أهل الحديث

يقصد بأهل الحديث من يعنون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رواية ودراية، وهم بذلك أخص من أهل السنة الذين يدخل فيهم المحدثون والفقهاء والسياسيون وعوام المسلمين من غير الشيعة والخوارج. وقد ابتدأت الحركة الحديثية في فلسطين منذ الفتح الإسلامي، حيث وفد إليها عدد من الصحابة، منهم عبادة بن الصامت* الذي كان أول من ولي قضاء فلسطين، وتوفي في الرملة* عام (34هـ، 654م)، وتميم الداري*، وهو من عرب فلسطين قبل الاسلام، وتوفي في بيت جبرين عام (40هـ، 660م) وقد روى له البخاري وسلم. وإبراهيم بن أبي عبلة المقدسي* الذي روى عنه الإمامان مالك وابن المبارك ( ت 52هـ، 672م)، ويشير بن عقربة الجهني* المعروف بالفلسطيني ( ت 85هـ، 704م). وقد انتعشت علوم الحديث في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وممن اشتهر في هذه الفترة: رجاء بن حيوة*، شيخ الشام وكبير الدولة الأموية، وكان يلقب بـ “سيد أهل فلسطين”. قال فيه ابن عون: لم أر في الشام خيراً منه، (ت 12هـ، 730 م)، وعقيل بن خالد الأيلي* الحافظ الحجة ( ت 144هـ، 761م). أبو يزيد الأيلي* الحافظ الثقة، قال فيه الإمام أحمد: إنه ثقة (ت 152هـ، 769م). وآدم بن اياس العسقلاني* الذي روى عنه البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة الدمشقي، وأصله من خراسان (ت 220هـ، 835م). ودحيم (170 – 245هـ، 685 – 859م)، وهو عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو، الحافظ الثبت، محدث بلاد الشام، حدث عنه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه. مات بالرملة. ومحمد بن أبي السري العسقلاني* الحافظ الصدوق محدث فلسطين. روى عنه أبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم (ت 238هـ – 852م). وإبراهيم بن سعيد الجوهري (170 – 274هـ، 768 – 861م)، طبري الأصل قدم دمشق وبغداد وحدث فيهما، وصنف المسند. والبزار* وهو الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن عمرو، صاحب (المسند) الكبير المعلل. مات بالرملة* (292هـ، 904م).والطبراني*، وهو أبو القاسم سليمان بن أحمد (260 – 360هـ، 873 – 970م)،أصله من طبرية* وولد في عكا*، له ثلاثة معاجم في الحديث: الكبير والأوسط والصغير. وله كتاب السنة ومسند الشاميين، قال عنه ابن خلكان إنه سمع من ألف شيخ. وقد كان لعلوم الحديث في هذه الفترة عليه ساحقة على ما سواها من العلوم اعتبارا بأعداد العلماء النابهين في هذا الشأن. استمر الاهتمام بعلوم الحديث في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وممن نبغ في هذه المرحلة: والحافظ الثقة أبو العباس محمد بن قتيبة العسقلاني* (ت 310هـ، 922م). وكان محدث فلسطين، روى عنه ابن عدي وأبو علي النيسابوري، والحافظ أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري  (376 – 441 هـ، 986 – 1049م)، أحد الأئمة الأعلام، وعنه أخذ الخطيب علم الحديث. والإمام أبو الفرج عبد الواحد بن أحمد الشيرازي ثم المقدسي ( ت 486 هـ، 1093 م)، سكن بيت المقدس وهو الذي نشر مذهب الحنابلة. وله تصانيف منها: المبهج، التبصرة في أصول الدين. والعلامة أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي النابلسي الشافعي (ت 490هـ، 1097 م) بدمشق أقام في القدس مدة طويلة من تصانيفه: التهذيب، وكتاب التقريب، وكتاب الكافي. والإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المعروف بابن القيراني (448 – 507، 1056 – 1113م)، أصله من قيسارية، وولد ببيت المقدس رحل طويلاًً في طلب الحديث. قال ابن عسكر: جمع ابن طاهر أطراف الصحيحين وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. أما فيما بين القرن السادس إلى القرن الثامن، فقد شهدت الحركة العلمية تراجعاً ملحوظاً، وذلك إبان الاحتلال الصليبي ثم الحكم المملوكي والأيوبي، ولكن في عتمة الظلام تسطع نجوم ترنو إليها الأنظار، وكان غالب هذه النجوم من علماء جبل نابلس، وبخاصة من بني قدامة، سواء منهم من أقام في فلسطين ومن هاجر إلى دمشق، ومن هؤلاء العلماء: عبد الغني بن عبد الواحد بن علي المقدسي النابلسي الجماعيلي (541 – 600هـ، 1146 – 1203م)، وهو ابن أخ موفق الدين بن قدامة المقدسي وفيه يقول ابن كثير: “كان أوحد زمانه في علم الحديث والحفظ ” . ومن تأليفه: الكمال في أسماء الرجال (10 مجلدات)، والمصباح في عيون الأحاديث الصحيحة (48 جزء) وعمدة الأحكام من كلام خير الأنام. كما نبغ ولده الحافظ أبو موسى جمال الدين عبد الله (518 – 629هـ، 1185 – 1231م)، والحافظ أبو الفتح عز الدين محمد (566 –؟؟؟هـ، 1170 – ؟؟؟