المنظمة الصهيونية العالمية

عبر الفكر السياسي الصهيوني عن نفسه بشكل عملي بظهور حركة “أحباء صهيون”* مع بداية الثمانينات من القرن التاسع عشر. ولعل أبرز ما استهدفته هذه الحركة دعم الاستيطان الصهيوني في فلسطين عن طريق تشجيع الهجرة الصهيونية إلى الأراضي المقدسة وتفقديم المساعدات المالية والمعنوية للمهاجرين. وكانت حصيلة ذلك كله اقمة المستعمرات الصهيونية الأولى في فلسطين (بتاح تكفا*، ريشون لتسيون*، روشبينا، زخرون يعقوب، الجديرة). ولقد فتحت حركة أحياء صهيون في العقد الأخير من القرن التاسع عشر الطريق أمام اتجاه سياسي صهيوني أكثر بلورة وتطوراً عرف فيما بعد بـ”صهيونية هرتزل” نسبة إلى ثيودور هرتزل (1860 – 1904). وقد تميزت الصهيونية الهرتزلية عن غيرها بكونها تياراً يؤكد أن الخلاص القومي “لليهود” ولا يمكن تحقيقه عبر عملية منقطعة لإقامة المستعمرات وإنما عبر عمل سياسي كامل محمي على الصعيد العالمي. وقد نجحت جهود هرتزل – رغم فشله في تحقيق كثير من الأهداف الأساسية أو الفرعية التي رسمها لنفسه – في عقد المؤتمر الصهيوني* الأول الذي افتتح أعماله في مدينة بال (بازل) بسويسرا في 29/8/1897. ولقد أسفر ذلك المؤتمر عن تحقيق أمرين رئيسين هما: 1) وضع البرنامج الصهيوني المعروف ببرنامج بال (بازل)*. 2) إقامة المنظمة الصهيونية العالمية لتنفيذ البرنامج الموضوع الذي نص على: “أن هدف الصهيونية هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام”. ولإنجاز الهدف الصهيوني الرئيس ووضعه موضع التنفيذ الفعلي كان لا بد من جعل المنظمة الصهيونية العالمية منظمة فاعلة. وقد تم للصهيونيين ذلك عبر حرصهم على جعل المنظمة مؤسسة لها أجهزة مركزية تماثلت في رئيس المنظمة، ونائب الرئيس، ومكتب التوجيه المركزي، واللجنة التنفيذية، والمجلس العام (شبه التنفيذي شبه التشريعي)، والمؤتمر الصهيوني، وهو”السلطة العليا التشريعية في الحركة الصهيونية”. كما جرى تأسيس الأجهزة المحلية في المنظمة على أساس ترك “تقرير شكلها النهائي وشكل العضوية فيها لكل بلد على حدة”. وبالفعل تمت المنظمة الصهيونية على نحو سريع. فما كاد المؤتمر الصهيوني السادس ينعقد في عام 1903 حتى بلغ عدد الأعضاء المشاركين فيه 600 عضو وازداد عدد الجمعيات الصهيونية إلى 1,572 جمعية متوزعة على بلاد مختلفة. كما نجحت المنظمة في تأسيس “الصندوق القومي اليهودي” (الكيرين كايميت)* عام 1901 بهدف استملاك الأراضي في فلسطين لتكون “ملكاً للشعب اليهودي لا يمكن التفريط به”، بل ان المنظمة نجحت في نهاية عام 1901 في إنشاء بنك صهيوني عرف باسم “صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار” الذي تفرعت عنه بنوك أخرى هدفها جميعا تمويل النشاطات والمشاريع الصهيونية. وفي الوقت ذاته حرص هرتزل، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، على تكثيف جهوده الدبوماسية للحصول على “براءة”  تستطيع المنظمة بموجبها ضمان أي كيان صهيوني يقام في فلسطين علاوة على تسريع النشاطات الصهيونية الهادفة إلى إقامة مثل ذلك الكيان. وعلى الرغم من أن محادثات هرتزل مع كل من