جيش التحرير الفلسطيني

المؤسسة العسكرية النظامية لمنظمة التحرير الفلسطينية*، وقد تأسس عام 1964. وكان ذلك العام قد شهد تطوراً هاماً في العمل الوطني الفلسطيني، إذ عقد الملوك والرؤساء العرب أول مؤتمر قمة لهم يوم 13/1/1964 في القاهرة، لبحث التدابير التي يجب اتخاذها لمواجة المشروع الإسرائيلي لتحويل مياه نهر الأردن وروافده. وقرر المؤتمر تحويل ممثل فلسطين في جامعة الدول العربية أحمد الشقيري* الاتصال بالدول العربية، وبشعب فلسطين حيثما وجد، من أجل إيجاد الطريقة المثلى لتنظيم شعب فلسطين، وتعبئة إمكاناته وطاقاته في سبيل تحرير فلسطين (رَ: القمة العربية، مؤتمرات). قام الشقيري بزيارة بعض الدول العربية، ثم صرح يوم 27/3/1964 أن الكيان الفلسطيني سيقوم على أربع دعائم، هي: 1) الجهاز العسكري، ومهمته تمكين القادرين على حمل السلاح من خدمة وطنهم. 2) الجهاز التنظيمي. 3) الجهاز السياسي. 4) الجهاز المالي. أ- مرحلة التأسيس: عقد المؤتمر الفلسطيني (الذي تحول فيما بعد إلى المجلس الوطني الفلسطيني*) في القدس يوم 28/5/1964. وأصدر عدة قرارات منها: 1) البدء فوراً بفتح المعسكرات لتدريب جميع القادرين على حمل السلاح من الشعب الفلسطيني، رجالاً ونساء، وبصورة إلزامية ودائمة: وإعداد كل فرد منهم ليكون على مستوى معركة التحرير. 2) تشكيل كتائب فلسطينية عسكرية نظامية، وكتائب فدائية قادرة وفعالة. 3) تزويد هذه الكتائب بمختلف أنواع الأسلحة الحديثة والتجهيزات اللازمة. 4) السعي لإلحاق الشباب الفلسطيني بالكليات والمدارس العسكرية في الدول العربية والدول الصديقة. 5) تطبيق نظام المقاومة الشعبية والدفاع المدني في صفوف الشعب الفلسطيني. وبغية البدء بتنفيذ بعض هذه القرارات بسرعة، تم افتتاح أول معسكر في قطاع غزة في شهر أيار 1964. وافتتحت الحكومة الجزائرية معسكراً تدريبياً خاصاً بالفلسطينيين، وطلبت من مكتب فلسطين في الجزائر تزويدها بأسماء الفلسطينيين الذين يرغبون في الالتحاق بهذا المعسكر. ظهر أول وجود علني للجيش الفلسطيني النظامي في احتفالات الجمهورية العربية المتحدة (مصر) بعيد الثورة يوم 23/7/1964، إذ اشتركت وحدات رمزية في العرض العسكري باسم “جيش فلسطين”. أيد مؤتمر القمة الثاني الذي انعقد في الإسكندرية يوم 5/9/1964 قرار منظمة التحرير الفلسطينية بإنشاء جيش التحرير الفلسطيني التابع للمنظمة، وباختيار ضباطه وجنوده من أبناء فلسطين أينما وجدوا، ورصدت المنظمة المبالغ اللازمة له. وبذلك استكملت منظمة التحرير الفلسطينية هيكلها في مختلف المجالات العسكرية، والسياسية، والمالية، والتنظيمية، والإعلامية، وغيرها. وقد ورد في البيان الختامي لمؤتمر القمة الثاني أن المؤتمر “رحب بقيام منظمة التحرير الفلسطينية دعما للكيان الفلسطيني، وطليعة للنضال العربي الجماهي لتحرير فلسطين، واعتمد قرار المنظمة بإنشاء جيش التحرير الفلسطيني”. وإثر ذلك، عينت رئاسة المنظمة ضابطاً فلسطينياً قائداً لجيش التحرير الفلسطيني، ودعته إلى العمل لإنشاء قوات نظامية وقوات فدائية، وطلبت منه أن يتعاون تعاوناً كاملاً مع القيادة العربية الموحدة* في جامعة الدول العربية. بدأ تشكيل وحدات جيش التحرير في سورية والعراق ومصر والأردن، فشكلت في سورية قوات حطين (3 كتائب مغاوير ووحدات إسناد ودعم) وفي العراق قوات القادسية (كتيبتا مغاوير ووحدات إسناد ودعم) وفي مصر قوات عين جالوت (3 كتائب مغاوير ووحدات إسناد ودعم) وتشكلت في كل من لبنان والأردن كتيبة مغاوير. قدمت سورية والعراق