جيش الإنقاذ

هو جيش المتطوعين العرب الذين هبوا لمساعدة عرب فلسطين في صراعهم ضد الاستعمار والصهيونية الذين عملا على إقامة دولة يهودية في فلسطين. وكانت الصهيونية* قد استطاعت أن تتصدر من الحكومة البريطانية وعد بلفور* الذي رفضه الشعب العربي الفلسطيني. ومضت بريطانيا في تنفيذ مؤامراتها مع الصهيونية من أجل إقامة “الوطن القومي اليهودي” في فلسطين، فعملت طوال مدة انتدابها على فلسطين مع الصهيونيين على التصدي للمقاومة الفلسطينية تحت ستار المحافظة على الأمن، فسجنت زعماء الشعب الفلسطيني وشردتهم وأبعدت بعضهم إلى خارج البلاد، وكبتت كل مظهر من مظاهر المقاومة، وأنزلت بالمناضلين أشد العقوبات، مما أضعف النضال العربي الفلسطيني، على حين كانت تسهل هجرة اليهود القادمين من أوروبا تمهيداً لتنفيذ الوعد الذي قطعته. لم تكن الدول العربية آنذاك مالكة مصيرها، لذلك جاء دعمها للشعب الفلسطيني في نضاله قاصراً على المظاهر المعنوية والمشاركة الفردية. وعند نهاية الحرب العالمية الثانية استقلت كل من سورية ولبنان، وبدأت تعد العدة لمتابعة الكفاح المسلح، فأرسلت إليها منذ أواخر عام 1946 مجموعات من الشبان الفلسطينيين لاتباع دورات تدريبية عسكرية، كما سعت إلى شراء الأسلحة وتخزينها في مستودعات سرية. وعندما شعرت بريطانيا أن الصهيونية أصبحت قادرة على شق طريقها دون مساعدتها، وبات تنفيذ وعد بلفور وشيكاً، أرادت إلقاء تبعة قيام دولة صهيونية في فلسطين على غيرها، فقامت في 2/4/1947 بإحالة قضية فلسطين على الأمم المتحدة للبت فيها في ضوء النطورات الجديدة، أي بعد أن أعلن الشعب العربي الفلسطيني رفضه للوجود الصهيوني الاستيطاني. ولما اتضح للعرب ميل اللجان التي شكلتها الأمم المتحدة إلى التقسيم (رَ: تقسيم فلسطين) دعي مجلس جامعة الدول العربية إلى اجتماع في عاليه (لبنان) ما بين 7 و9/10/1947 (رَ: عاليه، اجتماع) لدراسة التدابير الواجب اتخاذها للوقوف في وجه المؤامرة على عروبة فلسطين. وكان من أهم القرارات المتحدة خلال ذلك المؤتمر تأليف لجنة عسكرية من ممثلين عن مختلف الدول العربية مهمتها دراسة الموقف من الناحية العسكرية (رَ: اللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية)، ومعاونة أهل فلسطين في الدفاع عن أنفسهم وكيانهم. وقد تألفت تلك اللجنة من اللواء الركن اسماعيل صفوت (العراق) رئيساً، وعضوية كل من العقيد محمود الهندي (سورية)، والمقدم الركن شوكت شقير (لبنان)، وصبحي الخضرا* (فلسطين). ولم ترسل مصر والأردن والسعودية واليمن أحداً يمثلها فيها. وكان من بين توصيات اللجنة فتح باب التطوع أمام الشبان العرب للمشاركة في الكفاح المسلح في فلسطين. وكانت الحماسة شديدة لدى الشيان العرب للمساهمة في النضال، وخاصة في الأوساط العسكرية. ففي سورية قدم عدد كبير من الضباط طلبات الالتحاق بقوات المجاهدين، وقدم آخرون استقالتهم من الجيش ليمكنوا من التطوع في تلك القوات. وقد أفرزت رئاسة الأركان السورية 46 ضابطاً وعدداً كبيراً من صف الضباط والجنود. وأما في العراق فقد تزعم كبار الضباط فكرة مماثلة، وانضم إليهم الكثير من الضباط الشبان الذين أحيلوا على التقاعد إثر ثورة رشيد عالي الكيلاني. وفي مصر