدولة سنة 359هـ. كما يظهر في طبرية وغيرها اسم بعض الولاة من شيوخ  البدو مثل ظالم بن موهوب العقيلي. ويبدو من مراقبة الأحداث أن السنين الأولى للحكم الاخشيدي في جنوب الشام لم تكن كالسنين الأخيرة، فبعد أن كان الجيش قوياً وقبضة الاخشيد شديدة والأمن مستتباً، اضطربت الأمور في الأيام الأخيرة، وازداد ضغط البدو على أطراف البلاد الشامية الجنوبية، وزاد قطاع الطرق، وانقطعت سبل التجارة، وقلت المؤن وضعف تنقلها بين البلدان، وتوقف الحج، وقل عيار النقد الذهبي، وزاد زيفه. وفي الوقت نفسه تدفقت على جنوب الشام جموع من السكان الهاربين من الثغور، ومن شمال الشام أمام الهجمات البيزنطية المتمادية، وشاع الذعر والخوف، مما ألجأ الكثير من المدن إلى إنشاء وحداتها الخاصة في الدفاع المدني فظهرت “ميليشيات” الأحداث، ولها رؤساؤها وتنظيماتها وضرائبها وتدخلها السياسي، في عدد من المدن مثل القدس* وطبرية والرملة وصور وعسقلان ودمشق. وقد استمرت هذه المنظمات قائمة تعمل حتى عهد محمود بن زنكي* في أواسط القرن السادس الهجري (رَ: الأحداث، منظمات). وفي تلك الفترة المضطربة، شاعت الأفكار الأموية والشيعية والقرطمية بين الناس، كما ظهرت الجموع القرطمية – البدوية في البادية شرق فلسطين قادمة من البحرين، والقوى البيزنطية الزاحفة في شمال الشام. ولما مات كافور سنة 357هـ لم يستطع الحسين بن عبد الله بن طغج أن يتسلم الحكم أو ينقذ العهد الاخشيدي، اذ كانت عوامل الانهيار والمجاعة والغلاء يشل الدولة، وتخلق فراغاً الجيوب سياسياً في المنطقة يجعلها لقمة سائغة لأي قوة تظهر. وإذا كانت القوة البيزنطية تهدد المنطقة من الشمال، والقوة القرمطية من الشرق، فإن القوة التي سبقت كانت القوة الفاطمية التي قدمت من افريقيا والمغرب، وبعد أن احتلت مصر سنة 358هـ أسرعت إلى احتلال جنوب الشام: عسقلان، ثم الرملة، والقدس، ثم طبرية، ثم دمشق في السنة نفسها (رَ: الفاطميون). ب- الأوضاع الحضارية العامة: 1) السكان: حين بدأ الحكم العباسي سنة 132هـ كانت فلسطين (وجنوب الشام كله) قد حققت بوضوح عدة تطورات أعطتها طابعها العربي الإسلامي الكامل، سواء من الناحية السكانية – الاجتماعية، أو من الناحية اللغوية والثقافية، أو من الناحية الدينية. كان السكان الأصليون أخلاطا آرامية يعملون في الزراعة* في الريف وفي الخرف في المدن، وكانوا يدعون بالنبط وبالعجم أحياناً. ومنذ الفتح العربي الإسلامي تحول أعداد منهم عن المسيحية* إلى الإسلام*، وعن الكلام باللهجة السريانية (الآرامية)* إلى العربية. وكان هناك في جنوب الشام من يدعون بأهل فلسطين، وهم المجموعات العربية التي نزلتها قبل الفتح الإسلامي بعدة قرون، كما نزلتها بكثافة كبيرة بعده (رَ: العرب قبل الإسلام في فلسطين). وهم أخلاط من العرب من لخم وجذام وعاملة* وكندة* وقيس* وكنانة* وغسان (رَ: الغساسنة). ولم تنقطع هذه الوافدة العربية البدوية عن النزول في جنوب الشام طوال العهد الأموي، ثم العصر العباسي، وكان وجودها في القرن الرابع الهجري خاصة يأخذ شكل الموجات الصغيرة المؤثرة. وكان في الغور بعض الجماعات الزنجية. 