ومصر تسهيلات جمة من أجل تيسير تطوع الفلسطينيين في جيش التحرير، وفتحت أبواب كلياتها ومدارسها العسكرية للتدريب القيادي والاختصاصي والمهني، وللتمرس بمختلف فنون القتال واستعمال الأسلحة. وسلكت معظم الدول العربية الأخرى هذا السبيل، إذ سمحت بتطوع الفلسطينيين للالتحاق بالوحدات التي تم تشكيلها، أو بالكليات والمدارس العسكرية العربية التي رحبت بتدريب الفلسطينيين. عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته الثنائية في القاهرة في 31/5/1965 وأصدر قرارات عسكرية، منها: 1) الإسراع في تنفيذ التدريب الشعبي. 2) إنشاء إدارة للتعبئة العامة في المنطقة. 3) تسهيل مهمة قيادة جيش التحرير في اختيار الضباط والعناصر العسكرية الأخرى، وانتقالهم ضمن وحدات جيش التحرير وفقاً للمقتضيات العسكرية، وتمكين القيادة من تدريب الفلسطينيين في أراضي الدول العربية المقيمين فيها. 4) فرض التجنيد الإلزامي على جميع الفلسطينيين القادرين على حمل السلاح أينما كانوا. 5) مضاعفة الاهتمام بتشكيلات الفدائيين وزيادة أعدادهم بشكل يمكن من استخدامهم استحداماً ناجحاً في العمليات الحزبية. 6) الاهتمام بدور المرأة الفلسطينية في معركة التحرير، لتمكينها من العمل في المقاومة الشعبية، والخدمات الطبية، والإسعاف الميداني. وبعد أن أخذت قيادة الجيش تنفذ خطط التعبئة والتجنيد، وتلتحق الأفراد بدوريات تدريبية، وتبعث المرشحين ليكونوا ضباط إلى الكليات العسكرية العربية، ظهرت أزمة في إطار العمل العربي المشترك تركت آثارها في تطور جيش التحرير، وفي تمركز قواته ومهامها، كما أثرت في أعمال منظمة التحرير الفلسطينية ذاتها. وقد برزت هذه الأزمة في مطلع عام 1966 حينما اقترحت المنظمة على الأردن السماح لها بتطبيق التنجيد الإلزامي على الفلسطينيين، وإنشاء كتائب أخرى لجيش التحرير، وإقامة معسكرات للتدريب الشعبي. وظهرت بوادر انفراج الأزمة اثر الاجتماع المشترك بين الجانبين الأردني والفلسطيني يوم 21/2/1966 في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة. وتضمن البيان المشترك الجوانب العسكرية التالية: 1) مواصلة الحكومة الأردنية دراسة موضوع التنجيد الإلزامي، “بحيث يمكن تطبيقه حسب الظروف العامة، وعلى ضوء متطلبات القيادة العربية الموحدة”. 2) إحالة موضوع تشكيل وحدات جيش التحرير الفلسطيني على القيادة العربية الموحدة لدراسته وإبداء الرأي فيه. 3) تأليف لجنة من قيادة الجيش الأردني وجيش التحرير الفلسطيني لدراسة موضوع تشكيل وحدات جيش التحرير ووضع مشروع مشترك يقدم إلى القيادة العربية الموحدة لتستعين به. 4) إنشاء المنظمة معسكرات في فصل الصيف للتدريب العسكري والتوجيه المعنوي للشباب والطلاب يكون المدرسون فيها من الجيش الأردني، وتختارهم المنظمة بالتشاور مع السلطات الأردنية. 5) تسليح المدن والقرى الأمامية بمساهمة مالية من المنظمة. غير أن معظم بنود الاتفاق لم تنفذ، إذ تأزمت العلاقات بين الحكومة الأردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، مما أدى إلى قطع الحكومة الأردنية بمنظمة التحرير في الشهر السابع من عام 1966. وفيما كان التوتر يسود العلاقات العربية بصورة عامة، عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته الثالثة في غزة يوم 20/5/1966، وأصدر عدة قرارات تتعلق بالشؤون العسكرية، منها: 1) مناشدة الدول العربية الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه قيادة جيش التحرير، واعتبار مخصصات الجيش المالية التزامات على الدول العربية غير مرتبطة بما يتوفر من المال لدى القيادة العربية الموحدة. 