ألمانيا وتركيا ومصر وبريطانيا وروسيا والنمسا فشلت في تأمين “البراءة” المطلوبة فقد نجحت جهوده في جعل “المسألة اليهودية” قضية عالمية، تماماً مثلما نجحت في حصوله – بمحادثاته المختلفة – على نوع من الاعتراف الضمني بالمنظمة الصهيونية العالمية، إلى جانب نجاحها في حل الكثير من المشكلات التنظيمية التي واجهت المنظمة. غير أن المرحلة الهرتزلية في المنظمة لم تكن خلواً من المشكلات الداخلية التي كانت تهدد وجود المنظمة ووحدتها أكثر من مرة. فبالإضافة إلى التيار المعادي للصهيونية الذي ظهر منذ اللحظات الأولى لتأسيس المنظمة بدأ يشكل منذ المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 نوع آخر من المعارضة سرعان ما تمثل في “الصهيونية العملية” مقابل “الصهيونية السياسية” التي كان يتزعمها هرتزل ذاته. ومن الجدير بالذكر في هذا النطاق أن الخلاف بين هذين الفريقين لم يكن خلافاً مبدئياً بقدر ما كان خلافاً في التركيز على بند دون آخر من بنود “البرنامج الصهيوني” ذلك أن “العملين” ركزا على البند الخاص بتشجيع حركة الاستيطان في حين ركز “السياسيون” على البند الخاص بالحصول على “براءة” من الدول المعنية لضمان شرعية واستمرار أي كيان صهيوني يقام على فلسطين. كما شهدت المنظمة بروز “الجناح الديمقراطي الصهيوني” – بقيادة حاييم وايزمان، وليوموتزكن، وفكتور جاكوبسن، ومارتن بوبر وغيرهم – الذي انتقد القيادة الهرتزلية “غير الديمقراطية” لأنها لم تظهر حرصاً كافياً على “بعث الثقافة اليهودية” بشكل كاف. غير أن أخطر ما واجهه هرتزل على هذا الصعيد تجلى في المعارضة التي قادها مناحيم اوسيخن من خلال “اللجنة الروسية” وعبر مؤتمر المعارضة في مدينة كاركوف بروسيا في تشرين الأول 1903. وقد تبنى مؤتمر كاركوف انذاراً نهائياً إلى هرتزل يطالبه فيه بتغيير أسلوبه في إدارة شؤون المنظمة، كما يطالبه بإلغاء مشروع أوغندا في افريقيا الشرقية نهائياً “لصالح المشاريع الخاصة بالاستيطان في فلسطين أو سورية”، وبالتخلي عن طريقته الدكتاتورية في تصريف الأمور. وقد استمرت هذه الخلافات بين جزر ومد حتى وفاة هرتزل في منتصف عام 1904. تميزت الفترة التي تبدأ بغياب هرتزل وتنتهي باندلاع نار الحرب العالمية الأولى بالتطورات التالية: 1) ازديار نفوذ “الصهيونيين العمليين” حتى تحققت لهم السيطرة الكاملة على مقدرات المنظمة في المؤتمر الصهيوني العاشر المنعقد في عام 1911. وقد ترأس المنظمة منذئذ أوت واربورغ زعيم تيار “الصهيونية العالمية”. 2) وضع مشروع اقامة الوطني القومي اليهودي في أوغندا جانباً، وعلى نحو نهائي، بدءا من المؤتمر الصهيوني السابع المنعقد عام 1905، الأمر الذي أدى إلى انسحاب مؤيدي المشروع من المنظمة وتأسيس “المنظمة الدولية الاقليمية” بقيادة “إسرائيل زانغويل”. 