اتصل الضباط الأحرار بالحاج أمين الحسيني* رئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين* وطلبوا منه التوسط لدى الحكومة المصرية للسماح لهم بالتطوع. وفي الأردن التحق عدد كبير من رجال الشرطة بالمجاهدين. وهكذا بدأ تكوين “جيش التحرير” الذي سمي فيما بعد “جيش الانقاذ” وأسندت قيادته إلى المجاهد فوزي القاوقجي* اعتباراً من مطلع شهر كانون الأول 1947. أ- تشكيل جيش الانقاذ: شكل جيش الانقاذ من متطوعين سوريين ولبنانيين وعراقيين وأردنيين ومصريين وسعوديين ويمنيين وعدد قليل من جنسيات غير عربية (من تركيا، ويوغسلافيا، وألمانيا، وانكلترا)، فجاء تركيبه غير متجانس من حيث الأفراد أو التسليح أو التدريب أو أسلوب العمل. وقد بلغ عدد الذين تقدموا للتطوع في جيش الانقاذ حوالي عشرة آلاف شخص، إلا أن من سار منهم فعلاً إلى فلسطين لم يرد على 4.630 متطوعاً. وكانوا بقيادة ضباط من مختلف الدول العربية تعاونهم مجموعة من صف الضباط والأفراد الذين تركوا وظائفهم في الجيوش العربية. وقد وزع المتطوعين على ثمانية أفواج، دعي الأول والثاني والثالث منها باسم “اليرموك”، والرابع باسم “القادسية”، والخامس باسم “حطين”، والسادس باسم “أجنادين”، والسابع باسم “العراق”، والثامن باسم “جبل العرب”. وقد دخلت هذه الأفواج، الواحد بعد الآخر، إلى فلسطين بعد أن تم تدريب أفرادها لفترة وجيزة في معسكرات قطنا قرب دمشق بإشراف عسكريين سوريين. ب- مهمته: لم تحدد في الواقع مهمة واضحة لجيش الإنقاذ، وربما كان ذلك نابعاً من العمومية التي اتصفت بها المهمة الموكلة إلى اللجنة العسكرية من قبل مجلس الجامعة العربية، إذ كلفت هذه اللجنة العسكرية من قبل مجلس الجامعة العربية، إذ كلفت هذه اللجنة وضع الخطط والمقترحات العسكرية “الرامية إلى الحيلولة دون تشكيل حكومة يهودية في فلسطين، وإرغام اليهود على القبول بالمطالب العربية”. وكان جيش الانقاذ، كما هو مفروض، أداة اللجنة العسكرية لتحقيق ذلك، فهل كان المطلوب منه الاحتفاظ بالقسم الذي خصصته الأمم المتحدة للعرب أو طرد المهاجرين اليهود الذين أتوا مستعمرين إلى فلسطين؟ ثم ما المطالب العربية التي يتوجب على جيش الإنقاذ إرغام الصهيونيين على القبول بها وقد كان لكل حكومة عربية مفهومها الخاص للقضية الفلسطينية؟ بل كان هناك تفاوت في مفهوم القادة الميدانيين لمهمتهم. وقدد حدد فوزي القاوقجي الغاية من دخول جيش الإنقاذ إلى فلسطين في خطبة له في جبع، فقال: “هدفنا واحد، وهو إلغاء قرار هيئة الأمم المتحدة بالتقسيم. ودك معالم الصهيونية وتصفيتها نهائياً، وتنفيذ قرارات الجامعة العربية، وتثبيت عروبة فلسطين”. فهل كانت هذه فعلاً مهمة جيش الإنقاذ، وهل كان قادراً على تحقيقها؟ الواقع أن قائد قطعات الإنقاذ في منطقة الجليل، المقدم أديب الشيشكلي، كان يحمل مفهوماً آخر، فمهام قواته “تقوية معنويات الأهلين في فلسطين، ومعرفة مقدرة القوات الصهيونية المسلحة في فلسطين، واختبار موقف سلطات الانتداب البريطاني بالنسبة إلى الأعمال العسكرية التي تحدث بين العرب واليهود”. أي كان جيش الإنقاذ في نظر الشيشكلي مجرد طليعة للجيوش العربية، ومهمته لا تتعدى الاستطلاع بالقتال لاختبار قوة العدو ومساعدة