2) تحويل إيرادات الصندوق القومي إلى حساب جيش التحرير. 3) وضع الدائرة العسكرية في قيادة المنظمة تحت إشراف قيادة جيش التحرير. وعلى الرغم من الصعوبات الكثيرة التي واجهها جيش التحرير في مرحلة تأسيسه هذه، استطاعت قيادته أن توفر لأفراد الجيش وضباطه مستوى تدريبياً عسكرياً وقتالياً جيداً، ولا سيما أن بعض الكليات العسكرية العربية أوشكت أن تخرج الدفعات الأولى من ضباط جيش التحرير. وإلى جانب هؤلاء الخريجين من الكليات العربية، أوفدت قيادة جيش التحرير بعثات تعليمية للانتساب إلى الكليات العسكرية في بعض الدول الأجنبية الصديقة. خصصت قيادة منظمة التحرير 85% من موازنتها لجيش التحرير، ولكنها واجهت عقبات مالية، فمعظم الدول العربية لم تدفع خصصها المالية للمنظمة، وكان الجيش يومذاك بحاجة إلى خمسة ملايين جنيه استرليني، ليستكمل مرحلة التأسيس. وقد ظهر أثر هذا الوضع في قرارات المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثالثة التي مر ذكرها. ويمكن القول إن عام 1966 شهد تطويراً وتثبيتاً لوضع جيش التحرير، ولكنه شهد في الوقت ذاته متاعب أثرت في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة إنشائه وتطويره وتسليحه وإعداده للمعركة. ب- جيش التحرير وأحداث عام 1967: كان تطور جيش التحرير وتسليحه يسيران ببطء بسبب الصعوبات التي واجهها. وقد جابه هذا الجيش في عام 1967 ثلاثة أحداث هامة أثرت في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة إنشائه. 1) أصدر رئيس منظمة التحرير يوم 10/2/1976 بياناً في القاهرة أعلن فيه تشكيل “مجلس ثورة” لمنظمة التحرير الفلسطينية. وقد قرر هذا المجلس “تطوير جيش التحرير الفلسطيني بحيث يصبح جيشاً نضالياً ثورياً مهيأ لحرب التحرير”، وبناء على هذا يجب تطوير الجيش في “موازنته وتشكيله وجميع شؤونه” لتصبح موازنته “ثورية” فتخفض بنود النفقات والرواتب. وقرر مجلس الثورة إخضاع الجيش لسلطة “مجلس تحرير يضم خيرة الكفاءات العسكرية العربية”، وأوكل إلى هذا المجلس مهمة تطوير جيش التحرير الفلسطيني. لكن قيادة الجيش لم تقبل هذا القرار، واعتبرت “مجلس التحرير” سلطة تنقص من مسؤولياتها في قيادة جيش التحرير. 2) نشوب حرب 1967، وكانت أول تجربة هامة لجيش التحرير الذي خاض الحرب، وبخاصة في قطاع غزة، بشجاعة وإقدام. وكانت منظمة التحرير وضعت قوات الجيش في شهر أيار 1967، تحت تصرف القيادة السورية (قوات حطين)، والقيادة العراقية (قوات القادسية)، والقيادة المصرية (قوات عين جالوت)، لإشراكها في المعركة ضد العدو الإسرائيلي إذا ما شن عدوانه (ر: حرب 1967). 3) استقالة أحمد الشقيري من رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية في 24/12/1967 وتولي يحيى حمودة رئاسة المنظمة بالوكالة. أدت الهزيمة العسكرية العربية في حرب 1967 إلى بروز الدعوة للكفاح المسلح القائم على الحرب الفدائية، الأمر الذي تأثر به جيش التحرير، ولا سيما بعد ظهور اتجاه يدعو إلى تطوير جيش التحرير واستخدام مختلف طاقاته الفنية والبشرية والمادية في خدمة خط الكفاح الشعبي المسلح. وكان بروز المنظمات الفدائية الفلسطينية سبباً دعا جيش التحرير، فيما بعد، إلى تبني فكرة الكفاح المسلح من خلال “قوات التحرير الشعبية” التي شكلت في الشهر الثاني من عام 1968. تكونت قوات التحرير الشعبية ضمن إطار جيش التحرير الفلسطيني لتكون ذراعه في العمل الفدائي، ولتكون