3) ازدياد النشاط الصهيوني في فلسطين عبر الأجهزة المختلفة لإرساء قواعد “الوطن القومي اليهودي”. وقد أدت الجهود والمشاريع الصهيونية إلى هجرة 40 ألف يهودي في فلسطين في الفترة الممتدة بين 1904 و1914، في حين لم يتجاوز عددهم في الفترة الأطول بين 1882 و1904 خمسة وعشرين ألفاً (ر: الهجرة الصهيونية إلى فلسطين). تركت الحرب العالمية الأولى آثاراً بعيدة المدى في المنظمة الصهيونية العالمية. فمن جهة وقعت أجهزة المنظمة في حال من الفوضى الإدارية وانقطعت مكاتبها المركزية عن الأجهزة والوحدات المحلية والأعضاء، ومن جهة ثانية تعرضت الأجهزة الصهيونية في فلسطين ذاتها، ومعها المستوطنون الصهيونيون، إلى هزات قياسية أدت في النهاية إلى حل كثير من تلك الأجهزة وهجرة كثير من الصهيونيين إلى خارج فلسطين. ومن جهة ثالثة برز نجم حاييم وايزمان في لندن كزعيم “الأمر الواقع” للحركة الصهيونية” وأما الأهداف السياسية للحركة الصهيونية فقد تحددت في أربعة هي: 1) ضرورة انتصار الحلفاء. 2) إقامة انتداب بريطاني في فلسطين. 3) تسهيل ذلك الانتداب دخول مليون يهودي، أو أكثر، إلى فلسطين. 4) انتهاء الانتداب بعد أن يكون اليهود قد سيطروا على مقدرات فلسطين. وقد حرص وايزمان ومؤيدوه على بناء جسور متينة مع الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية. وأسفرت هذه الجهود عن عقد مؤتمر صهيوني طارىء في نيويورك في 30/8/1914 شكلت فيه “اللجنة التنفيذية الموقتة للشؤون الصهيونية العامة” برئاسة القاضي لويس براندايس زعيم الصهيونيين الأمريكيين وقد نجحت الجهود الصهيونية بجناحيها البريطاني والأمريكي وأنصارهما في تقريب وجهات نظر الحكومتين البريطانية والأمريكية فيما يتعلق بقضية فلسطين، وكانت حصيلة ذلك كله صدور وعد بلفور* في 2/11/1917. وما كادت الحرب العالمية الأولى تضع أوزارها حتى أعيد تنظيم المنظمة الصهيونية العالمية، بل جرى تطويرها، ولا سيما في مجال استكمال الجهاز المالي، بتأسيس “الصندوق التأسيسي لفلسطين”. (الكيرين هايسود)* المختص بنشاطات الهجرة والاستيطان. وأما “اللجنة الصهيونية” في فلسطين فسرعان ما تحولت إلى “حكومة طور التكوين” التي أشرفت على كافة شؤون يهود فلسطين، وعلى إعادة تنظيم وتطوير الجهود الخاصة ببناء وطن قومي يهودي عبر دوائر السياسة والدعاية والاغاثة والزراعة والاستيطان والاحصاء والتجارة والصناعة والهجرة والتعليم والمالية والعمل وسواها. ولقد جاء انعقاد المؤتمر الصهيوني الثاني عشر في أيلول 1921 تتويجاً لعملية إعادة التنظيم، وتكريساً لعودة السلطة التشريعية في المنظمة بعد انقطاع دام منذ عام 1913. ومنذئذ ترأس حاييم وايزمان المنظمة واستحدث منصب رئيس اللجنة التنفيذية التي انقسمت إلى لجنتين: لجنة فلسطين التنفيذية، ولجنة لندن التنفيذية. ومن الجدير بالذكر أن اختيار أعضاء اللجنة التنفيذية تم على أسس ائتلافية تمثلت فيها الأحزاب الصهيونية المختلفة وفقاً لقواها العددية. انصرفت جهود القيادة الصهيونية بعد ذلك إلى استكمال انجاز الأهداف الصهيونية المعلنة عشية الحرب. وما ان انتهت الحرب بانتصار الحلفاء في 11/11/1918 حتى سعت القيادة الصهيونية إلى وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني شرط أن يتضمن صك الانتداب جميع الوعود المعطاة لليهود في تصريح بلفور. وقد كان لهم ذلك مع المصادقة النهائية على قيام الانتداب البريطاني في فلسطين في 24/7/1922 (رَ: الانتداب على