2) اللغة: كانت اللغة العربية معزوفة متداولة قبل الإسلام في فلسطين إلى جانب اللغة الآرامية، وظلت الأولى تكسب الناس، بعد الفتح، على حساب الثانية قبل أن تصبح في أواسط العصر العباسي، هي المسيطرة في الكلام اليومي وتتحول الثانية إلى جزر لغوية معزولة في الأديرة والمرتفعات، وفي الكنائس للصلوات. أما في الكتابة والتأليف فكان نصر اللغة العربية أسرع بسبب تقريب  الدواوين منذ العهد الأموي. وقد ظهرت مؤلفات نصرانية مكتوبة بالعربية بدل  اليونانية منذ أواخر القرن الثاني للهجرة، كما ساهم القائمون بالترجمة أيام العباسيين في الاسراع بالتعريب. وكانت طبرية أحد مراكز تعليم الكتابة “أي أعمال الدواوين بالعربية، وأكثر المتعلمين لها كانوا من النصارى منهم زرعة بن موسى*. 3) الدين: كان الدين السائد قبل الإسلام هو المسيحية مع بعض اليهودية في بعض المدن، وكان المذهب الأعم هو اليعقوبي السرياني (رَ: اليعقوبية)، وانتشرت بينهم أواخر العهد البيزنطي الملكانية. وكانت هناك بيع وأديرة كثيرة، تحوي الكثير من المسيحين من مناطق مختلفة في العالم. وثمة كنائس من أشهر كنائس الدنيا، مثل كنيسة القيامة، وبيعة اللد، وكنيسة بيت لحم. وقد دخل الإسلام مع العرب الفاتحين الذين توطنوا في البلاد، وانتشر بين العرب السابقين والسكان الأصليين بالتدرج. على أنه لم يصبح دين الجميع، فقد كانت بيت المقدس وطبرية وعسقلان كثيرة الذمة وكذلك بيت لحم*. وانتشرت المذاهب بين المسلمين، فكان مسلمو طبرية وقدس وأكثر عمان شيعة أما الباقون فكانوا أهل جماعة وسنة. والسائد فيهم المذهب الشافعي*. وفي بيت المقدس قوم من الكرامية ولهم خوانق. وكان هناك قوم من اليهود السامرية يمتدون ما بين الرملة ونابلس* إلى طبرية (رَ: السامرين). 4) نظم الإدارة والخراج: لم يغير العباسيون في التنظيم الإداري الذي وجدوا عليه فلسطين قبلهم في العصر الأموي. وكل ما في الأمر أن كلمة “جند” التي تستعمل لتقسيمات الشام الإدارية تحولت، مع الزمن، إلى كلمة “ولاية”. وكانت ولاية فلسطين مركزها الرملة، (التي كانت تحمل هي نفسها اسم فلسطين أيضاً، وتمتد من اللجون حتى رفح. وولاية الأردن مركزها طبرية، وتمتد من صور وعكا إلى البلقاء حتى أيلة على خليج العقبة* وتقسم فلسطين 12 كورة هي: الرملة، وايلياء – عمواس، ولد، وبيسة، ويافا*، وقيسارية*، ونابلس، وسبسطية*، وعسقلان، وغزة*، وبيت جبرين*. ويضم إليها نواحي زغر، وديار قوم لوط، والشراة والجبال حتى أيلة. وتقسم الأردن، وهي أصغر أجناد الشام، 13 كورة هي: طبرية، والسامرة، وبيسان، وفحل، وجرش، وبيت راس، وجدر، وآبل، وسوسية، وصفورية*، وعكا، وقدس*، وصور. ولم يتغير نظام الضرائب* في العهد العباسي عما كان، ولا مقادير الخراج. وكانت البلاد في النصف الأول من