الصديق على الصمود حتى تحين الساعة المناسبة. وربما كان هذا اللبس السبب الرئيس الذي جعل هذا الجيش يقصر أعماله على معارك محلية تفتقر إلى الهدف الاستراتيجي، ويكتفي بأهداف تكتيكية محدودة لم تستطع أن تؤثر على الوضع العام حتى عند نجاحها. ج- دخوله إلى فلسطين: بدأ القتال في فلسطين يزداد حدة خلال شهر كانون الأول 1947. وكانت المعارك بين العرب والصهيونيين، رغم موضعيتها وتفرقها، تتميز بطابع الاستمرارية. وقد تولدت بعض الرهبة لدى العرب نتيجة استخدام الصهيونيين مدافع الهاون والمتفجرات بكثرة في حين افتقر إليها العرب، ولم يكن لديهم مقابلها سوى الشجاعة. والاستعداد للموت دفاعاً عن الوطن، والأمل في مساعدة الأشقاء من الدول العربية. وتعالت أصوات الجماهير العربية في كل مكان تدعو اللجنة العسكرية للتدخل. ومع تزايد صرخات الاستنجاد من عرب فلسطين وتزايد حماسة الجماهير العربية، اختصرت مناهج التدريب في معسكرات قطنا، واعتبر فوج اليرموك الثاني بقيادة المقدم أديب الشيشكلي جاهزاً للحركة يوم 8/12/1947، رغم كل ما كان يشكو من نواقص. وفي مساء ذلك اليوم تحرك الفوج من معسكر قطنا باتجاه بنت جبيل في لبنان الجنوبي، ثم دخل الأراضي الفلسطينية يوم 9 كانون الأول، أي في الوقت الذي كانت تدور فيه، في ناحيتي الزوية والقنيطرة ضد بعض مستعمرات الحولة، رحى معركة رتبت خصيصاً لجلب انتباه الصهيونيين إليها وتحويل أنظارهم عن الفوج. وكان لدخول فوج اليرموك إلى فلسطين أثر كبير في ارتفاع معنويات العرب فيها. ثم توالى دخول الأفواج على الشكل التالي: 1) فوج اليرموك الأول بقيادة المقدم محمد صفا (سوري) وقد دخل فلسطين يوم 22/1/1948 واتخذ مواقع له في منطقة جنين* – بيسان*. 2) فوج القادسية بقيادة المقدم مهدي صالح العاني (عراقي) وقد دخل فلسطين في شباط 1948 وكان تحت تصرف قيادة جيش الانقاذ في قرية جبع*. 3) فوج حطين بقيادة النقيب مدلول عباس (عراقي) وقد دخل فلسطين في آذار 1948 وتمركز في منطقة طوباس*. 4) فوج اليرموك الثالث بقيادة الرائد عبد الحميد الراوي (عراقي) وقد دخل فلسطين في نيسان 1948 وتمركز في منطقة القدس* ورام الله*. 5) فوج أجنادين بقيادة النقيب ميشيل عيسى (فلسطيني) وقد تولى الدفاع عن يافا* وباب الواد. 6) فوج العراق بقيادة المقدم عادل نجم الدين (عراقي) وقد دخل يافا وتولى قائده قيادة حاميتها بالإضافة إلى وحداته في 16/2/1948. 7) فوج جبل العرب بقيادة الرائد شكيب وهاب (سوري) وقد تمركز في منطقة شفاعمرو* قرب الناصرة*. وكانت هذه الأفواج (باستثناء فوج جبل العرب) تشكل مجموعة المنطقة الوسطى التي يقودها القائد فوزي القاوقجي بنفسه. وقد رابط في هذه المنطقة، بالإضافة إلى هذه الأفواج، سرايا مستقلة منها السرية اللبنانية بقيادة النقيب حكمت علي، وسرية الفراتين بقيادة النقيب خالد مطرجي. أما مجموعة المنطقة الشمالية فكانت بقيادة المقدم أديب الشيشكلي الذي كان يقود أيضاً فوج اليرموك الثاني وفوج جبل العرب. وقد ألحق بقيادة المجموعة الشمالية أيضاً عدة مفارز، منها المفارز العراقية والحمرية والشركسية والادلبية والأردنية والسورية النظامية واالبنانية والبدوية وحامية عكا ومفرزة مجدل شمس والمفرزة