تجسيداً للرغبة في جعله جيشاً ثورياً يشترك في النضال اليومي المسلح ضد العدو الإسرائيلي. وقد ساهمت قوات التحرير الشعبية مع المنظمات الفدائية الأخرى في معارك المقاومة وقدمت الكثير من الشهداء الأبرار. ج- المرحلة الثانية في تطوير جيش التحرير: كان من الطبيعي أن يؤثر تغير بنية منظمة التحرير الفلسطينية، وانضمام منظمات المقاومة إلى قيادتها، في مواقف قيادة الجيش من مختلف القضايا الفلسطينية مثل الوحدة الوطنية، واستقلال القيادة والعمل، والعمل الفدائي، وغير ذلك. وبغية تنظيم العلاقة بين قيادة الجيش وقيادة المنظمة اتخذ المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الرابعة التي عقدت في القاهرة في 10/7/1967 قرارين هامين هما: 1) دعم جيش التحرير، وزيادة حجمه، وتطويره، وجعله “حر الإرادة والقيادة، وتكليف اللجنة التنفيذية للمنظمة اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لذلك، والعمل على تمكين قوات جيش التحرير من أن ترابط في الأماكن التي ينبغي أن ترابط فيها لصالح الثورة الفلسطينية”. 2) تعديل المادة 22 من النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ونصها: “تشكل وحدات فلسطينية خاصة وفق الحاجات العسكرية والخطة التي تقررها القيادة العربية الموحدة بالاتفاق والتعاون مع الدول العربية المعنية”. بحيث تصبح هذه المادة كما يلي: “تنشىء منظمة التحرير الفلسطينية جيشاً من أبناء فلسطين يعرف بجيش التحرير الفلسطيني، وتكون له قيادة مستقلة تعمل تحت إشراف اللجنة التنفيذية وتنفذ تعليماتها وقراراتها الخاصة والعامة. وواجبه القومي أن يكون الطليعة في خوض معركة تحرير فلسطين”. وكان القصد من هذه التدابير ربط قيادة جيش التحرير بقيادة المنظمة،واستقلال قيادة الجيش في إدارة قواتها المتمركزة في عدة أقطار عربية، لتكون هذه القيادة المرجع والجهة المسؤولة في جميع ما يتعلق بهذه القوات. رأت اللجنة التنفيذية أن المرحلة الجديدة تتطلب إجراء تغييرات في مناصب قيادة الجيش، فعينت في شهر تموز 1968 رئيساً جديداً لهيئة أركان الجيش، وأجرت تنقلات بين بعض ضباط القيادة. ثم عينت في 14/12/1968 رئيساً جديداً لهيئة الأركان العامة منحته اختصاصات القائد العام للجيش. د- مرحلة العمليات: عقد المجلس الوطني دورته الخامسة في 1/2/1969، وانتخب لجنة تنفيذية جديدة برئاسة ياسر عرفات (أبو عمار) الذي شغل منصب رئاسة الدائرة العسكرية بالإضافة إلى رئاسة المنظمة. وكان أول عمل قام به الرئيس الجديد للجنة التنفيذية زيارة قوات عين جالوت المرابطة على قناة السويس مع القوات المصرية، وزيارة قوات القادسية المرابطة إلى جانب القوات العراقية في الأردن، وزيارة قوات حطين في سورية. وفي شهر حزيران 1969 أصدرت اللجنة التنفيذية عدة قرارات أحدثت فيها منصب “القائد العام لجيش التحرير” وعينت ضابطاً له، كما عينت رئيساً جديداً لهيئة الأركان العامة، وأجرت تنقلات بين الضباط، سعياً لتحقيق الانسجام والانضباط في العلاقة بين قيادة الجيش ورئاسة المنظمة. وقد ظهرت نتائج هذه التغييرات حينما شاركت قوات الجيش في عملية “الحزام الأخضر” ضد العدو الإسرائيلي. ففي شهر آب 1969 قامت قوات القادسية المرابطة في الأردن، بالاشتراك مع قوات التحرير الشعبية وقوات العاصفة (رَ: حركة التحرير الوطني الفلسطيني)، بتنفيذ هذه العملية الناجحة على جبهة طولها سبعة كيلومترات من خط المواجهة بين الأردن و(إسرائيل). وذكرت مصادر جيش التحرير آنذاك أن حجم القوات المشتركة في هذه