فلسطين، صك). ولأن صك الانتداب  نص على قيام “وكالة يهودية على أسس مناسبة لتكون هيئة عامة لتكون هيئة عامة تقدم النصح وتتعاون مع حكومة فلسطين (البريطانية) في المسائل الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الأمور التي يمكن ان تؤثر في إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين” حرص وايزمان على تأسيس “الوكالة اليهودية الموسعة” التي ضمت اليهود غير الصهيونيين بعد أن تأكد من أن تلك “الوكالة” ستكون لقمة سائغة بيد المنظمة الصهيونية العالمية ذاتها. وقد تم انجاز ذلك الهدف في الثلث الأخير من عام 1929. وفي السنوات العشر التي تلت عقدت خمسة مؤتمرات صهيونية. وأما عدد أعضاء المنظمة فازداد من 393،220 عضواً في عام 1929 إلى 1,406,280 عضوا في عام 1939 على الرغم من انشقاق حماسة فلاديمير جابوتنسكي (التصحيحين) وتأسيسهم المنظمة الصهيونية الجديدة* عام 1935 احتجاجاً على عدم اتباع المنظمة الأم سياسة متطرفة ضد بريطانيا. ضعضع نشوب الحرب العالمية الثانية في عام 1939 أوضاع المنظمة الصهيونية. ولكنها نجحت مع ذلك في تنفيذ برامجها بصورة فعالة. فاللجنة التنفيذية الصهيونية كانت بعكس سالفتها خلال الحرب الأولى قادرة على معالجة الشؤون الصهيونية والاستفادة الكاملة بشكل خاص من جهود يهود الولايات المتحدة وإمكاناتهم. ولقد نجحت المنظمة الصهيونية – بفضل الدعم والتشجيع البريطاني والأمريكي رغم اتصالات الفلسطينية – في زيادة عدد اليهود في فلسطين من 80 ألفاً – أي ما يعادل 11,1% من مجموع السكان – في عام 1922 إلى 650 ألفاً – أي ما يعادل 33,3% من مجموع السكان – في عام 1948. بل إن المنظمة الصهيونية، بعد أن أدركت الثقل المتزايد للولايات المتحدة على الصعيد الدولي نتيجة للحرب ودورها فيها، نقلت مركز ثقلها من لندن إلى واشنطن. وعقدت مؤتمراً استثنائياً لها في بلتمور في 8/5/1942 صدر عنه برنامج بلتمور* الصهيوني  الشهير. وقد تأكدت بنود البرنامج بعد ذلك في الاجتماع الصهيوني العالمي الاستثنائي في لندن في 1/8/1945، وفي المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين في 9/12/1946، وهو المؤتمر الصهيوني الأخير قبل قيام (إسرائيل). وقد أمكن فيه إعادة تنظيم وتطوير المنظمة الصهيونية العالمية وأجهزتها. ومع تسارع التطورات السياسية في الأمم المتحدة وفلسطين بعد عام 1947 قامت المنظمة الصهيونية بتأسيس “مجلس وطني” كان برلماناً للدولة الصهيونية القادمة، و”إدارة وطنية” كانت حكومة للدولة المرتقبة. وبالفعل قام دافيد بن غوريون رئيس كل من اللجنة التنفيذية الصهيونية واللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية والإدارة الوطنية (في ظل عدم انتخاب رئيس المنظمة الصهيونية العالمية بعد استقالة وايزمان قبل المؤتمر الثاني والعشرين) قام في14/5/1948 باعلان قيام (دولة إسرائيل). وقد تم تشكيل الحكومة المؤقتة للدولة الجديدة من بين أعضاء اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية. وفي حين ترأس حاييم وايزمان (رئيس المنظمة الصهيونية العالمية لأكثر من عشرين عاماً) الدولة