اليوغسلافية. أعيد تنظيم جيش الانقاذ في شهر آذار 1948 على أساس ألوية فأصبح مؤلفا من: لواء اليرموك الأول بقيادة المقدم محمد صفا، ولواء اليرموك الثاني بقيادة المقدم أديب الشيشكلي، ولواء اليرموك الثالث بقيادة المقدم مهدي صالح العاني، والفوج العلوي بقيادة غسان جديد. د- التسليح والتدريب: كانت مشكلة التسليح من أصعب المشكلات التي عناها جيش الانقاذ. فقد كان هذا الجيش مزوداً بخليط من أنواع البنادق الإنكليزية والفرنسية والبلجيكية، وبعدد قليل من دافع الهاون المختلفة العيارات، وببعض الرشاشات. كما أن سلاح الفوج الواحد لم يكن متجانساً، مما خلق صعوبات جمة في التمرين بالذخائر التي كانت أصلاً قليلة جداً. فقد صعب أو استحال الحصول عليها إذ فرضت الدول العربية حظراً على بيع الأعتدة الحربية لدول منطقة الشرق الأوسط، وإن كانت لم تبخل على القوات الصهيونية بالأسلحة والذخيرة، خاصة عن طريق قوات الانتداب البريطانية. ولم يتوفر لعناصر جيش الانقاذ الوقت الكافي للتدريب، فكان القسم الأعظم من المتطوعين مدنيين يفتقرون إلى التدريب العسكري الجيد والروح الانضباطية والعمل الجماعي ضمن وحداتهم، رغم تمتعهم بروح عالية من الحماسة والاندفاع. وفي الوقت نفسه كان جيش الانقاذ يفتقر إلى العدد الكافي من الأجهزة القيادية والتنظيمية والإدارية، إذ لم يكن لديه في أحسن الحالات سوى نصف العدد المطلوب من الضباط. أما الشؤون الإدارية والتموين فقد أشرف عليها شبان غير عسكريين، معظمهم من الذين عملوا في الميدان الوطني في سورية. وقد زود الجيش السوري هذا المرفق بالكثير من الرتباء ووضع تحت تصرقهم المستودعات والمخازن. أما من الناحية الصحية فقد كلفت اللجنة العسكرية الدكتور أمين رويحة الإشراف عليها فأسس مشفى نابلس الذي ضم 200 سرير. وقد بقي هذا المشفى يستقبل الجرحى حتى انسحاب جيش الإنقاذ إلى الشمال فسلم إلى الجيش العراقي. وأسس الدكتور رويحة أيضاً مشفى ميدان في الرامة، ثم نقله فيما بعد إلى ترشيحا*. هـ- المعارك: كانت معركة جدين* أولى المعارك التي خاضها جيش الإنقاذ في فلسطين.ففي ليلة 21-22/1/1948، وبغية ستر عملية عبور فوج اليرموك الأول إلى فلسطين، شن فوج اليرموك الثاني بقيادة المقدم أديب الشيشكلي هجوماً مفاجئاً على مستعمرة صهيونية في جدين قرب ترشيحا في المنطقة الشمالية. وكان من نتائجها، للإضافة إلى جذب انتباه الصهيونيين والبريطانيين نحوها، تمكين قوات الإنقاذ من الحصول على أولى المعلومات المؤكدة عن المستعمرات الصهيونية وأساليب الدفاع عنها. وقد رفعت المعركة معنويات عرب فلسطين. وتبين لقوات الانقاذ أن الصهيونيين في دفاعهم عن مستعمراتهم يقاتلون بضراوة، معتمدين على تحصيناتهم القوية، خلافاً لقتالهم في الأراضي المكشوفة. إذ إن النجدات التي جاءت لمساعدة القوات الصهيونية في جدين واشتبكت مع القوات العربية الأقل منها عدداً وعدة لم تظهر ثباتاً في القتال، فهزمها العرب بعد أن كبدوها عدداً من القتلى والجرحى، وحطموا لها بعض العربات المدرعة. في حين أن القوات الصهيونية المدافعة عن المستعمرة، رغم خسارتها المواقع الأمامية واشتعال النيران في بعض مبانيها، التجأت إلى القلعة، واستمرت في القتال حتى وصلت قوة