العملية كان أكبر حجم شهدته عمليات المقاومة الفلسطينية منذ انطلاقها. ورأت قيادة جيش التحرير في عملية الحزام الأخضر تجسيداً لمضمونات الثورة وتطلعات شعبنا إلى وحدة وطنية. وتلت عملية الحزام الأخضر عملية كبيرة أخرى أطلق عليها اسم “عملية البكر”فقد قامت مجموعة من جيش التحرير وقوات التحرير الشعبية في مطلع أيلول 1969 بالهجوم على مراكز دفاع العدو ومخافره ودورياته، على جبهة طولها عشرة كيلومترات من خط المواجهة بين الأردن و(إسرائيل). وتتالت بعد ذلك عمليات جيش التحرير بالاشتراك مع قوات التحرير الشعبية ومنظمات المقاومة الأخرى. أسهم جيش التحرير وقوات التحرير الشعبية في معارك حركة المقاومة الفلسطينية خلال الأزمات التي واجهتها الحركة في لبنان في شهري نيسان وتشرين الثاني 1969، وأثناء الأحداث التي جرت في الأردن في شهر أيلول 1970. وكانت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير قد قررت يوم 16/9/1970، أي قبل ابتداء أحداث الأردن بيوم واحد، توحيد جميع قوات الثورة الفلسطينية (جيش التحرير، وقوات التحرير الشعبية، وقوات الفدائيين. والقوات التابعة لمنظمات المقاومة وقوات الميليشيا) تحت قيادة واحدة. وقررت أيضاً تعيين ياسر عرفات قائداً عاماً لقوات الثورة الفلسطينية، وكلفت اللجنة العسكرية العليا أن تكون هيئة الأركان العامة لهذه القوات الموحدة. بعد انقضاء أحداث أيلول 1970، رأت اللجنة المركزية ضرورة إجراء تقويم عام لمسيرة الثورة الفلسطينية في ضوء التجارب واللحن التي مرت بها. ثم عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته التاسعة في القاهرة في النصف الأول من تموز 1971 فقرر إلغاء منصب القائد العام لجيش التحرير، وأبقى على منصب رئيس الأركان، ومنحه سلطات القائد العام لجيش التحرير، وعين رئيساً جديداً لهيئة أركان الجيش. هـ- في حرب 1973: عندما نشبت حرب 1973* كان لوحدات جيش التحرير الفلسطيني دور مهم ومشرف في المعارك التي دارت على الجبهتين السورية والمصرية. وقد دفع الجيش خلالها ضريبة الكفاح غالية من دماء ضباطه وأفراده، شهداء وجرحى. وقد اختلف الدور الذي قامت به وحدات جيش التحرير الفلسطيني في حرب 1973 تبعا للجبهة التي كانت توجد فيها هذه الوحدات عند نشوب الحرب. وكانت قوات هذا الجيش تتكون من كتائب مشاة نظامية مسلحة بأسلحة خفيفة ومتوسطة تتمتع بمعنويات عالية وتدريب جيد ومعرفة بالأراضي المحتلة، وتستطيع القيام بمهام وحدات المغاوير المحمولة بالحوامات (هيليكوبتر)، ومهام المشاة المرافقة للدبابات، ومهام التخريب وراء خطوط العدو. 1) كتيبة مصعب بن عمير: كانت وحدات هذه الكتيبة موزعة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية. وعشية اندلاع الحرب أسندت إليها المهام الرئيسة التالية: (1) العمل خلف خطوط العدو بنصب الكمائن وزرع الألغام وتنفيذ الإغارات على تجمعات العدو. (2) قصف تجمعات الإسرائيلية في المعسكرات وتدمير جهاز الرادار في جبل الجرمق. (3) الدفاع عن محور حاصبيا – ميمس – راشيا الوادي، ومحور مرج زهور – المصنع، ذلك بغرض إعاقة أية وحدات للعدو تحاول التقدم في منطقة العرقوب. وقد أعادت الكتيبة تمركزها وفقاً لمهامها الجديدة. ومع بدء القتال على الجبهتين السورية والمصرية بدأت تنفذ مهامها المحددة، فقامت بقصف جهاز الرادار الموجود في جبل الجرمق، وقصف تجمعات العدو في معسكرات الخالصة، ومطار البصة، وهونين، ومرجليوت، وبرعام، والمنارة. كما نصبت الكمائن وزرعت الألغام. في يوم 8/10 انفجرت