العصر الأيوبي

إن الدولة الأيوبية وليدة الحركة الصليبية، ذلك أن الصحوة الإسلامية التي جاءت رد فعل لظهور الوجود الصليبي في أرض المسلمين في الشرق الأدنى تمثلت في حركة جهاد واسعة بدأت مع ظهور الخطر الصليبي لأول مرة في أواخر القرن الحادي عشر للميلاد (رَ: الفرنجة). ولم يضعف المسلمون حين تمكن الصليبيين من تثبيت أقدامهم في الرها وأنطاكية وطرابلس فضلاً عن بيت المقدس. فمنذ وصول الصليبيين إلى أرض الشام، خرجت الحملات من الموصل حينا، ومن مصر أحياناً لصد الغزاة. وقد شاركت في هذه الجهود القرى السياسة الإسلامية المبعثرة في بلاد الشام، ولكنها كلها جهود غلب عليها الطابع الفردي، وقامت بها قرى سياسية صغيرة مزقتها الفرقة السياسية والمدفعية والعنصرية، مما جعلها قاصرة أماء الكيان الصليبي الذي أخذ ينتشر فوق الأرض الإسلامية، يوماً بعد يوم مستولياً على المدن، ومؤسساً الحصون، ومعتدياً على الأهالي الآمنين. وهكذا، حتى أدرك المسلمون في النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي أن نقطة البداية السليمة لمواجهة عدوهم الغاصب واسترداد أرضهم السلبية هي توحيد صفوفهم، وإقامة جهة إسلامية قوية تمتد من الفرات إلى النيل، تطوق الخطر الصليبي وتجعله خنيقا وسط محيط إسلامي واسع، يطبق عليه من مختلف الجهات. وكان أن شرع عماد الدين زنكي حاكم الموصل في تنفيذ هذه الخطة، واكتمل تنفيذها على يد نور الدين محمود بن زنكي* الذي مد نفوذه من حلب إلى دمشق، إلى القاهرة. حتى إذا ما توفي سنة 570هـ/1174م ترك صلاح الدين في مصر ليحول هذه الوحدة إلى طاقة تعمل على تقويض البناء الصليبي على أرض الشام (رَ: يوسف بن أيوب). يمكن تقسيم العصر الأيوبي في فلسطين إلى ثلاثة أدوار أو مراحل غير متكافئة في مداها الزمني. ولكن كلا منها يمثل مرحلة ذات طابع وخصائص معينة. أ – الأيوبيون قبل حطين (570 – 582هـ/1174 – 1186م): يبدأ هذا الدور باستقلال صلاح الدين بمصر بعد وفاة نور الدين زنكي، وخروجه من مصر إلى الشام لتوحيد قرى المسلمين، وينتهي باكتمال إعادة بناء الجبهة المتحدة سنة 582هـ/1186م، ومد سلطان صلاح الدين على مصر والنوبة وغرب الجزيرة العربية وفلسطين وسورية الوسطى والموصل. وبذا أحاط بالفرنجة وحصرهم. وكانت مملكة القدس اللاتينية* قد بلغت في تلك المرحلة غاية النضج والاتساع، وقد بسطت سيطرتها على أرض فلسطين من الساحل غرباً حتى الكرك وإقليم الأردن شرقاً، ومن الجليل شمالاً حتى وادي عربة* وأيلة جنوباً، فحكموا في طرق المواصلات، ومنعوا الاتصال بين فلسطين ومصر، على أنهم لم يستطيعوا السيطرة على أرض فلسطين سيطرة مطلقة، بل ظلت قلاعهم ومدنهم منعزلة وسط محيط إسلامي كبير يؤلف الغالبية العددية من السكان. ب- الأيوبيون من حطين إلى وفاة صلاح الدين (583 – 588هـ/ 1187 – 1192م): شهدت أرض فلسطين سنة 583هـ/1187م تحولاً كبيراً أدخلها مرحلة جديدة من مراحل تاريخها في العصر الأيوبي. ذلك أن صلاح الدين كان قد فرغ عندئذ من إعادة بناء الجبهة الإسلامية المتحدة، وبذلك غدا في استطاعته أن “ينصرف بكليته إلى الفرنج”. والواقع أن صلاح الدين لم يستطع صبراً على عدوان الصليبيين على بلاد المسلمين، ليس في فلسطين فحسب وانما أيضاً في البحر الأحمر والحجاز، رغم الهدن التي كانت تعقد بينه وبينهم، فشن حربه الشاملة على الصليبيين في فلسطين، وهي الحرب التي أنزل بهم خلالها هزيمة ساحقة في معركة حطين* سنة 583هـ/1187م، ونجح في استرداد معظم المدن الساحلية والموانىء التي كانوا قد اغتصبوها على شاطىء فلسطين، حتى توج جهاده باستعادة بيت المقدس وطردهم منها. ولا شك في أن الإنجازات التي حققها صلاح الدين في أشهر معدودة غيرت ميزان القوى بين المسلمين