بريطانية أتقذتها، مما اضطر قوات الشيشكلي إلى التراجع طبقاً للتعليمات التي لديها بعدم الاشتباك مع البريطانيين. وسقط في تلك المعركة أوائل شهداء جيش الإنقاذ. انتقل الصهيونيين بعد تلك المعركة إلى العمل داخل المستعمرات وما بينها، وركزوا نشاطهم في مناطق محددة مما بدا معه في الظاهر أن الموقف يتطور لصالح العرب، في حين كانت القوات الصهيونية تسعى إلى السيطرة على المدن، الواحدة تلو الأخرى، وإلى تأمين طرق المواصلات بينها وبين المستعمرات تمهيداً للانتقال إلى هجوم واسع النطاق على الجبهات. وكانت معركة الزراعة* هي التالية في سلسلة معارك الجيش الإنقاذ، وقد خاضها فوج اليرموك الأول ليلة 16-17/2/1948 رغم صعوبة الأحوال الجوية والقيود التي تفرضها الأراضي الزراعية المغطاة بمياه الأمطار على التحركات. وقد تمكنت قوات الفوج من المرور عبر الأسلاك الشائكة المحيطة بالمستعمرة تحت نيران غزيرة صبتها القوات الصهيونية. وتوغلت قوات الإنقاذ داخل مستعمرة، وخاضت مع المدافعين عنها قتال شوارع عنيفاً. وقد أمكن لوحدات عربية تمركزت على مشارف المستعمرة أن تقطع الطريق على النجدات المرسلة لدعم حاميتها. وقد ظهر بوضوح خلال تلك المعركة سوء أنواع الأسلحة التي يحملها المناضلون العرب، إذ تعطل نصفها على الأقل، مما أضعف القدرة النارية للهجوم، وأدى إلى وقوع خسائر كبيرة نسبياً (37 شهيداً، وأكثر منهم جرحى) في القوات العربية المهاجمة. وتبين أن الأسلحة الثقيلة المتوفرة غير كافية لتدمير التحصينات المعادية القوية،مما يتطلب زيادة كبيرة في مدفعية الميدان لدى الجيش الإنقاذ. ثم توالت المعارك، ومنها في المنطقتين الشمالية والوسطى معارك مثمار هاعيميك*، ونيفي يعقوب، وباب الود*، والقسطل*، والقدس، حيفا*، ويافا*، والمطلة، والمنارة، والهراوي، والنبي يوشع*، والشجرة*، ورامات يوحانان، وطبرية*، وصفد*، وعكا*، والمالكية*، وكان جيش الانقاذ يتبع في قتاله تكتيكاً هو مزيج من القتال النظامي وحرب العصابات تبعاً للموقف، وقد لوحظ خلال المعارك كلها اتصاف المقاتلين العرب برباطة الجاش والجرأة والحماسة، رغم ضعف الأسلحة وقلة التدريب. و- موقف قوات الانتداب البريطاني: كانت بريطانيا ترى أن جيش الإنقاذ غير قادر على حسم المعركة بمفرده. وقد اعتبرته تنظيماً عسكرياً سيمتص القسم الأكبر من المعونات العسكرية العربية، ولا سيما أن المقاومة الفلسطينية الداخلية كانت قد انتشرت واتسع نطاق عملها حتى بلغ كل مكان في فلسطين، وأنه لو أمكن تسليح هذه المقاومة تسليحاً جيداً، ونظمت بشكل محكم، ووضعت لها الخطط ونسقت عملياتها، لكانت أشد خطراً على القوات الصهيونية، وأكثر تأثيراً في مصير الصراع من قوات جيش الإنقاذ التي أصبح حجمها وتسلحيها وأماكن تمركزها معروفة. ثم إن بريطانيا استطاعت، بمناوارتها السياسية والضغوط التي استعملها، الإبقاء على جميع قوات جيش الإنقاذ في القسم العربي من التقسيم. لذلك وفي 10/2/1948 اعتبرت القيادة البريطانية جيش الإنقاذ مسؤولاً عن الأمن ضمن منطقته، وفوضت ذلك إليه رسمياً، وبدأت تنسحب قواتها. وكان هدفها من ذلك واضحاً، وهو جعل هذا الجيش الذي قدم للقتال، على ما فيه من ضعف عددي وتسليح هزيل، مشغولاً بالمشكلات