العهد العباسي تدفع – كما كانت تدفع من قبل ذلك – نحو 400 ألف دينار سنوياً، لكن هذا الرقم أضحى مرهقاً بسبب سوء الأحوال الاقتصادية المتمادي في البلاد خلال القرن الثاني للهجرة، مما أدى إلى كثير من الثورات، مثل موقع المبرقع، وإلى الهرب من القرى وترك بعضها، واضطرار السلطات إلى استرضاء بعض الفلاحين والتخفيف من الضرائب تارة، أو بالمعدل تارة أخرى، ثم اضطرار المأمون والمتوكل إلى إعادة تعديل الأراضي. غير أن الأمر اختلف في القرن الثالث الهجرى، وزاد نشاط الحركة الاقتصادية. وفي هذا يقول الجغرافي المقدسي: “الضرائب في هذا الإقليم هينة. إلا ما يكون على الفنادق فإنه متكرر. وعلى الفنادق والرحبة ضرائب ثقال … وفيها رجالة على الأبواب فلا يمكن أن يبيع أحد شيئا إلا بها …”. وقائمة خراج فلسطين والأردن كانت في عهد الرشيد سنة 180هـ تبلغ 320 ألف دينار على فلسطين، و96 ألف دينار على الأردن، عدا الضرائب العينية. وفي سنة 304هـ كانت القائمة: 295 ألف دينار لفلسطين و109 آلاف للأردن وحوالي سنة 232كانت الأرقام: 500 ألف دينار لفلسطين، و350 ألف دينار للأردن. وارتفاع هذا الرقم ليس ناجماً عن ارتفاع الخراج فحسب، ولكن عن إضافة ريع الضياع السلطانية إليه أيضاً. وفي سنة 278هـ كان الخراج: 300 ألف دينار (في الضياع السلطانية) في فلسطين، و100 ألف في الأردن. وفي أواسط القرن الرابع للهجرة، أيام كافور الاخشيدي، كانت الأرقام: 295 ألف دينار لفلسطين، و170 ألف دينار للأردن. وهذه الأرقام هي صافي ما يصل إلى السلطة من الضرائب، بعدما يخرج منها في لوازم السلطان وأرزاق الجند والمتصرفين من الكتاب والعمال. عدا ما يذهب إلى جيوب المتقبلين (ملتزمي جمع الضرائب). 5) السكة: ظلت النقود* المتداولة في جنوب الشام تسك، في دور الضرائب فيها، باسم الخليفة العباسي منذ ولي العباسيون الحكم، ولم تظهر عليها أسماء أخرى إلا منذ عهد الرشيد. (1) الدينار: كانت الشام ضمن نطاق النقد الإسلامي الذهبي (الدينار) وفي عهد ابن طولون ظهر الأول مرة دينار يجعل اسم الوالي المحلي مع الخليفة. فسنة 266هـ ضربت الدنانير المعروفة بالأحمدية وعليها اسمه مع اسم الخليفة، وكان عيارها جيداً بسبب الغنى الاقتصادي. وفي المتاحف نماذج كثيرة منها. وفي المتاحف نماذج كثيرة منها. وقد ضرب في فلسطين من تلك النتائج نيف وثلاثين ديناراً. واستمرت دار الضرب في الرملة بعد الطولونيون تسك الدنانير ولكن باسم الخليفة فقط. وثمة منها في المتاحف مجموعة ضربت في الرملة ما بين سنتي 295 – 312هـ وعليها اسم الخليفة المقتدر على وجه، واسم ولي عهده على الوجه الأخر. ويبدو أن طبرية كانت لها أيضاً دار ضرب، فقد وجدت دنانير مما ضرب فيها. واستمر ضرب الدنانير في طبرية والرملة أثناء العهد الأخشيدي، ومن نماذجها دنانير ضربت سنة 323هـ وسنة 325هـ. غير أن الدنانير التي ضربها الاخشيد سنة 329هـ كان عليها اسمه وحده، وذلك أثناء خصومه مع الخلافة واين