والصليبيين، بل غيرت صورة فلسطين بحيث غدت هذه الصورة في نهاية سنة 583/1187م، غير ما كانت عليه تماماً من بداية هذه السنة. ومهما قيل من أن الفرنجة استطاعوا، بمساعدة الحملة الصليبية الثالثة، أن يحفظوا بوجودهم على أرض فلسطين، وأن يحصلوا بمقتضى صلح الرملة* سنة 588هـ/1192م، على اعتراف من صلاح الدين، ببقاء مملكة لهم على شاطىء فلسطين، تمتد من صور إلى يافا، عاصمتها عكا، فإن عقارب الساعة لم تعد إلى الوراء مطلقاً بعد سنة 583هـ/1187م. وشأن بين مملكة الفرنجة في فلسطين – عاصمتها بيت المقدس – بكل ما لها من تراث حضاري وثقل روحي- يتحكم ملكها في سلسلة المدن والقلاع والحصون تمتد من شرق الأردن إلى البحر الأحمر، ثم إلى البحر المتوسط لتشمل ساحل فلسطين بأكمله، وبين مملكة لهم، عاصمتها عكا، فقدت ظهرها، فيها ملك لا يتحكم إلا في شريط ساحلي، مهما بلغت أهمية ما فيه من مدن، فإنها معرضة للزوال لانقطاع الشريان الذي يربطها بداخل البلاد. وتجمع مختلف المصادر على أن مملكة الصليبيين التي سقطت على يد صلاح الدين في حطين، وتم إحياؤها بعد ذلك في عكا، ولدت هزيمة مقصوصة الجناحين، تحول الصليبيون فيها من الهجوم إلى الدفاع، في حين غدا ملوكهم في عكا ألعوبة بأيدي كبار أمرائهم. إضافة إلى أن التجار الايطاليين الذين حافظوا دائماً على مراكز قوية لهم في موانىء فلسطين وثغورها، صارت لهم كلمة نافذة في توجيه سياسة مملكة الفرنجة في عكا، مما جعل الطابع التجاري الاقتصادي يغلب فيها على الطابع السياسي الحربي. وفي داخل فلسطين، أخذت الصورة تتبدل بسرعة بعد ثمانية وثمانين عاماً، سيطر طوالها الصليبيون على بيت المقدس ومدن فلسطين الداخلية. ذلك أنه بانحسار النفوذ الصليبي عاد إليها طابعها العربي الإسلامي الأصيل، واستنب الأمن والسلام، الأمر الذي ترتب عليه نشاط الحياة الاقتصادية. أما بيت المقدس نفسها، فقد عاد إليها الازدهار بين أحضان أهلها، فقصدها الزوار من مختلف البلاد، وغدا المسجد الأقصى* مرة أخرى مقصد العلماء والفقهاء والمحدثين ورجال الدين من المعلمين والمتعلمين. هذا في الوقت الذي لم يحرم أهل الكتاب من زيارة أماكنهم المقدسة في أمان تام وحرية كاملة، حتى إن صلاح الدين خصص حراسة لحجاج المسيحين الذين اتجهوا إلى زيارة كنيسة القيامة*. ويقول أبو شامة عن الموقف، غداة صلح الرملة سنة 588هـ/1192م: “ووصل خلق عظيم العدد من المسيحين الحجاج إلى القدس، وفتح لهم السلطان (صلاح الدين) الباب في ذلك، وأتخذ معهم الخفراء يحرسونهم حتى عودتهم إلى يافا”. ج- الأيوبيون بعد صلاح الدين (589 – 659هـ/ 1193 – 1260م): دخلت فلسطين المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل تاريخها في العصر الأيوبي بعد وفاة صلاح الدين سنة 589هـ/1193م، وهي المرحلة التي استمرت حتى نهاية الدولة الأيوبية في فلسطين سنة 659هـ/1260م. وإذا كانت المرحلة السابقة قد اتصفت، رغم قصرها، بانحاز نفوذ الصليبيين عن فلسطين، وتحول ميزان القوى إلى صالح المسلمين، فإن مرجع ذلك كان وجود صلاح الدين نفسه على رأس الدولة، وهو الرجل القوي الذي خلفه الأعداء وأحبه الأصدقاء. وظلت وحدة الدولة الأيوبية بزعامته قائمة ماثلة، تفرض نفسها. وكان من حول صلاح الدين أبناؤه وإخوته وأبناء إخوته وأهل بيته، كل منهم التزم حدوده التي رسمها له كبيرهم صلاح الدين، مما أضفى جواً من الانضباط على الدولة الأيوبية من الفرات إلى النيل، بوجه عام، وعلى فلسطين حيث كان العدو الدخيل ما زال رابضاً على الساحل، بوجه خاص. وظل الأمر على هذا الوضع بالرغم من الصعاب التي واجهت صلاح الدين في أواخر سني عمره، مما اضطره إلى عقد صلح الرملة مع الصليبيين والاعتراف لهم بدولة على ساحل فلسطين. في هذه