أهل السنة والجماعة

يطلق هذا المصطلح على جمهور الأمة الإسلامية من غير الشيعة والخوارج. إنهم الأمة الوسط الذين نأوا عن التطرف والغلو في مواقفهم من الحرب الأهلية التي وقعت غداة مقتل عثمان رضي الله عنه، عملاً بالسنة الشريفة الداعية إلى التئام الصف ووحدة الكلمة. لقد كان فقهاء الشام – ومنها فلسطين – من أكثر علماء الأمة اهتماما بهذا الشأن، وبخاصة ونحن نعلم أنهم سموا العام الذي تم فيه نقل السلطة إلى الأمويين عام الجماعة (41هـ)، وعنوا برواية الآثار الداعية إلى الوئام ونبذ الخصام، حتى تتفرغ الأمة لجهاد أعدائها بدلاً من الولوج في الفتنة (الحرب الأهلية)، ومن هنا كان اهتمام بعضهم بالتأليف في الجهاد والسير كالزهري والأوزاعي.       كانت فلسطين مهداً لأهل السنة في مختلف العصور بدء من عصر الصحابة رضي الله عنهم، لا ينفي ذلك وجود فترات تاريخية تطول وتقصر أثرت على مذهبهم وحتى على وجودهم بصورة متفاوتة. ففي العصر العباسي الأول ساد مذهب المعتزلة، ولكن أيام حكمهم لم تطل، بل خرج من بين صفوف المعتزلة من أصبح المعبر بعد انشقاقه عنهم عن مذهب أهل السنة. وبخاصة في مجال الاستدلال على العقائد، فهذا أبو الحسن الأشعري (260 – 324هـ) يترك مذهب الاعتزال ليفىء إلى أهل السنة، وليكون لسانهم الناطق في نقص مبادىء الاعتزال، حتى أصبح مصطلح أهل السنة والجماعة يطلق على أتباع المدرسة الأشعرية، فيما خلا جمهور الحنابلة الذين برئوا من الأشعري ومذهبه، وكان رفضهم هذا قاعدة لمذهب السلفية في عصرنا الحاضر.         وعندما جاء الحكم الفاطمي الشيعي (297 – 567هـ، 909 – 1171م) ضيق الخناق على أهل السنة، حيث حمل الفاطميون الناس على مذهبهم في الأئمة وسب الشيخين أبي بكر وعمر، وقاموا بملاحقة العلماء المناوئين لهم، فقتلوا فقيه الشام المعروف بابن النابلسي (محمد بن أحمد الملي)، وقطعوا لسان ابي القاسم الواسطي لرفضه عبارة (حي على خير العمل) في الأذان. ويصف المقدسي* (البشاري) إقليم فلسطين في القرن الرابع الهجري فيقول: “ولا تجد فيه مجوسياً ولا صائباً – مذاهبهم مستقيمة، أهل جماعة وسنة، وأهل طبرية* ونصف نابلس* وقدس وأكثر عمان شيعة، ولا ماء فيه لمعتزلي”. وفي إبان الحروب الصليبية (1099 – 1219م) تعرض أهل السنة في فلسطين لمذابح جماعية أودت بحياة سبعين ألفا في بيت المقدس* وحدها، وكان لسياسة الإبادة والترويع أثر في هجرة عدد من سكانها، من مثل ما حدث في جبل نابلس إذ اضطر بنو قدامة إلى الفرار إلى دمشق، وهناك اشتهروا باسم المقادسة. وفي هذين العهدين الآخرين شهدت حركات التصوف رواجاً في فلسطين، وامتد هذا النشاط في العهدين الأيوبي والمملوكي، فقد شجع الحكام المتصوفة وعملوا على نشر الخوانق والزوايا والرباطات* بهدف مقامة المذهب الإسماعيلي، والوقوف أمام المد الصليبي. وخصصوا لذلك أوقاتاً كثيرة. وقد عمل صلاح الدين الأيوبي* على طمس معالم المذهب الشيعي وتغيير رسالة مؤسساته بدء من الأزهر، وقد كان صلاح الدين أشعري العقيدة شافعي المذهب، وحمل الناس على مذهبه. أما من ناحية المذاهب الفقهية السائدة، فقد كان مذهب الأوزاعي هو المذهب السائد في بلاد الشام، ثم ما لبث أن حل محله المذهب الشافعي، واعتنقه أكثر سكان فلسطين. وقد زاحمه المذهب الحنفي الذي حظي بدعم الدولة العباسية، حتى إذا جاءت الدولة الفاطمية حل محله المذهب الشيعي الإمامي، فلما جاء الأيوبيين قووا نفوذ المذهب الشافعي، ولما جاءت الدولة المملوكية جعلت القضاء بالمذاهب الأربعة، وعاد الرجحان للمذاهب الحنفي في أواخر الدولة العثمانية. وغلب في العصر الحديث على أهل فلسطين المذهب الشافعي يليه الحنفي فالحنبلي، وأما المالكي فأتباعه قلة نادرة. أما من حيث الإنتاج العلمي فقد كان أكثر بروزاً في دائرتي الفقه والحديث، ونبغ من علماء فلسطين أعلام كثيرون كان لإنتاجهم أثر كبير على الفكر الإسلامي. ففي المذهب الشافعي ظهر الإمام الشافعي* نفسه صاحب كتاب “الأم” في الفقه و”الرسالة” في الأصول. واشتهر كتاب “نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج” لشمس الدين الرملي*. وفي المذهب الحنبلي اشتهر كتاب “المغني” لابن قدامة الحنبلي*، و”الإنصاف” للمرداوي*، و”الفروع” لابن مفلح الراميني*، و”الإقناع” للحجاوي. وفي المذهب الحنفي اشتهرت كتب الفتاوى مثل “الفتاوى الخيرية” لخير الدين الرملي*، و”الفتاوى الخليلية” لمحمد الخليلي وغيرها. وفي مجال الحديث اشتهر من علماء فلسطين الطبراني صاحب المعاجم المشهورة وابن حجر العسقلاني صاحب كتاب “فتح الباري شرح صحيح البخاري”، وعبد الغني النابلسي صاحب كتاب “الكمال في أسماء الرجال”. وما زال أهل السنة يشكلون الأكثرية الساحقة من طوائف الأمة الإسلامية في فلسطين في هذا العصر إبان الاحتلال الصهيوني، على اختلاف في انتماءاتهم الفكرية بين أشعرية وسلفية وغيرهم. المراجع : –         خليل عثامنة: فلسطين في خمسة قرون من الفتح الإسلامي حتى الغزو الفرنجي، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2000. –         رضوان السيد: الجهاد والجماعة، بحث مقدم للمؤتمر الدولي الرابع لتاريخ بلاد الشام، الندوة الشاملة، 1985. –         صلاح الدين المنجد: اللاجئون المقادسة إلى دمشق بعد الغزو الفرنجي ونتائج هجراتهم، المؤتمر الثالث لتاريخ بلاد الشام. –         كامل العسلي: الفكر الديني- العلوم الاسلامية في فلسطين – الموسوعة الفلسطينية – القسم الثاني. –         عبد الجليل عبد المهدي: الحركة الفكرية في ظل المسجد الأقصى. الأورانيوم: رَ: المعادن