رائق. لكنه عاد فأثبت اسم الخليفة في دنانيره بعد ذلك، وكذلك فعل ابنه أنوجور. وفي المجموعات الأثرية نماذج كثيرة جداً من الدنانير الاخشيدية من مختلف السنوات، لكن عيار الدنانير الأخيرة منها كان مختلفاً بسبب الضائقة الاقتصادية التي تحكمت في مصر تسع سنوات، واستمرت حتى سنة 360هـ. (2) الدرهم والفلس: لم يعثر على دراهم تحمل اسم فلسطين (الرملة) قبل سنة 293هـ، سنة سقوط الطولونيون. أما الفلوس النحاسية فالنماذج الباقية منها تكشف عن أنها ضربت في الرملة في زمن الرشيد. وثمة فلس موجود يحمل اسم جعفر (البرمكي)، ولعله يعود إلى سنة 180هـ حين كان جعفر في الشام يحمد الفتن. وثمة فلوس تحمل اسم الثائر ابن أبي السرج سنة 205هـ، وهو المتغلب على فلسطين بين سنتي 200 و210هـ. ويبدو أن الفاطميين بعد حكمهم الشام جمعوا الفلوس، وأعادوا ضربها باسمهم. وهذا ما يعلل به الباحثون عدم العثور على أي فلس مضروب في الرملة أو طبرية أو عكا أو غزة أو غيرها بعد سنة 217هـ، أيام المأمون. 6) القضاء*: كان قضاة فلسطين والأردن في العصر الأول يعينهم الخلفاء الذين كانوا يحرصون على الاحتفاظ بهذا الحق. ولا يكاد يعثر إلا على القليل من أسمائهم، ومنهم: أبو سعيد عبد الرحمن بن ابراهيم بن عمرو الدمشقي* والملقب بدحيم، الذي تلمذ له البخاري، وقد توفي سنة 245هـ، وغوث ابن سليمان الحضرمي الذي قدم مع صالح بن علي العباسي من مصر إلى فلسطين، ومحمد بن الحارث بن النعمان قاضي فلسطين زمن المعتصم والواثق. وقد أصاب مؤسسة القضاء ما أصاب الولاية من الانقطاع عن السلطة المركزية أيام الطولونيين. وابن طولون لم يمس في كل عهده هذا المنصب، وكان قاضيه بكار بن قتيبة قد سماه الخليفة منذ سنة 246هـ حتى آخر حياته سنة 270هـ. لكن ابن طولون في السنة الأخيرة من حكمه اصطدم مع هذا القاضي، لأنه لم يطاوعه في لعن الموفق شقيق الخليفة، فسجنه، لكنه لم يعين قاضياً بدلاً منه. فلما جاء حماويه بعد ذلك عين القضاة من قبله في مصر وغيرها. وصارت مصر تعين قضاة الشام. وانتهى هذا الأمر في الفترة العباسية التي تلت العهد الطولوني، وعاد أمر القضاء إلى الخلافة. وحين جاء العهد الاخشيدي كان الاخشيديون عامة على وفاق مع الخليفة، ولذلك كانت بغداد تعين القضاة، ولكنهم لا يمارسون مهامتهم إلا بموافقة الاخشيد أو كافور. وكان هؤلاء القضاة يتولون قضاء مصر وجنوب الشام معاً، ولكنهم كالولاة الكبار لا يتولون ذلك بأنفسهم، بل يعينون النواب عنهم في الرملة وطبرية ودمشق وغيرها، ويقوم التنافس على ذلك والتآمر والرشوة. ومن القضاة الذين تولوا القضاء في جنوب الشام من بقي في بغداد أيضاً، وأرسل من ينوب عنه، كأبي الحسن أحمد بن اسحق الخرقي سنة 330هـ، ومحمد بن الحسن بن أبي الشوارب سنة 324هـ، وأبي بكر بن عبد العزيز الهاشمي العباسي سنة 336هـ. ومن قضاة الرملة الذين مارسوا القضاء فيها بالتبانة أحمد بن عبد الله الكشي سنة 331هـ، وعثمان بن محمد بن شادان