المرحلة استمر وصول الحجاج المسيحيين من العرب الى فلسطين ووصلت عدة حملات عملية في فترات متقطعة،اتجه معظمها إلى فلسطين، رغبة في استرداد بيت المقدس. وكانت هذه الحملات جموعاً صغيرة العدد والعدة، مما جعل تأثيرها ضعيفاً في الشرق. أما بالنسبة للبيت الأيوبي نفسه، فقد ترك صلاح الدين دولة مترامية الأطراف امتدت من الفرات إلى النيل، ومسؤولية جسيمة هي اتمام سياسته في الجهاد، بحيث لم يعد في وسع أحد من خلفائه أن يتخلى عن هذه السياسة إذا أراد الاحتفاظ بملكه، ما دام العدو الدخيل – ممثلاً في الفرنجة – ما زال يحتل جزءاً من الأرض. وكان هذا هو مصدر الفراغ الكبير الذي تركه عند وفاته في 27 صفر 589هـ/1193م، وهو فراغ ضخم لم يستطع أحد من أبنائه السبعة عشر، وإخوته، أو أبناء اخوته أن يملأه. وإذا كان ملك الأيوبيين قد انتهى في مصر مع قيام دولة سلاطين المماليك* سنة 1250م، فإن نفوذهم ظل قائماً في فلسطين حتى 1253م عندما تم عقد صلح بين المماليك في مصر والأيوبيين في الشام، وربما استمر ظل النفوذ الأيوبي في فلسطين ماثلاً، في صورة أو أخرى، حتى معركة عين جالوت* سنة 1260م. والملاحظ أن صلاح الدين اعتمد في إرساء دعائم دولته في الدور الأول من تاريخه على إخوته وأبناء اخوته وأبناء اخوته وأبناء عمومته، واختصهم بالمناصب الكبرى والولايات الرئيسة. لكنه لم يلبث بعد ذلك أن بدل سياسته، فجعل لأبنائه المكانة الأولى، ووزع عليهم المناصب الكبرى ثم استقى لآخوته وأقاربه المراكز الثانوية. وهكذا استأثر أبناء صلاح الدين بالأجزاء المختارة، وأخذ بقية الأقارب الأجزاء الأقل أهمية من الدولة الأيوبية. وكانت فلسطين (الساحل وبيت المقدس)، بالأضافة إلى بعلبك وصلخد ونصرى وبانياس وتبنين إلى الداروم قرب حدود مصر، من نصيب الأفضل نور الدين علي، ابن صلاح الدين الأكبر. في حين أخذ ابنه الثاني العزيز عماد الدين عثمان، مصر. وأخذ الابن الثالث، وهو الظاهر غازي، حلب وشمالي الشام. أما الملك العادل الأول، محمد بن أيوب*، أخو صلاح الدين، فقد أخذ الكرك والأردن، فضلاً عن الجزيرة وديار بكر، وكلها اقطاعات ثانوية متفرقة منحه إياها صلاح الدين، ولا تتناسب مع أهمية العادل التي ستزداد ظهوراً مع مضي الوقت. أما بقية أبناء صلاح الدين وإخوانه وأقاربه، فكانت لهم اقطاعات ثانوية صغيرة، في شمال الشام وإقليم الجزيرة واليمن. ولم تلبث أن نشبت حرب الوراثة بين أبناء البيت الأيوبي. ذلك أن صلاح الدين كان قد أوصى لابنه الأفضل نور الدين علي، صاحب دمشق وفلسطين، بالسلطة من بعده، على أن تكون له السلطة العليا في بقية أنحاء الدولة. ولكن الأفضل لم يكن بالشخص الذي يصلح لتلك المهمة لضعفه وسوء سيرته واقباله على اللهو والاستمتاع بالملذات، ونبذه معظم أمراء أبيه ومستشاريه، مما جعلهم يقرون إلى أخيه العزيز عثمان في مصر ليستعدوه على أخية الأفضل وهكذا بدأت سلسلة من الحروب بين الاخوة سنة 590هـ/1194م، أتاحت الفرصة لعمهم العادل الأول سيف الدين أبي بكر للنفاذ في صفوفهم وتحقيق أطماعه. ولم تنته سنة 596هـ/1200م إلا كان العادل قد نجح في توحيد الدولة الأيوبية تحت زعامته، فصار “سلطان البلاد جميعها”، وبيده ملك مصر وبيت المقدس ودمشق، في حين اعترف الظاهر غياث الدين غازي، في حلب، بسيادة عمه العادل الأول. وكان أن أعاد هذا تنظيم دولته مستعيناً بأبنائه، فأناب ابنه الكامل محمد بن أحمد بن أيوب* في حكم مصر، وجعل المعظم عيسى بن محمد بن أيوب* في دمشق، وأعطى الأشراف حران، والأوحد ميا فارقين. أما السلطان العادل فقد احتفظ لنفسه بالإشراف العام على جميع تلك الأنحاء “وصار ينتقل في ممالك أولاده، والعمدة في كل الممالك عليه”. وبذلك تم توحيد الجبهة الإسلامية مرة أخرى في