ترأس بن غوريون الحكومة الإسرائيلية الأولى. كان لقيام (إسرائيل) أثره الحاسم في دفع العلاقات بين المنظمة الصهيونية العالمية من جهة والكيان الصهيوني الجديد من جهة ثانية إلى أزمة طويلة ومتصاعدة لم تنكسر حدتها حتى عام 1968. وقد بدأت مطالع تلك الأزمة مع اقتراب نجاح الصهيونية في انجاز إقامة “الدولة اليهودية”. ففي نهاية المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين المنعقد أواخر عام 1946 استقال وايزمان من رئاسة المنظمة بسبب فشل مشروعه الخاص بضرورة اشتراك المنظمة في مؤتمر لندن الذي دعت إليه بريطانيا في 9 أيلول من ذلك العام (رَ: لندن، مؤتمر 1946). وقد كانت تلك التطورات بسبب الموقف المتصلب الذي اتخذه بن غوريون، فعجز المؤتمر عن انتخاب رئيس للمنظمة والوكالة وفشل في انتخاب لجنة تنفيذية لأي منهما. وقد فوض المؤتمر “المجلس الصهيوني العام” يتجاوز ذلك العجز والعمل على انتخاب لجنة تنفيذية للمنظمة والوكالة. وفي الواقع أصبح ذلك “المجس” المرجع النهائي في كافة شؤون المنظمة والوكالة، بل كان هو الذي أعلن تشكيل “المجلس الوطني” (مجلس الدولة المؤقت لاحقاً) و”الإدارة الوطنية” (الحكومة الإسرائيلية المؤقتة لاحقاً). وقد استبق المجلس الأمر فحدد في دورة انعقاده الثالثة (6-12/4/1948) وظائف المنظمة بعد قيام الحكومة المؤقتة. ولكن إصرار معظم أعضاء الحكومة المؤقتة (8 من أصل 13) على استمرار مناصبهم في اللجنة التنفيذية جعل الصهيونيين الأمركيين أنفسهم يصرون على “مبدأ الفصل” بين الحكومة وقيادة المنظمة. وقد تم لهم ذلك بعد صراع عنيف في أيلول 1948، ومع انعقاد الدورة الرابعة للمجلس الصهيوني العام الذي انتخب بدوره لجنة تنفيذية صهيونية موزعة على مركزين أولهما في (إسرائيل) والآخر في نيويورك. ولكن سرعان ما استقال أباهليل سلفر رئيس فرع اللجنة في نيويورك عام 1949 نتيجة الضغط الإسرائيلي المتزايد الرامي إلى تحجيم المنظمة ودورها عن طريق تجاهل الصهيونيين وقصر معظم التعامل على المنظمات اليهودية (غير الصهيونية). وكان جدول ناحوم غولدمان رئيس المؤتمر اليهودي العاملي* محل سلفر إيذاناً بخسارة المنظمة واحدة من معركتها المنفصلة مع (إسرائيل). سارعت (إسرائيل) بعد ذلك الى الاعلان أمام الكنيست* في 15/5/1950 بلسان بن غوريون، ومن موقع القوة الجديد الذي اكتسبه، على قيام “لجنة التنسيق” بين الحكومة الإسرائيلية واللجنة التنفيذية الصهيونية. وقد تالفت “لجنة التنسيق” تلك من أربعة وزراء وأربعة أعضاء من اللجنة التنفيذية علاوة على ممثل للصندوق القومي اليهودي. وأما مواقع التنسيق بين الطرفين فتحددت مؤقتاً حتى انعقاد المؤتمر الصهيوني الثاني. ثم أصدرت الكنيست الإسرائيلية بتاريخ 7/7/1950 ما يسمى قانون العودة* الذي أكد ما سبق أن جاء في بيان اعلان قيام (إسرائيل) في 14/5/1948 من حق كل شخص يهودي في الاستيطان داخل (إسرائيل). وقد كانت السمة المشتركة لكل هذه الترحكات ترجح كفة (إسرائيل) من حيث الصلاحيات والمسؤوليات على كفة المنظظمة الصهيونية. فتح المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرون الأبواب