قبل سنة 348هـ. 7) الأحوال الاقتصادية: أصيبت بلاد الشام ومصر منذ أوائل القرن الثاني للهجرة بانحطاط اقتصادي تدرجي ازداد تأثيره بعد تحطيم الأسطول العربي على يد الروم سنة 129هـ/746م، ثم انهيار الدولة الأموية في الشام، وإهمال العباسيين المتعمد لشؤون هذه البلاد، وبروز الفتن القبلية فيها، وانقطاع موارد العطاء ورزق التجنيد. وقد بدأت الأوضاع الاقتصادية في التجسس منذ أوائل القرن الثالث الهجري. وكان من دلائل في ذلك ونتائجه ظهور الدولة الطولونية الغنية، وانقطاع الشكوى من ثقل الخراج في جنوب الشام واعتبار ضرائبه هينة. وقد استفادت بلاد الشام الجنوبية ومصر من ثورات العراق وفتنه أثناء القرن الثالث للهجرة (الزط، والزنج، والقرامطة، وحركات الجسد الأتراك) في تنشيط الطرق التجارية القادمة إليها، وفي استغلالها. وهكذا كان جنوب الشام، كما روى الجغرافي المقدسي “معدن الجنوب والأغنام” في أواسط القرن الرابع، وكذلك كانت حوران والبلقاء ومنطقة الخليل وبيت جبرين والدارويم كثيرة الغلال والرخاء، وفيها خزانة الميرة والضياع الجليلة. وكانت الكروم في كل مكان (وفي جبل عامل والخليل خاصة) وكذلك التين والزيتون* (من جبل عامل إلى نابلس والرملة والقدس ويبنة والخليل)، والفواكه منتشرة ومنها 36 نوعاً من الفاكهة تختص بها فلسطين وحدها. وتنمو فيها أنواع العنب* والكمثرى والتين والجميز والخروب وقصب السكر والجزر واللوز والعناب والنارنج والتفاح والشهد والترمس والزيتون والاترج. ويزرع القطن في الجولة وطبرية، ومثله قصب السكر والحلفاء. كما يزرع الأرز والنخيل والموز* والأرهاب والريحان فيما بين بيسان وأريحا*. والحرف الصناعية المعروفة كان منها السكر في كابول على الساحل بالقرب من عكا، والحصر والكاغد في طبرية، والزيت الذي تنتشر معاصره في كل مكان، وحرير القز في عسقلان، والصابون في نابلس والقدس، والزجاج في صور. والطواحين كثيرة تديرها البغال والثيران. وهناك مقالح للرخام الملون، وصناعة للسفن في صور وعكا. وتجارة المنتوجات الزراعية والصناعية ناشطة في الداخل، كما أن طرق التجارة العالمية كانت تصل إلى فلسطين من شمال الشام عن طريق دمشق، ومن أبلة في البحر الأحمر، ومن رفح ومن موانىء البحر المتوسط. وكانت الصلات مع قبرص واشجة. ولم تكن المكاييل المستخدمة موحدة في فلسطين، ففي الرملة كانت:الكيلجة (وتساوي حوالي 6.3 ليتر)، والمكوك (3 كيالج)، والوبية (مكوكان)، والقفيز (4 ويبات). أما القدس فلدى سكانها المدى (ويساوي حوالي 100 ليتر)، والعقب (ويساوي ربع المدى). وكانت صور تستعمل القفيز الذي يعادل المدى المقدسي. وأما في الأوزان، فالرطل هو الوحدة، ويزن بصورة عامة 600 درهم، وإن كان وزنه يختلف من بلد إلى آخر، ويقسم 12 أوقية. كانت صور أهم موانىء التجارة والحرب. وقد بنى ابن طولون ميناء عكا على مثال مينائها الذي يوغل في البحر بجدران قوية، وله في مدخله سلاسل نعلقه في الليل. وأما موانىء