م). وكذلك حفيده محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي (705 – 744هـ، 1305 – 1434م)، وهو أحد شيوخ ابن تيمية، صاحب كتاب طبقات علماء الحديث، وتراجم الحافظ، والأعلام في ذكر مشايخ الأمة الأعلام. وضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (569 – 643هـ، 1173 – 1245م)، من مواليد دمشق، ومن مصنفاته: الموافقات (60 جزء)، والأحاديث المختارة (6 مجلدات) ومناقب المحدثين ( 3 أجزاء). وأبو البقاء النابلسي ثم الدمشقي خالد بن يوسف بن سعد (585 – 663هـ، 1189 – 1364م)، حدث عنه النووي والقشيري. والحافظ شرف الدين أبو المظفر يعقوب بن الحسن بن بدر النابلسي الدمشقي (603 – 671هـ، 1206 – 1272م) خرج لنفسه (الموافقات)، وقد ولي مشيخة دار الحديث النورية. وفي هذه الحقبة وجدنا جمهرة من النساء المهتمات بشؤون الحديث، وقد أورد مصطفى الدباغ أسماء (27) امرأة، ومنهن: خديجة بنت عبد الرحمن بنت محمد المقدسي (627 – 701هـ، 1230 – 1301م) وآمنة بنت اسماعيل بن علي القلقشندي (741 – 809هـ، 1340 – 1406م). وحبيبة بنت عبد الرحمن المقدسي (654- 733هـ، 1256 – 1322م). وحبيبة بنت محمد من قدامة الجماعيني، والدها شيخ المقادسة بدمشق، أصبحت شيخة من شيوخ الحديث بدمشق. ويعزو الدكتور كامل العسلي* هذا الاهتمام بالحديث إلى أنه لم يكن باستطاعة النساء تولي مناصب القضاء والاقتناء. وقد تراجع الاهتمام بالدراسات الحديثة في القرن التاسع وما وراءه وبخاصة في أيام العثمانيين ولكن ظل من أهل العلم من يهتم بها. ففي القرن التاسع ظهر المحدث إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله الكناني المقدسي (825 – 861هـ، 1422 – 1457م)، صاحب كتاب: شرح الألفية للزين العراقي في علوم الحديث. والإمام المحدث شمس الدين محمد بن أحمد القلقيلي (776 – 852هـ، 1374 – 1448م)، والشيخ زين الدين أبو زيد عبد الرحمن القبابي (749 – 838هـ، 1348 – 1434م). روى عن خلق كثير من أئمة الحديث. وخرج له الحافظ أبن حجر أسماء شيوخه. ومن علماء القرن العاشر والحادي عشر: أحمد بن محمد بن يوسف بن يونس البدري (991 – 1071هـ، 1583 – 1660م) من مواليد القدس ورحل إلى اليمن. ومن مؤلفاته: الكنز الاسنى، وحاشية على المواهب. أحمد بن عبد الكريم بن سعود الغزي (1087 – 1143هـ، 1667 – 1730م) له كتاب الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث، وشرح منظومة الحديث. والحسن بن محمد البوريني الصفوري (963- 1024هـ، 1556 – 1615م). وفي القرن الثاني عشر: عاش المحدث أحمد بن عبد الغني التميمي الخليلي (ت بعد 1202هـ، 1788م)، من مواليد الخليل وله كتاب حسن الفرع على حديث ام زرع. وفي القرن الثالث عشر ظهر الشيخ يوسف الكساب (ت 1291هـ، 1875م) وهو عالم أزهري له مؤلفات كثيرة منها: جامع كتب الصحاح الستة مع شرحه في (10 مجلدات). ونظم نخبة أبن حجر في مصطلح الحديث مع حاشية عليه. وكذلك يوسف النبهاني (1265 – 1350هـ، 1848 – 1932م)، من مواليد قرية (اجزم) التابعة لحيفا. ومن مؤلفاته الفتح الكبير ومنتخب الصحيحين. ولا نكاد نجد في أيامنا هذه من جهود مميزة يمكن الإشارة إليها سوى تلك الجهود المتعلقة بخدمة السنة النبوية عن طريق إدخالها في الحاسوب. ويعكف الدكتور همام سعيد من أبناء قرية كفر راعي في منطقة جنين على إعداد موسوعة الحديث النبوي الشريف ورجاله، حيث تم حتى الآن تصنيف الأحاديث الشريفة في الكتب الستة ومسند أحمد وموطأ مالك وقفاً لموضوعات تم تصنيفها في دليل خاص أسهمت في إعداده لجان علمية متخصصة في مختلف العلوم والمعارف الإسلامية قارب عدد أعضائها سبعين باحثاً. ويتفرع عن هذه الموسوعة جملة من الموسوعات كإخراج معجم لألفاظ الحديث النبوي ومعجم آخر لغريب الحديث وتصنيف رجال الحديث على المعجم مع استقصاء الحكم على هؤلاء الرجال وعلل أحاديثهم. المراجع: –         ابن كثير: البداية والنهاية، بيروت، مكتبة المعارف، ط2، 1977. –         خليل عثامنة: فلسطين في خدمة قرون من الفتح الصليبي حتى الغزو الفرنجي، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط1، 2000. –         الذهبي شمس الدين محمد بن أحمد: سير أعلام النبلاء، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط4، 1986. –         عادل مناع: أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني (1800 – 1918)، بيروت مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، 1997. –         مجير الدين الحنبلي: الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، عمان، مكتبة المحتسب، 1973. –         محمد عمر حمادة: أعلام فلسطين من القرن الأول حتى الخامس عشر هجري، دمشق، دار قنبية، 1973.