واسعة أمام الاخلال المتزايد بعلاقات (إسرائيل) بالمنظمة. والواقع أن سبب تأخير انعقاد المؤتمر من أواخر عام 1948 إلى آب 1951 لم يكن بمعزل عن الصراع بين (إسرائيل) والمنظمة على الصلاحيات والمهام. وإذا كانت الفترة التي سبقت ذلك المؤتمر (1948- 1951) فترة الاعداد الحازم لضمان هيمنة (الدولة) فالفترة التي أعقبته (1951-1954) كانت مخصصة لتثبيت تلك الهيمنة. ففي ذلك المؤتمر تم إقرار “برنامج القدس” الذي جاء بعد أن استلفد برنامج بازل أغراضه بإنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين. وأما المهام – لا الأهداف – التي حددتها المنظمة الصهيونية لنفسها فهي: “توطيد دعائم دولة إسرائيل، وتجميع المنفيين في أرض إسرائيل، وتنمية وحدة الشعب اليهودي”. وبما تجدر ملاحظاته هنا أن ذلك البرنامج (الذي أدخل في دستور المنظمة الجديد عام 1960) دعم خط (إسرائيل) مقابل خط المنظمة يحصل أولى المهام الواردة فيه “توطيد دعائم دولة إسرائيل”. وكذلك كان ذلك البرنامج حلاً وسطاً بين المعتدلين الذين بحثوا تكتيكياً عن “مهام” والمتشددين الذين أصروا دون مراعاة لأي تكتيك على إعلان “أهداف” الصهيونية لا مهامها فحسب. كما أن المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرين تحت الاعتراف بكون المنظمة تمثل جميع اليهود في العالم وفي “شتى” الشؤون عندما تحدث فقط عن “بعض” الشؤون التي تمثل فيها المنظمة الصهيونية اليهود. ويتبدى كذلك الأنتصار الأولي لمدرسة بن غوريون في صراعها مع قيادة المنظمة في جعل تجميع المنفيين في (أرض إسرائيل) مهمة رئيسة ثانية من مهام المنظمة، وذلك أن أبرز مطالب بن غوريون المستمرة جعل الهجرة إلى (إسرائيل) الدليل الحاسم على صهيونية أي زعيم أو فرد من أبناء “الشعب اليهودي”. غير أن ذلك الانتصار الأولي لمعسكر بن غوريون تحقق في ظل خلاف مستحكم بينه وبين معسكر ناحوم غولدمان بوصفه رئيس اللجنة التنفيذية الصهيونية – فرع نيويورك الذي طالما تحدث باسم الصهيونية الأمريكية. فمنذئذ بدأ غولدمان يتحدث لا عن مبدأ “فصل الصلاحيات” الذي أصر عليه الصهيونيون الأمريكيون عشية قيام (إسرائيل) بل عن مبدأ “الشراكة بين دولة إسرائيل والشعب اليهودي”. وقد أشار غولدمان إلى أهمية دور المنظمة في رسم وتبني الخطوط الأساسية للدولة، علاوة على ضرورة اعتراف (إسرائيل) بالمنظمة كممثلة “الشعب اليهودي في معاملاته مع إسرائيل”. بل ان حدة الصراع بين المعسكريين (وكانت قد أدت إلى التجميد الفعلي لعمل لجنة التنسيق) عادت فأدت إلى إضعاف جديد للمنظمة. وقد تجلى ذلك كأوضح ما يكون فيما أصبح يعرف باسم “القانون التشريعي” الذي صدر عن الكنيست في 24/11/1952 وسرى مفعوله بدءاً من 2/12/1952. فرغم اعتراف المنظمة بأن “الفرع الإسرائيلي من الشعب اليهودي هو الشريك الأكبر قدراً” حسب تعبير غولدمان نفسه فقد جاء القانون التشريعي – على عكس قرارات المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرين – يؤكد أن المنظمة هي “وكالة مخولة السلطات” لا منظمة تمثل “الشعب اليهودي”. ومما لا شك فيه أن أية مراجعة متأنية لذلك القانون التشريعي