قيسارية وأرسوف* ويافا وعسقلان وغزة فكانت أصغر شأناً ونشاطاً. وقد تميزت شواطىء فلسطين في العصر العباسي بوجود سلسلة من الرباطات على سواحلها لحراستها من السفن العدوة، والإبلاغ عن وصولها بنيران المنائر وبالطبول والنفير، ولها مهمة أخرى هي اقتداء الأسرى الذين تحملهم تلك السفن لبيعهم (رَ: القلاع والأبراج). والرباطات التي كان يقع فيها الفداء كانت في عسقلان وأسدود* ويافا وأرسوف. 8) الحياة العلمية: كانت الحياة العلمية في فلسطين، خلال العصر العباسي، كمركز في مراكز ثلاثة: الرملة وهي قصبة فلسطين، وعسقلان، التي كان مركزها التجاري يجتذب إليها الناس، وطبرية التي اشتهرت بالكتابة وتعليمها. لكن الإقليم كله بصورة عامة كان متصل النشاط الفكري مع باقي الأقطار الإسلامية، وبخاصة مع مصر من جهة، ومع العراق من جهة أخرى. وكان هذان الإقليمان يجتذبان إليها الكثير من أبناء فلسطين الذين يبرزون في دنيا الفكر. ولهذا كانت الحياة العلمية بصورة عامة قليلة النشاط نسبياً. ويعد في فلسطين من الفقهاء: الشافعي (رَ: محمد بن ادريس الشافعي) ومن الشعراء والأدباء ادريس بن يزيد النابلسي (أواخر القرن الثاني للهجرة)، وكشاجم (رَ: محمود بن حسين الرملي). ومن المحدثين الحفاظ: آدم بن عبد الرحمن بن محمد* والمؤمل ابن قفل، ومحمد بن جعفر من سهل الخرائطي*، ومحمد بن أحمد ابن عبد الرحمن الملطي*. ومن الجغرافيين محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء المقدسي* وبعض هؤلاء قدم فلسطين واستوطن فيها، ولم يكن من أهلها. وفي كتب التراجم أعداد حسنة من العلماء الذين تنتهي نسبتهم بكلمتي الرملي والعسقلاني. 9) الحياة الاجتماعية: لم تكن البنى الاجتماعية في فلسطين مستقرة التكوين خلال العصر العباسي كله. فقد كانت تتحول دون انقطاع يفعل عوامل كثيرة. إن عناصرها الأساسية كانت مكونة من: مجموعات سكانية  سابقة (آرامية)، ومجموعات عربية متوطنة، ومجموعات عربية بدوية  تفد باستمرار. وقد أضيفت إليها مجموعات عسكرية تركية برزت منذ العهد الطولوني، ومجموعات إسلامية من المغرب ومن المشرق. وكان الإسلام بصورة عامة يفعل فعله في دمج هذه العناصر بعضها ببعض، وإعادة تكوينها الاجتماعي في مجموعتين أفقيتين. – الخاصة: وهم كبار الموظفين والقواد والأمراء والعمال والقضاة وكبار التجار وملاك الأراضي والأشراف والعلماء والأطباء ورجال الدين من الذعة وزعماء الجماعات القبلية. – العامة: وهم البنى الطبقية التحتية من الزراع والحرفيين والباغة وصغار الجند وعامة الذمة والنساك. ويتبع هذه الطبقة، ولكن في شروط اجتماعية أشد سوءاً، طبقة العبيد والجواري، والبدو والمتنقلين. وهاتان الطبقتان كانتا بدورهما تقسمان عمودياً إلى مجموعات، فالعرب منهم مقسمون بين قيس ويمن، ويتزاحمون، وتجري بينهم الدماء. والذعة يقتسمون بين الطوائف المختلفة، ويتزاحمون بدورهم، ويختلفون. كما أن الحرفيين كان لهم في المدن هموم ومصالح تختلف عن هموم الحراثين. والعبيد لهم مآسيهم المختلفة عن مآسي البدو الرحل. والعسكريون كانوا طبقة تختلف في شروطها عن طبقة النساك والقسس الصغار. وبعض الطبقات أو الجماعات كانت تختص بمهن معينة، فالجندية كانت للعرب أولاً، ثم صارت للترك، والطب للنصارى، وكذلك الكتابة، وأكثر الصباغين والصيارفة والدباغين بهذا الإقليم من اليهود. 