وجه الفرنج، وقام على رأس هذه الجبهة رجل من أقوى رجال عصره وأكثرهم خبرة بالفرنج في حالي الحرب والسلم. والواقع أن الفرنجة في الشرق، وأصحاب المصالح والمشاريع الصليبية في الغرب الأوروبي، نظروا بعين القلق اإى جهود العادل سيف الدين في إعادة توحيد الجبهة الإسلامية. وقد حدث في تلك الأنماء أن وفدت على عكا سنة 594هـ/1197م جموع من الصليبيين الألمان أفسدت جو الهدوء والسلام السائد بين المسلمين والفرنجة منذ صلح الرملة، فانتشروا في الساحل، وأوغلوا حتى أطراف القدس*. ولم يستطع العادل سيف الدين السكوت عن ذلك العدوان، فأسرع إلى حشد القوى الأيوبية، وأنزل هزيمة بالفرنج عند تل العجول، قرب غزة. ثم تابع العادل ضرباته فاستولى على يافا. فعقد معه الفرنجة صلحاً في سنة 595هـ/1198م، على أساس القواعد التي اتفق عليها في صلح الرملة بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد، مع احتفاظ كل طرف من الطرفين بفتوحاته الجديدة، فاحتفظ الصليبيون بيروت وجبيل، واحتفظ العادل بيافا، في حين قسمت صيدا بين الطرفين. ولا شك في أن هذا الصلح الذي تحدد بثلاث سنوات، أتاح للعادل فرصة طيبة ينجز فيها مشروعها الخاص بتوحيد الجبهة الإسلامية، وإدخالها تحت سيادته. أدرك أصحاب المشاريع الصليبية في الغرب الأوروبي، بعد صلح الرملة، خطورة مصر وأهميتها بالنسبة إلى مشاريعهم، بوصفها القاعدة الكبرى التي ارتكز عليها الأيوبيون في حروبهم مع الفرنجة في الشام، والتي استمد منها صلاح الدين معظم مواده البشرية والمادية. لذلك دخلت الحركة الصليبية مع بداية القرن الثالث عشر للميلاد مرحلة جديدة، شهدت استنكار مصر بالجزء الأكبر من اهتمام الصليبيين، واتجاه الحملات الصليبية الكبرى إلى دلتا النيل باللذات. وكانت أولى الحملات الصليبية الضخمة التي أعدها الغرب الأوروبي لمهاجمة مصر في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي هي الحملة الرابعة. ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، وهو انحراف هذه الحملة سنة 601هـ/1204م نحو القسطنطينية، فنزل فيها الصليبيون ونهبوها. وفي تلك الأثناء ظل كل من السلطان العادل والملك آموري الثاني ملك مملكة عكا الصليبية يترقب ما يمكن أن تسفر عنه الحملة الصليبية المزعومة، ولذا استمر كلاهما يتصرفان بخذر بالغ. ثم طلب آموري الصلح من العادل. وتم الصلح فعلاً في العام نفسه. وبمقتضى هذا الصلح ترك العادل للفرنجة النصف الخاص بالمسلمين في صيدا واللد* والرملة*، كما منحتهم الناصرة لتسهيل مهمة الحجاج المسيحيين. إضافة إلى أن العادل وافق في هذا الصلح على رد يافا إلى الفرنج. وهي المدينة التي كان قد انتزعها منهم في آواخر سنة 594هـ/1197م. ولا شك في أن الصلح في حد ذاته يعطي فكرة عن مدى تساهل العادل مع الفرنج، تساهلاً وصل إلى حد التفريط. وهي الصفة التي لازمته واشتهر بها في التاريخ، وورثها عنه أبناؤه. وفي سنة 606هـ/1210م توج ملك جديد على مملكة الفرنجة، هو الملك حنا دي برين، الذي سارع إلى تجديد الصلح مع السلطان العادل. على أن فرسان الرهبان الداوية، الذين عرفوا دائماً بتعصبهم، قاموا بأعمال استفزازية للمسلمين، جعلت الملك المعظم عيسى بن العادل يخرج على رأس جيوشه قاصداً عكا، وبصحبته المؤرخ سبط بن الجوزي، الذي أفاض في وصف حماسة المسلمين للجهاد، حتى إن النساء قطعن شعورهن ليجدانها حبالاً للمجاهدين. وقد أخذ الملك المعظم عيسى هذه الشعور وهو بجامع نابلس “وجعلها على وجهه وجعل يبكي، وكان يوماً عظيماً”. وبعد أن أنزل المسلمون خسائر جسيمة بضياع الفرنج قرب عكا، وغنموا وأسروا، انصرفوا إلى جبل الطور*، حيث أقام المعظم عيسى قلعة قوية تشرف على إقليم الناصرة وتحمي اقليم الجليل من أبنة