تؤكد حقيقة تكريس المنظمة كمنطقة تابعة (لإسرائيل) لا دور لها أكثر من كونها امتداداً للدولة في الخارج وأداة موظفة في خدمتها. وقد تأكد هذا التكريس على نحو أكثر إلزاماً في “الميثاق” الموقع بين حكومة (إسرائيل) واللجنة التنفيذية الصهيونية عام 1954. فبعد أن حدد الميثاق وظائف اللجنة التنفيذية الصهيونية في أول بند من بنوده أتبع ذلك ببند جديد يقول: “كل نشاط يجري تنفيذه في إسرائيل بواسطة اللجنة التنفيذية، أو بالأصالة عنها على سبيل تأدية الوظائف المدرجة أعلاه، أو جزء منها، سوف ينفذ وفقاً لقوانين إسرائيل، وتمشياً مع الأنظمة والتعليمات الإدارية التي يسري مفعولها من وقت إلى آخر، والتي تتحكم بنشاطات السلطات الحكومية ذات الوظائف المغطية للنشاط المعني أو الذي هي متأثرة به”. على أن الأزمة المستفحلة بين (إسرائيل) والمنظمة الصهيونية العالمية لم تنته رغم رجحان كفة (الدولة) على كفة المنظمة. فمع انتخاب غولدمان رئيساً للمنظمة في نهاية دورة انعقاد المؤتمر الصهيوني الرابع والعشرين في عام 1956 (بعد أن كان ذلك المنصب شاغراً منذ استقالة وايزمان في العام 1946) عاد الصراع بين (الدولة) والمنظمة. وقد انعكست الخلافات في المؤتمرين الصهيونيين الخامس والعشرين والسادس والعشرين في عامي 1961 و1965 على التوالي. ولم تخف حدة الصراع حتى انتهاء أعمال المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين في حزيران 1968. وفي جميع هذه المؤتمرات أطلت المفاهيم المتصارعة لدى المعسكرين بأشكال جديدة. فمن جهة أكدت المنظمة ضرورة تجديد حيوتها المفقودة منذ تأسيس الدولة مشددة على أهمية استمرار وازدهار “يهود المنفى” ليشكلوا “الدرع الواقي لإسرائيل والمعين  المعدي لها في الخارج”. ضمن هدف شامل عنوانه “تأمين بقاء الشعب اليهودي”، ومن جهة ثانية أصرت (إسرائيل) على أن القضية الأساسية ليهود العالم وللمنظمة بالتالي هي تقوية (إسرائيل) بالهجرة إليها لا بتهجير الأموال إليها فحسب، وعلى أساس “مركزية إسرائيل” في كل الأمور، لأن ذلك هو الكفيل بضمان “بقاء الشعب اليهودي في العالم أجمع”. وبعبارة أخرى فانه حين رأت المنظمة (إسرائيل) وسيلة لضمان الاستمرار اليهودي في العالم اعتقد الرسميون الإسرائيليون أن يهود الخارج هم “وسيلة لضمان استمرار إسرائيل التي تشكل غاية كل جهد صهيوني”. ومن جديد نجحت (إسرائيل) في تحقيق انتصار إضافي على المنظمة في المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين عام 1968. ففي ذلك المؤتمر صدر “برنامج أورشليم” الذي تحدث هذه المرة، خلافا لبرنامج القدس عام 1951، عن أهداف الصهيونية لا عن مهامها فحسب. وقد نص ذلك البرنامج على أن: “أهداف الصهيونية هي وحدة الشعب اليهودي، ومركزية أرض إسرائيل، وجمع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي عن طريق الهجرة من كل البقاع، وتقوية دولة إسرائيل القائمة على مثل الأنبياء في العدالة والسلام والمحافظة على أصالة الشعب اليهودي بتنمية التعليم اليهودي واللغة العربية وبت القيم الروحية والثقافة اليهودية”. وعلاوة على ما في نصوص ذلك البرنامج