سيارة عسكرية معادية بأحد الألغام في منطقة الخالصة، ودمر أحد الكمائن على طريق ميرون آلية معادية بالصواريخ. وفي يوم 12/10 هاجمت إحدى الدوريات مستعمرة جليوت ودمرت آلية معادية، كما تمكنت من تدمير بمثابة متمركزة حول المستعمرة. وفي يوم 16/10 جرى تدمير مركز دفاعي في تل المطلة. وفي يوم 22/10 دمرت آلية معادية بلغم تم زرعه على طريق المنارة. وكانت الكتيبة قد كلفت يوم 7/10 تخصيص فصيلتين للعمل ضمن قوام مجموعة إعارة كلفت اقتحام مرصد جبل الروس الكائن على السفوح الغربية لجبل الشيخ قرب النقطة الجيوديزية 1530. وتمكنت إحدى فصائل المجموعة ليلة 8-9 تشرين الأول من الوصول إلى تل السماق وتحريره والسيطرة على الطريق المعبد المؤدي إلى المرصد 1530، في حين تحركت فصيلة أخرى من كفرشوبا باتجاه مرصد جبل الروس. وعند وصولها إلى مسافة 300 م من الهدف قام العدو بإنارة المنطقة والرمي بالأسلحة الخفيفة والهاونات، فتشبثت الفصيلة بمواقعها، واستمرت في مراقبة العدو، ثم كررت محاولة اقتحام الموقع ليلة تشرين الأول دون نجاح. وعند ذلك قامت المجموعة، بناء على أوامر جديدة تلقتها، بمحاضرة الموقع وتخريب الطريق المؤدية إليه، وقطع خطوط الاتصال، ونسف مهبط الحوامات. 2) قوات حطين: نفذت قوات حطين بعض المهام القتالية بشكل مستقل، أو كجزء من تشكيلات الجيش السوري. وكانت أهم أعمالها الاشتراك في الهجوم مع قوات الفرقتين التاسعة والخامسة السوريتين (مشاة) وتنفيذ عملية الإنزال بالحوامات على تل الفرس، والإغارة على مؤخرات القوات المعادية بعد توغلها في جيب سعسع. وتتألف قوات حطين من ثلاث كتائب هي: (2) الكتيبة 411: تلقت هذه الكتيبة يوم 5 تشرين الأول مهمة الاستعداد لتنفيذ انزال جوي في منطقة العال – جبين على محور هجوم الفرقة الخامسة السورية غايته التمسك بهذا العنق، والتصدي لأية قوات إسرائيلية تحاول التقدم باتجاه خط الجبهة حتى وصول وحدات الفرقة الخامسة. وقد أقلعت وحدات الكتيبة في الساعة 13:50 يوم تشرين الأول على متن 13 حوامة من القوات الجوية السورية. وقبل وصولها إلى منطقة الهدف بدقائق تلقت أمراً بالعودة إلى مطار الانطلاق بعد أن تبين على شاشات الرادار وجود نشاط جوي معاد فوق منطقة الإنزال. وفي يوم 7 تشرين الأول كلفت الكتيبة تنفيذ إنزال جوي فوق تل الفرس بقوى سرية مشاة. وتل الفرس موقع متقدم على الجبهة يقع على مساحة 18كم، جنوبي القنيطرة، وله أهمية خاصة إذ يسيطر على شبكة الطرق التي تصل بين القنيطرة والرفيد وفيق، وهو تل مرتفع قامت (إسرائيل) بتحصينه ببعض المنع الاسمنتية المسلحة بالرشاشات والعربات المجنزرة المتخندقة ضمن حفر لتأمين الحماية الدائرية حول التل، وجهزته بمعدات الرصد ووسائط الاتصال والتشويش. وكانت القوة الإسرائيلية المدافعة عن التل تقدر بحوالي سرية. أقلعت سرية جيش التحرير الفلسطيني على متن 4 حوامات، وبعد أن قام الطيران السوري بقصف التل تمهيدا للإنزال تمكنت حوامتان فقط من الهبوط، الأولى على السف الشمالي من التل، والثانية على السفح الغربي، وجرى اشتباك عنيف مع القوة المعادية. وبعد معركة قصيرة تم اقتحام تل الفرس واحتلاله في الساعة 16:00، وأمكن السيطرة عليه بصورة تامة في الساعة 17:00، بعد أن خسر العدو عشرات القتلى، وطورد الباقون منه باتجاه الأرض المحتلة. واستمرت السرية تدافع عن التل وتصد محاولات العدو استرداده إلى أن اضطرت إلى إخلاله مع اسحاب وحدات الجيش السوري وعودتها إلى قاعدة الأنطلاق. وفي ليلة 12 تشرين الأول كلفت الكتيبة