غارة مقبلة من جانب الفرنج. فأثار ذلك الرعب في قلوب الفرنج، فأسرعوا إلى عقد هدنة مع السلطان العادل بلدة ست سنوات (608 – 614هـ/ 1211 – 1317م). وأخذوا خلالها يخططون لغزو مصر، بمساعدة الغرب الأوروبي. انقضى أجل الهدنة السابقة بسلام، ولكن خريف سنة 1217م هاجم الصليبيون القلعة الجديدة التي شيدها السلطان العادل على جبل الطور للسيطرة على إقليم الجليل. وقد فشل الفرنج في تحقيق غرضهم، وإن كانوا قد نجحوا في الاستيلاء على بيسان ونهب بعض الممتلكات الإسلامية. ولما أدرك السلطان العادل سدى المتاعب التي سببتها له هذه القلعة “خربها إلى أن ألحقتها بالأرض، لأنها بالقرب من عكا ويتعذر حفظها”. أما حنا دي برين ملك الفرنج في عكا، فقد خرج في سنة 615هـ/1218م على رأس حملة من عكا قاصداً دمياط بحراً. وفي الوقت الذي كان الصليبيون على أرض الدلتا، توفي السلطان العادل سنة 615هـ/1218م. وكان الملك المعظم عيسى في دمشق قد رأى أن يواصل هجماته على الفرنج في فلسطين ليخفف ضغطهم على مصر، فهاجم قيسارية واستولى عليها وهدم قلعتها. وبالرغم من ذلك خشي المعظم عيسى عاقبة انتصار الصليبيين في مصر، فسارع سنة 616هـ/1219م إلى تدمير عدة حصون قوية في فلسطين، مثل تبنين وبانياس وصفد، خشية وقوعها في قبضة الفرنج. بل فكر في هدم سور مدينة بيت المقدس، وشرع فعلاً يهدم أبراجها حتى لا يستفيد منها الفرنج في حالة استيلائهم على المدينة. والواقع أن الملك المعظم لم يكن مبالغاً في مخاوفه، لأن أخاه الكامل محمداً في مصر عرض على الفرنج، عندما أدرك سوء موقفه أمامهم، الجلاء على مصر مقابل اعطائهم “القدس وعسقلان وطبرية وجبلة واللاذقية، وسائر ما فتحه السلطان صلاح الدين من بلاد الساحل”، أي أعاد مملكة بيت المقدس القديمة إلى ما كانت عليه في فلسطين قبل معركة حطين سنة 583هـ/1187م، باستثناء الكرك (الأردن) والشوبك (وادي عربة). ولكن الصليبيون رفضوا ذلك العرض وطمعوا في مصر كلها، فضلاً عن فلسطين. وكان أن استولى الصليبيون على دمياط في سنة 616هـ/1219م، لكنهم وقعوا في عدة أخطاء استراتيجية، مما أدى إلى فشلهم وجلائهم عن الدلتا سنة 618هـ/1221م، بعد أن عقدوا مع الأيوبيين هدنة لمدة ثماني سنوات تنتهي سنة 626هـ/1229م. وما كاد أمر أبناء السلطان العادل يجتمع في مواجهة الخطر الصليبي حتى عاد إلى التفوق، وتفرط عقد تحالفهم إثر إخفاق الحملة الصليبية الخامسة واستحكم الخلاف بينهم، ولا سيما بين الكامل محمد في مصر وأخيه المعظم عيسى في دمشق. وتمثلت الخطورة الناجمة من ذلك الانشقاق في أن كل طرف منهما استعان بقوة خارجية، فاستغاث المعظم عيسى بالخوارزمية*، في حين استنجد الكامل محمد بامبراطور الغرب فريدريك الثاني في صقلية. ولكن قبل أن يحدث الصدام الفعلي بين الطرفين مات الملك المعظم عيسى تاركا ابنا شابا، هو الناصر صلاح الدين داود الذي لم يلبث أن “اشتغل باللهو، وأعرض عن مصالح الدولة”. الأمر الذي مكن عميه الكامل والأشرف من اقتسام أملاك أخيهما المعظم، وإعطاء ابنه الناصر داود “الكرك والبلقاء والسلط والأغوار والشوبك”. ولا شك في أن هذا التحول الجديد في العلاقات بين أبناء السلطان العادل الأيوبي لم يكن في صالح الامبراطور فريدريك الذي وصل فعلاً إلى عكا في سنة 625هـ/1228م مؤملاً أن يحصل على بيت المقدس حسب وعد الكامل له، مقابل مساعدته. وكان أن “تحير الملك الكامل، ولم يمكنه دفعه ولا محاربته لما كان قد تقدم بينهما من الاتفاق فراسله ولاطفه”. أما الامبراطور فكان موقعه لا يقل حرجاً – بل سوءاً – لأنه أتى الشرق في وقت اشتدت المعركة بينه وبين البابوية في غرب أوروبا، مما جعله يحرص على الفوز ببيت المقدس في الشرق ليصلح موقفه في الغرب. وتجمع المصادر على