من تغييرات واضحة تؤكد  الغلبة الحاسمة (لإسرائيل) على المنظمة تجدر الإشارة إلى “ترحيب” المؤتمر الصهيوني بسلب (إسرائيل) واحداً من أهم اختصاصات المنظمة، ألا وهو استيعاب المهاجرين اليهود باستحداث وزارة الاستعياب في (إسرائيل). كما أقر ذلك المؤتمر تحويل المنظمة إلى “حركة عامة” تفسح المجال أمام انضمام الفئات والجماعات التي لا تنتهي إلى أحزاب صهيونية. وتبنى المؤتمر كذلك قراراً بتأسيس “حركة الهجرة” لانجاز هجرة اليهود إلى “الوطن التاريخي”. ولعل أبرز التطورات في ذلك المؤتمر تخلي غولدمان عن رئاسة المنظمة ورفضه ترشيح نفسه من جديد لذلك المنصب. وشكل انسحاب غولدمان سقوط آخر قلعة أساسية من قلاع المقاومة في المنظمة الصهيونية أمام الزحف “الإسرائيلي الكاسح”. تسارعت الأمور بعد ذلك على نحو أكد “مركزية دولة إسرائيل في حياة الشعب اليهودي عامة، وفي حياة كل يهودي خاصة”. حسبما جاء في قرارات المؤتمر الصهيوني الثامن والعشرين (كانون الثاني 1972). وعلى الرغم من بعض الانتقادات التي كان يوجهها آرييه  بنكوس خليفة  غولدمان إلى (إسرائيل) فانها بقيت أشبه ما تكون بالصيحات الخافتة التي يبديها المنهزم أمام الغائب. وإذا كان بنكوس (توفي عام 1973) قد عجز عن تحسين موقع المنظمة إزاء (إسرائيل) فان بنحاس سابير خليفة بنكوس لم يكن راغباً أساساً في اعادة التوازن في العلاقات بين (إسرائيل) والمنظمة. وما ينطبق على سابير (توفي عام 1975) ينطبق على خلفيته يوسف الموجي الذي أصبح رئيساً للمنظمة في مطلع عام 1976. وباختصار يمكن القول انه منذ سقوط غولدمان بدت المنظمة الصهيونية العامية راضية تماماً عن دورها كتابع (لإسرائيل) مهمته تقديم المساعدات المالية والبشرية والاعلامية والسياسية عبر أجهزته وأجهزة الوكالة اليهودية الموسعة الجديدة (1972) دون أن يطمح التابع إلى موقع الند المشارك (لإسرائيل) في المسؤولية.   المراجع:   أسعد عبد الرحمن: المنظمة الصهيونية العالمية، تنظيماتها وأعمالها، بيروت 1967. أسعد رزوق: المنظمة الصهيونية العالمية 1946 – 1958، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 20، نيسان 1973، بيروت. أسعد رزوق: إسرائيل والحركة الصهيونية في مطار بن غوريون وغولدمان، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 12، آب 1972، بيروت. كميل منصور: أثر قيام إسرائيل على وضع المنظمة الصهيونية العالمية، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 40، كانون الأول 1974، بيروت. هاني عبد الله: المؤتمر الصهيوني الثامن والعشرون، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 8، نيسان 1972، بيروت. يوسف حمدان: الوكالة اليهودية والادارية الصهيونية من سابير إلى الموحي، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 55، آذار 1976، بيروت. مؤسسة الدراسات الفلسطينية: الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية، بيروت 1967. مجلة شؤون فلسطينية: ندوة عن الصهيونية في خمسة وسبعين عاماً، العدد 12، آب 1972، بيروت.     المنظمة العسكرية القومية: رَ: إرغون تسفاي لئومي