مهمة قنص الدبابات المعادية التي تمكنت من خرق دفاع السابعة السورية في منطقة تل الشعار. لكن الكتيبة لم تستطع تنفيذ هذه المهمة بسبب وصولها متأخرة إلى منطقة العمل (بعد شروق الشمس)، ولشدة القصف المدفعي المعادي، فأسندت إليها مهمة جديدة يوم 13 تشرين الأول، هي تنفيذ إغارة ليلية على دبابات العدو المتمركزة على السفح الشرقي لتل المال ومفرق طيحة – كفرناسج – الحارة. وقد وصلت قوة الإعارة إلى هدفها في الساعة 23:30، وبعد اشتباك قصير مع وحدات العدو تمكنت من تدمير دبابة معادية والقضاء على طاقمها، وتدمير عربة نصف مجنزرة وعربة نقل مدرعة. وفي يوم 15 تشرين الأول أسدت إلى الكتيبة مهمة اقتحام تل الشمس وتل التنحم على محور القنيطرة – سعسع بقوة 200 جندي وبمعدل سرية لكل تل. ووصلت العناصر إلى مزرعة القليعة حيث ترجلت وتابعت تقدمها سيراً على الأقدام، وتم الاقتحام صباحاً مع شروق الشمس. وقد نفذت المجموعة الأولى مهمتها ووصلت إلى قمة تل الشحم، ولكنها لم تستطع القضاء على على جيوب المقاومة المعادية. وحاول النقيب محمد فائز حلاوة تدمير قاعدة الصواريخ المضادة للدبابات، ولكن مقاومة العدو كانت شديدة فاستشهد النقيب حلاوة على السفح الجنوبي من التل. أما المجموعة الثانية فقد اقتحمت تل الشمس صباح 16 تشرين الأول بعد أن تكبدت بعض الخسائر، ولم تستطع احتلاله بسبب المقاومة الشديدة فاضطرت إلى الانسحاب (2)الكتيبة 412: ألحقت هذه الكتيبة بالفرقة التاسعة (مشاة) السورية للاشتراك في الهجوم في النسق الأول في القطاع الأوسط من الجبهة. وانطلقت الكتيبة في الساعة 14:00 يوم 6 تشرين الأول من قاعدتها مع سائر الوحدات المهاجمة باتجاه الهدف المحدد لها. وتمكنت حتى مساء اليوم ذاته من احتلال تل عكاشة وتل عباس بعد أن دمرت دبابتين للعدو في تل عباس وأجبرته على الانسحاب. ثم تابعت الكتيبة هجومها لاحتلال تل الشعاف الكبير، واصطدمت سرية منها بحقل ألغام على السفوح الشرقية للتل فألتقت حوله، واصطدمت بمنعه معادية فدمرتها. وتمكنت بمعاونة الدبابات السورية التي تدعمها من تدمير دبابتين ورشاشين من طراز 500، فانسحب العدو إلى تل الذهب، واحتلت الكتيبة تل الشعاف الكبير وتل السماقات. وتمكنت إحدى السرايا يوم 7 تشرين الأول من احتلال تل أحمر، ولكنها لم تتمكن من متابعة التقدم بسبب غزارة الرمايات المعادية الصادرة من الغسانية والعدنانية. وظلت الكتيبة تتمسك بالخط المحتل حتى يوم 9 تشرين الأول. ثم تعرضت في الليل لقصف مدفعي شديد تبعه هجوم معاكس من الدبابات المعادية على محور عيشة – الجويرة. وبعد اشتباك الكتيبة مع العدو انسحبت سرية منها إلى تل السماقات حوالي الساعة 12:00 يوم 10 تشرين الأول، وعندما عادت قوات الفرقة التاسعة السورية تحت ضغط العدو إلى مواقعها الأصلية، انسحبت الكتيبة إلى بريقة ومنها إلى مواقعها الدفاعية عند قاعدة الانطلاق، وبقيت فيها حتى وقف إطلاق النار. (3) الكتيبة 413: ألحقت هذه الكتيبة باللواء 132 (ميكانيكي) من الفرقة الخامسة (مشاة) السورية التي تهاجم في النسق الأول في القطاع الجنوبي من الجبهة، ووضعت منذ بدء الهجوم قوة احتياط تحت تصرف قائد اللواء 132 على أن تتحرك خلف وحدات اللواء جاهزة للدخول في المعركة. وبعد أن احتل اللواء 132 قرية خسفين في الساعة 11:00 يوم 7 تشرين الأول تلقت الكتيبة 413 مهمة التقدم إلى خسفين. وتعرضت الكتيبة أثناء التحرك لقصف جوي معاد. ووصلت خسفين في الساعة 16:00 حيث كانت وحدات اللواء قد وصلت إلى مزرعة ناب. وفي الساعة 