10) المدن: كانت أهم مراكز التجمعات المدنية في الشمال هي :الجولة “معدن الأقطان”، وبانياس، ثم طبرية، وهي قصبة الأردن، وقدس، وهي صغيرة أقيم فيها سد على نهر الأردن. وبيسان، وكانت كثيرة النخيل، وكابول في الساحل قرب عكا، وفيها قصب السكر، وعكا وهي زميلة صور في الحصانة والتجارة. أما في الوسط فهناك الرملة قصبة فلسطين كلها، وكانت “حسنة البناء واسعة الفواكه وليس في الإسلام أنهى من جامعها” (كما يقول المقدسي في أواسط القرن الرابع) وبها الرباطات والحمامات والمنازل الفسيحة والشوارع الواسعة. وهناك بيت المقدس، وكان عليها في تلك الفترة حصن له ثمانية أبواب من الحديد بنيانها حجر، ولا أتقن من بنائها، ولا أنظف من أسواقها، ولا أكثر من مساجدها. وفيها قبة الصخرة* والمسجد الأقصى الذي كان خدامه مماليك له أقامهم عبد الملك بن مروان من خمس الأسارى، فكانوا يسمون الأخماس، ولا يخدمه غيرهم. ووظيفة هذا المسجد مائة قسط زيت للإنارة كل شهر (210 ليترات تقريباً). وله في كل سنة 800 ألف ذراع من الحصر لفرشه. وهناك كنيسة القيامة التي كانت تتسع لثمانية آلاف رجل، وفيها من الصور والزخرف الكثير. وهناك نزل بناء الفرنجة*، وفيه مجموعات منهم لايواء الحجاج وتذكر أيضاً بيت لحم، وكانت قرية صغيرة، وحبرى (الخليل) وكان فيها ضيافة دائمة من وقف تميم الداري،تقدم الضيافة اليومية إلى 500 مسافر بالمجان. وتذكر كذلك يافا وأرسوف في الساحل، ونابلس في الجبال، وكانوا يسمونها “دمشق الصغرى” مبلطة نظيفة. وأهم مدن الجنوب: قيسارية، وليس على بحر الروم بلد أجل منها ولا أكثر خيرات، وعليها حصن منيح، وهناك عسقلان على البحر، وهي جليلة حصينة كثيرة المخارس والفواكه. وهناك أيلة على خليج العقبة، وكانت ثغر بحر الصين، وفرضة فلسطين، وبلدة جليلة، وتنتهي تجارتها إلى بلدة صغر (أو زغر) على جنوب البحر الميت*، وكانت تسمى بالبصرة الصغرى والمتجر المربح. وبعد، فإن نظرة شاملة إلى الفترة العباسية التي امتدت قرنين وربع القرن تكشف تحول فلسطين دينية إلى الإسلام، ولغوياً إلى العربية، وسياسياً من حكم أمراء البيت العباسي إلى حكم القواد الأتراك. وبالرغم من انها تراجعت اقتصادياً في القرن الثاني الهجري فإنها عرفت النشاط الاقتصادي لحسن بعد ذلك. وأما في المجتمع والثقافة فقد كان اتجاه التطور يمشي نحو دمج العناصر المختلفة فيها بعضها ببعض ةتكوينها ضمن الإطار الإسلامي العربي. وعلى الرغم من أنها خرجت سنة 358هـ من الحكم العباسي إلى الحكم الفاطمي فإن الخطوط العامة لتطورها لم تتغير بعد ذلك.