أن الامبراطور بكى في بعض مراحل المفاوضات بينه وبين السلطان الكامل. وكان أن غلبت على السلطان الكامل صفة التسامح التي ورثها عن أبية العادل، والتي بلغت درجة التفريط، فعقد صلح يافا* مع الامبراطور فريدريك الثاني في سنة 626هـ/1229م، لمدة عشر سنوات. وبمقتضى هذا الصلح منح الكامل الفرنج بيت المقدس وبيت لحم والناصرة، فضلاً عن تبنين وصيدا بأكملها. وبخصوص بيت المقدس اشترط الصلح أن تبقى “على ما هي عليه من الخراب ولا يحدد سورها، وأن يكون سائر قرى القدس للمسلمين لا حكم فيها للفرنج، وأن الحرم بما حواه من الصخرة والمسجد الأقصى يكون بأيدي المسلمين” (رَ: يافا، صلح). وهكذا استطاع الفرنج أن يستعيدوا بيت المقدس دون قتال سنة 626هـ/1229م، الأمر الذي أثار الشعور العام عند المسلمين، “فعظم على أهل الإسلام هذا البلاء واشتد الانكار على الملك الكامل، وكثرت الشناعات عليه في سائر الأقطار”. أصاب الضعف الأيوبيين في فلسطين في الربع الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي، ولم يحاولوا استغلال حالة الفوضى التي غرق فيها الفرنجة آنذاك. وكان ذلك في الوقت الذي اشتد خطر الخوارزمية – ومن خلفهم التتار* – على الممالك الأيوبية من ناحية الشمال الشرقي. وبدلاً من أن يوحد الأيوبيون في الجزيرة وشمالي الشام وفلسطين ومصر جهودهم أمام ذلك الخطر، انقسموا على أنفسهم ذلك الانقسام الذي بدا في صورة واضحة بين الملك الأشرف الأيوبي صاحب دمشق وأخيه الأكبر السلطان الكامل محمد في مصر. وعندما مات الملك الأشرف سنة 635هـ/1237م خلفه أخوه الملك الصالح اسماعيل، الذي أعاد تكوين خلف أيوبي شامل على السلطان الكامل. على أن الأخير لم يقف مكتوف اليدين أمام ذلك التكتل، فخرج من مصر ليستولي على دمشق ويعزل الصالح اسماعيل عنها. ومهما يكن من أمر فإن السلطان الكامل لم يلبث أن توفي سنة 636هـ/1238م، مما جاء نذيراً بتفكك الدولة الأيوبية، إذا لم يستطع ابنه العادل الثاني، أو الصغير، الذي آلت إليه السلطنة ان بوقف تيار الانشقاق بين أبناء البيت الأيوبي نفسه. وقد استطاع الملك الصالح نجم الدين أيوب، ابن الكامل، أن يستولي على دمشق سنة 637هـ/1239م مما أوقعه مع أخيه العادل الثاني في صراع، زاد من حدته نجاح الصالح اسماعيل عم كل من العادل الثاني (الصغير) والصالح أيوب، في استرداد دمشق، وطرد الصالح أيوب منها. ودفع الصالح أيوب في قبضة الناصر داود صاحب الأردن والكرك، حتى أطلق الأخير سراحه، واتفق معه على القيام بحملة على مصر لانتزاعها من العادل الثاني. وفعلاً نجح الصالح أيوب في أن يدخل مصر سنة 628هـ/1240م، ليصبح سلطاناً، وعندئذ فكر في الثأر من عمه الصالح اسماعيل الذي سبق أن طرده من دمشق. وفي وسط هذه الفوضى التي عدت العلاقات بين أبناء البيت الأيوبي في مصر والشام، انتهى أجل صلح يافا الذي كان قد تم عقده بين الكامل وفريدريك الثاني سنة 627هـ/1229م. فانتهز الناصر داود صاحب الأردن فرصة ما قام به الفرنج من تحصين بيت المقدس خلافاً للشروط المتفق عليها في صلح يافا مع المسلمين، فاستولى على القدس، وأخرج منها الفرنج. وقد استغل الصليبيون الخلاف بين الصالح اسماعيل في دمشق وابن أخيه الصالح نجم الدين أيوب الذي آلت إليه السلطنة في مصر عقب عزل العادل الصغير سنة 1240م. فمد الصالح اسماعيل يده إليهم طالباً مساعدتهم على الصالح نجم الدين أيوب في مصر والناصر داود صاحب الكرك، وبادر إلى إعطائهم مقابل هذه المساعدة بيت المقدس وعسقلان، وقلعة الشقيف ونهر الموجب (أرنون) وأعمالهما، وقلعة صفد وبلادها “ومناصفة صيدا وطبرية وأعمالهما، وجبل عامل وسائر بلاد الساحل”، متحدياً بذلك شعور المسلمين الذين أعربوا عن سخطهم البالغ، “وأكثروا من التشنيع