الإدارية، كالإشراف على الشرطة المحلية وتشكيلات الدوائر الحكومية في المنطقة. وقد احتفظت حكومة الانتداب في المنطقة، على الرغم من ذلك، بقوات آلية كبيرة وضعتها في مناطق بيسان والعفولة وحيفا لحماية المستعمرات الصهيونية. وصرح القادة البريطانيون في مناسبات عدة أنهم مستعدون للتدخل عسكرياً في أية معركة تنشب بين العرب والصهيونيون لمقاتلة من يعتبرونه معدنياً. وقد ثبت ذلك عملياً في مختلف المعارك الناجحة التي كان يخوضها جيش الإنقاذ، إذ ما أن يبدو احتمال سقوط مستعمرة صهيونية، أو خسارة اليهود لمعركة ما، حتى تتدخل القوات البريطانية المدرعة والجوية لإنقاذ الموقف، ومساعدة الصهيونيين بدعوى أنهم معتدى عليهم. ز- جيش الانقاذ بعد 15/5/1948: يذكر قائد جيش الإنقاذ فوزي القاوقجي أنه استعلم من اللواء نور الدين محمود المفتش العام لجيش الإنقاذ عن مهمة هذا الجيش بعد يوم 15/5/1948 المحدد لدخول الجيوش العربية النظامية إلى فلسطين، فأجابه: “إن هذا الجيش مرتبط بجامعة الدول العربية، ويحسن بقائده أن يسأل الأمين العام للجامعة”، وأضاف: “إذا كنت تريد البقاء بجيشك حيث هو فلا بأس، ولكن مهمتكم تنتهي بعد دخول الجيوش النظامية”. ومع دخول الجيوش العربية النظامية وردت برقيات إلى قيادة جيش الإنقاذ من دمشق وعمان تلح على سرعة انسحاب الجيش، في الوقت الذي شعر قائده من تصريحات الملك عبد الله أن هذا الجيش سيحل قريباً. فوضع فوزي القاوقجي خطة للانسحاب تبدأ يوم 17 أيار وتنتهي خلال ثلاثة أيام، وأطلع عليها الجنرال غلوب رئيس أركان الجيش الأردني الذي أوعز إلى جيشه باحتلال موقع جيش الإنقاذ في الجبهة. ولكن طوال الجبهة وقلة القوات الأردنية لم يسمجا للجيش الأردني إلا باحتلال بعض المواقع الرئيسة، فأهملت مواقع أخرى لا تقل أهمية. وسارت عملية الانسحاب وفق الخطة الموضوعة لها. غير أن ذلك لم يمنع هذا الجيش من تقديم العون للجيش الأردني فالعراقي في معاركتهما عندما طلب منه ذلك، كما حصل في معارك القدس وباب الواد. ثم خاض الجيش بعد انسحابه نحو الشمال وتمركزه على الحدود اللبنانية، خاض يوم 6/6/1948 معركة المالكية*، وكانت من أنجح معاركه. أصبح جيش الانقاذ بعد تحشده في جنوبي لبنان في حالة سيئة جداً وبحاجة ماسة لإعادة التنظيم. وقد استدعي القاوقجي إلى القاهرة لمقابلة الأمين العام لجامعة الدول العربية يون 22/10/1948 فأبلغه هذا أن مهمة جيشه قد انتهت. وكلف على أثر ذلك العقيد أنور بنود من الجيش السوري بقيادة وحدات الإنقاذ بانتظار حلها، فأعاد تشكيلها بثلاثة أفواج حملت اسم اليرموك، ثم نقلت في أواخر آذار 1949 إلى سورية. وفي 15/5/1949 صدرت الأوامر من المفتشية العامة لقوات الإنقاذ بتوجيه من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بإنهاء مهمة هذه القوات وتسريح أفرادها. وقد تم ذلك رسمياً اعتباراً من التاريخ المذكور. المراجع:   –         خيرية قاسمية: مذكرات فوزي القاوقجي، بيروت 1975. –         اللواء حسن البدري: الحرب في أرض السلام، القاهرة 1976. –         محمد فائز القصري: حرب فلسطين، دمشق 1962. –         عارف العارف: النكبة، بيروت 1952. –         هاني الهندي: جيش الانقاذ، بيروت 1974.