17:30 وصلت طليعة الكتيبة إلى مزرعة ناب، وكلفت مهمة التمسك بالمنطقة إلى يمين الطريق العام. وفي الساعة 2:00 وصل قائد الكتيبة إلى ناب واجتمع بقلئد اللواء 132 الذي أسند إليه مهمة التمسك بخط أم الزيتون – خسفين. وفي ليلة 7-8 تشرين الأول تحركت طليعة من الكتيبة باتجاه قرية العال، ولكنها بعد تجاوز مزرعة ناب بمسافة 2 كم اصطدمت بكمين معاد من الدبابات دمر عربة قائد الكتيبة الذي استطاع التخلص من الكمين والعودة بالطليعة إلى ناب. وتمركزت الكتيبة من جديد على الطريق العام بين خسفين وناب حتى صباح 8 تشرين الأول حين بدأ العدو هجومه المعاكس حوالي 5:00 من تل المطار باتجاه البجورية وتل السقي. واضطرت الكتيبة إلى الانسحاب إلى منطقة تجمعها في قاعدة الانطلاق منذ الساعة 11:00 من يوم 8 تشرين الأول، وكلفت هناك الدفاع عن منطقة تل السمن، ثم كلفت سرية من الكتيبة احتلال موقع دفاعي بين قريتي مزيريب وجلين. وفي يوم 21 تشرين الأول تلقت الكتيبة مهمة تبديل إحدى كتائب اللواء 132 في منطقة تل الجموع شمال قرية تسيل، وتمت عملية التبديل ليلة 21-22 تشرين الأول. وبقيت الكتيبة في هذا الموقع حتى وقف إطلاق النار. خسرت قوات حطين في معاركها على الجبهة السورية 44 شهيداً و65 جريحاً. وكانت بطولات أفرادها موضع التقدير والإعجاب. 3) قوات القادسية: بقيت هذه القوات المؤلفة من كتيبتين في إحتياطي قيادة جيش التحرير الفلسطيني، وتمركزت في بعض المناطق الهامة في عمق الجبهة السورية. ولم تستخدم هذه القوات في المجابهة المباشرة مع العدو، بل كانت مكلفة إحباط أية محاولة للعدو للضرب في العمق، والتصدي لأية محاولة إنزال جوي معاد إلى جوار منطقة انتشارها. 4) كتيبة زيد بن حارثة: كانت هذه الكتيبة ملحقة بالفرقة الأولى (مشاة) الأردنية. ونظراً لعدم اشتراك الجبهة الأردنية في القتال بقيت الكتيبة في مواقعها الدفاعية تقوم بأعمال الدوريات والكمائن في الخطوط الأمامية. 5) قوات عين جالوت: عملت بأمرة قيادة الجيش المصري. وكانت قبل اندلاع الحرب متمركزة على قناة السويس. وقد أسندت إلى هذه القوات مهام ضمن خطة العمليات على الجبهة المصرية لأنها وحدات مشاة خفيفية، شأنها شأن بقية الوحدات العربية الأخرى في الجبهة المصرية. وتم إلحاقها بالجيش المصري الثالث الذي أسند اليها مهمة الدفاع عن الضفاف الغربية للبحيرات المرة بين كبريت وكسفريت. وبعد عبور قوات الجيش المصري قناة السويس بقيت قوات عين جالوت ضمن مؤخرة الجيش ووحداته الإدارية مع الوحدات العربية الأخرى (الكويتية والمغربية) تقوم بمهمة الدفاع خلف منطقة العبور. وقامت قوات عين جالوت بدفع عدة مجموعات استطلاع أمام منطقة دفاعها إلى الشمال. وقد تمكنت هذه المجموعات من التبليغ عن الأعمال الأولى للخرق الإسرائيلي في منطقة الدفرسوار يوم 16 تشرين الأول. ثم قامت بالتصدي للوحدات الإسرائيلية التي تسللت خلف مواقعها وتعرضت لقصف شديد من المدفعية والطيران المعادين، ولكنها ضمدت في مواقعها، وحاولت عرقلة تقدم القوات الإسرائيلية على الطريق الواقعة بين البحيرات المرة والمرتفعات إلى أن انسحبت جنوباً باتجاه مدينة السويس وشاركت في الدفاع عن المدينة. خسرت قوات عين جالوت 30 شهداء و70 جريحاً وعدداً من المقودين. ونال أفرادها الإعجاب والتقدير، وأرسل قائد الجيش المصري الثالث إليها برقية يحييها فيها على ثباتها.   المراجع: – مؤسسة الدراسات الفلسطينية: الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية منذ عام 1964 حتى 1976، بيروت.