على الملك الصالح اسماعيل”. وهكذا عادت بيت المقدس مرة أخرى إلى الفرنج، ووعدهم الصالح اسماعيل “بأنه إذا ملك مصر أعطاهم بعضها”. حشد الصليبيون قواهم عند غزة، في حين كون الصالح إسماعيل حلفاً من بعض الملك الأيوبيون في شمال الشام وزحفوا جميعاً للانضمام إلى حلفائهم الفرنج عند غزة. أما الصالح نجم الدين أيوب فقد سابق جنده من مصر إلى غزة لمواجهة الموقف. وهنا حدثت المفاجأة، إذ رفض جند الشام محالفة الفرنج على إخوانهم جند مصر، وكان إن “ساقت عساكر الشام إلى عساكر مصر طائعة ومالوا جميعاً على الفرنج فهزموهم، وأسروا منهم خلفاً لا يحصون”. وهكذا أصيب الفرنج بخيبة أمل شديدة، وأسرعوا بالانسحاب إلى عسقلان حيث عقدوا صلحاً مع الصالح نجم الدين أيوب سنة 638هـ/1240م، اعترف فيه الصالح أيوب بحق الفرنج في ملكية الشقيف ونهر الموجب (أرنون) وإقليم الجليل، بما فيه تبنين وهونين وطبرية والطور وكوكب، بالإضافة إلى بيت المقدس وبيت لحم* ومجدل يابا وعسقلان. من الواضح أن حرص الصالح أيوب على استرضاء الفرنج وتجديد الصلح معهم، إنما يرجع إلى تخوفه من نيات عمه الصالح اسماعيل في دمشق، الذي لم يكف عن الكيد له. فتحالف اسماعيل مع الناصر داود في الكرك، وطلبا مساعدة الفرنج في فلسطين، مقابل جعل سيطرتهم على بيت المقدس تامة كاملة. بمعنى أن يستولي الفرنج على الحرم الشريف بما فيه المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وهي الأماكن التي ظلت، ولو نظرياً، في حوزة المسلمين منذ صلح يافا سنة 626هـ/1229م. أما الصالح نجم الدين أيوب فقد مد يده هو الأخير إلى الفرنج طالباً مساعدتهم على خصومه، مقابل الثمن نفسه الذي عرضه منافساه. وبذلك يكون الملوك الأيوبيون الثلاثة، الصالح أيوب والصالح اسماعيل والناصر داود، قد أقروا عندئد مبدأ استيلاء الفرنج على الحرم الشريف. على أن الفرنج اختاروا الوقوف إلى جانب الصالح اسماعيل صاحب دمشق، لأنه أقرب إليهم من صاحب مصر. وبالتالي، فهو أكثر قدرة على التحكم في مصائرهم. فشرع الصالح اسماعيل في غزو مصر بمساعدة حليفيه الناصر داود صاحب الأردن، والمنصور ابراهيم ملك حمص، إلى جانب الفرنج. وتقرر أن تجتمع قوات الحلفاء جميعاً عند غزة. أما الصالح نجم الدين أيوب فلم يجد أمامه قوة يستعين بها سوى الخوارزمية الذين ما كانت تصلهم دعوة الصالح أيوب حتى اندفع عشرة آلاف منهم من إقليم الجزيرة إلى الشام، ومروا بدمشق، صوب الجليل ليستولوا على طبرية ونابلس، ثم بيت المقدس سنة 642هـ/1244م. وبذلك عادت بيت المقدس نهائياً إلى المسلمين. وبعد القضاء على كل أثر للفرنج فيها، اتجه الخوارزمية إلى غزة ليجتمعوا مع العسكر المصري الذي أرسله الصالح أيوب من مصر. وفي موقعة غزة الثانية* التي دارت سنة 642هـ/1244م بين الخوارزمية وجيوش الصالح أيوب من ناحية، والفرنج وحلفائهم من ناحية أخرى، حلت الهزيمة ساحقة بالأخيرين، حتى قدر قتلى الفرنج بأكثر من ثلاثين ألفاً عدا ثمانمائة أسير سبقوا إلى مصر. ويجمع المؤرخون على أن موقعة غزة الثانية كانت أخطر ضربة تلقاها الفرنج عند حطين سنة 583هـ/1187م، حتى أطلق عليها اسم “حطين الثانية”. ولم يلبث أن ثار الخوارزمية في الشام بعد أن خيب الصالح أيوب غنيم. ولم يسمح لهم بالإقامة في مصر، أو بإعطائهم بلاد الشام. ولكن الصالح أيوب حركتهم وبدد شملهم. وفي تلك الأثناء كان الجيش المصري التابع للصالح أيوب قد فرغ من معاقبة الصالح اسماعيل وخليفه الناصر داود، فاستولى على القدس والخليل وبيت جبرين والأغوار واسنسلمت دمشق سنة 642هـ/1245م. أما الفرنجة في فلسطين فقد عاقبهم الصالح أيوب بعد أن فرغ من أمر الخوارزمية، فاستولى على قلعة طبرية، وحاصر عسقلان براً وبحراً حتى اقتحمها، ودمر تحصيناتها سنة 644هـ/1247م. وبذلك انحسرت حدود الفرنج إلى أبواب يافا. على أن الصالح أيوب ما كاد يفرغ من إحياء وحدة الدولة الأيوبية تحت زعامته، حتى دهمت مصر سنة 646هـ/ 1249م الحملة الصليبية بزعامة لويس التاسع ملك فرنسا. وقد انتهى أمر هذه الحملة بالاخفاق وأسر لويس التاسع ،ثم اطلاق سراحه ليذهب إلى عكا. وكان أهم ما تمخضت عنه حملة لويس التاسع هو سقوط دولة الأيوبيون في مصر لتحل محلها دولة سلاطين المماليك سنة 648هـ/1250م. ولم يرض الأيوبيون في الشام عن هذا التطور، فدخلوا في صراع عنيف مع المماليك في مصر، وتزعم الأيوبيون في هذا الصراع الناصر يوسف صاحب حلب ودمشق، الذي حاول غزو مصر أكثر من مرة، ولكن قواته منيت في كل مرة بالهزيمة. وفي ذلك الصراع، سعى كل من الأيوبيون في الشام والمماليك في مصر اكتساب الفرنج في عكا بزعامة لويس التاسع إلى جانبهم، وتعهد كل من الطرفين بتسليم الفرنج بيت المقدس ثمناً لمساعدتهم. واختار لويس التاسع أن ينضم إلى جانب المماليك في مصر لإنقاذ أسرى حملته المهزومة من جهة، وللتخلص من بقية الفداء المطلوب منه دفعه مقابل اطلاق سراحه من جهة أخرى. وفعلاً عقدت اتفاقية سنة 649هـ/1352م بين المماليك ولويس التاسع، وتم الاتفاق على أن تلتقي جيوش الحلفاء قرب يافا لمنازلة الأيوبيون. على أنه حدث ما لم يكن في الحسبان، وهو تدخل الخليفة العباسي، تحت تأثير الاحساس باقتراب الخطر التتري من بلاده، لجميع صفوف المسلمين، مما أدى إلى عقد صلح سنة 651هـ/1253م بين الأيوبيون في الشام والمماليك في مصر. وبمقتضى هذا الصلح اعترف الناصر يوسف بسيادة المماليك على مصر وبلاد الشام حتى نهر الأردن*، واعترف المماليك بسيادة الأيوبيين على بقية بلاد الشام وأن يدخل في حوزة المماليك غزة والقدس ونابلس والساحل كله. ولم يلبث التتار أن اجتاحوا العراق وأسقطوا الخلافة العباسية في بغداد سنة 656هـ/1258م. وبذلك جاء دور الشام. وهنا أظهر ملوك بني أيوب في الجزيرة والشام تحاذلاً أمام التتار، فأرسلوا اليهم  يهادونهم ويخطبون ودهم. وقد أسرع الناصر الأيوبي نفسه إلى إعلان خصومه للتتار، وأرسل ابنه العزيز سنة 656هـ/1258م “بتحف وتقادم إلى هولاكو ملك التتار، وصانعه لعلمه بعجزه عن ملتقى التتار”. أما الأشرف موسى الأيوبي صاحب دمشق فقد أسرع إلى تقديم ولائه إلى هولاكو، في حين بادر المنصور، ابن المظفر الأيوبي صاحب حماة، بالقرار إلى مصر بحريمه وأولاده تاركاً حماة وأهلها يلقون مصيرهم، ثم في الناصر يوسف من دمشق إلى غزة بنية الهروب إلى مصر “وترك دمشق خالية وفيها عامتها قد أحاطت بالأسوار”. ولا شك في أن ذلك السلوك الشائن الذي مملكه الملوك الأيوبيون بالشام جاء فصل الختام لدولتهم، واعترافاً بعدم أهليتهم لتولي أمور المسلمين. وتبدد نفوذ البيت الأيوبي بسرعة، لتصبح “بلاد الشام كلها من الفرات إلى النيل حدود مصر” – على قول المقزيزي – في قبضة المماليك.   المراجع:   –         سعيد عبد الفتاح عاشور: مصر والشام في مصر الأيوبيين والمماليك، بيروت 1972. –         سعيد عبد الفتاح عاشور: الحركة الصليبية، القاهرة 1963. –         سعيد عبد الفتاح عاشور: الناصر صلاح الدين، القاهرة 1965. –         ابن واصل: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، القاهرة 1965. –         بهاء الدين يوسف بن رافع: سيرة صلاح الدين، القاهرة 1964. –         المقزيزي: السلوك لمعركة دول الملوك، القاهرة 1936. –         ابن الأثير: الكامل في التاريخ، بيروت 1966. –         ابن تغري بردي: النحوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة 1932. –         ستيفن رنسمان: تاريخ الحروب الصليبية (مترجم) بيروت 1967-1969.