الهدنة الدائمة بين سورية وإسرائيل

وجدت الحكومة السورية نفسها مضطرة لقبول الأمر الواقع والتفوض على عقد اتفاقية هدنة دائمة مع العدو الإسرائيلي. وقد تم توقيع هذه الاتفاقية، وهي آخر واحدة من نوعها آنئذ. في 20/1/1949 على المرتفع رقم 232 قرب ماهاتايم بحضور مندوب وسيط الأمم المتحدة ورئيس أركان مراقبة وقف القتال التابعة لهيئة الأمم المتحدة. تقع الاتفاقية السورية – الإسرائيلية في مقدمة وثماني مواد وأربعة ملاحق. وتكاد تكون في خطوطها العامة نسخة  عن الاتفاقية المصرية – الإسرائيلية الموقعة في 24/2/1949. ولا عجب في ذلك فهذه الاتفاقية شكلت النموذج الذي احتذي في ما تعهد من اتفاقيات. وأما نصوصها فتكاد تكون متطابقة مع النصوص الممائلة في الاتفاقية الأردنية – الإسرائيلية والاتفاقية اللبنانية – الإسرائيلية. ونصوص هذه الاتفاقية هي النصوص نفسها تقريباً في الاتفاقيات الأخرى فهي توضح بجلاء أن ما وقع عليه في المرتفع 232 قرب ماهانايم بين سورية و(إسرائيل) مجرد اتفاقية هدنة لا اتفاقية سلام (المقدمة، المادة الثانية الفقرة 2، المادة الخامسة الفقرة 1). ولعل نص الفقرة الثانية من المادة الثانية أوضح هذه النصوص في تحديد طبيعة الاتفاقية. فهو يقضي بأن “أي حكم من أحكام هذا الاتفاق لا يستطيع أن يمس بأي حال حقوق أحد الطرفين ودعواه وموقفه من الحل السلمي النهائي للقضية الفلسطينية؛ وأن أحكام هذا الاتفاق قد أملتها اعتبارات عسكرية صرفة لا أثر للسياسة فيها”. وفي هذا النص تحسين على النص المماثل في الاتفاقية المصرية –الإسرائيلية الذي يتحدث عن حل مشكلة اللاجئين فحسب. وفي هذه الاتفاقية أيضاً نص بأنه “لا يجوز اكتساب أي ميزة عسكرية أو سياسية في أثناء وقف القتال” (م2 ف1). وتحدد المادتان الأولى (الفقرات 1و2و3) والثالثة (الفقرتان 2و3) معنى الهدنة. وفيهما استخدمت حرفياً نصوص المواد المقابلة في الاتفاقيات العربية – الإسرائيلية السابقة. أما المادة الخامسة من الاتفاقية فتحدد خط الهدنة بين القوات السورية والإسرائيلية والمنطقة العزلاء لفصل قوات الطرفين بصورة تقلل امكانيات الاحتكاك والأصطدام، على أن تؤمن في الوقت نفسه عودة الحياة المدنية العادية تدريجياً في المنطقة العزلاء دون أن يؤثر ذلك في الحل النهائي وأما خط الهدنة هذا فقد نصت الفقرة الثالثة من المادة نفسها على أنه “الخط المحدد في المخطط المرفق بهذا الاتفاق الملحق رقم1، وهو مرسوم في منتصف الطريق بين خطوط وقف القتال الحالية  المصدق عليها من قبل هيئة مراقبة وقف القتال التابعة للأمم المتحدة. وفي جميع الأماكن التي تكون فيها خطوط وقف القتال على طول الحدود الدولية بين سورية وفلسطين فان خط الهدنة يتبع هذه الحدود”. وأما “في الأماكن التي لا يطاق فيها خط  الهدنة الحدود السياسية بين سورية وفلسطين فان المنطقة التي بين خط الهدنة وهذه الحدود لتشكل – ريثما يتم وضع اتفاق اقليمي نهائي – منطقة عزلاء يمنع فيها على الاطلاق وجود قوات الطرفين، ولا يسمح فيها بأي نشاط للقوات العسكرية أو شبه العسكرية. ويطبق هذا التدبير على قطاعي (عين جيف والدردارة) الذين يعتبران جزءا من المنطقة العزلاء”. “وكل تقدم للقوات المسلحة التابعة لأحد الطرفين في هذا الاتفاق – عسكرية كانت أو شبه عسكرية –في أي مكان من المنطقة العزلاء يشكل خرقاً صريحاً للاتفاق اذا كان هذا التقدم قد شهد به ممثلو الأمم المتحدة”. وهذا النص الذي أوردته الفقرة 5 ب من المادة الخامسة هو نص تفردت بصراحته الاتفاقية السورية – الإسرائيلية. ولعله نتيجة تجارب تطبيق الاتفاقيات العربية – الإسرائيلية السابقة التي أثبتت حتى في الأشهر القليلة المناصفة بين توقيعها وتوقيع الاتفاقية السورية – الإسرائيلية أن (إسرائيل) لا تفتأ تنتهك حرمة المناطق العزلاء بل تحتلها بالتدريج وفق سياستها التوسعية المعروفة. ولهذا كله مضت الفقرة 5 من المادة الخامسة في شرح كيفية حماية المنطقة العازلة من التعديات. وعلى هذا تنص الفقرات الفرعية التالية من الفقرة 5 المذكورة على أنه “يكلف رئيس لجنة الهدنة المنصوص عليها … ومراقبو الأمم المتحدة الملحقون باللجنة المذكورة تنفيذ هذه المادة كلياً”. ويتم اخلاء القوات التي في المنطقة العزلاء حالياً وفقاً لخطة الاخلاء الملحقة في هذا الاتفاق”. “ويحول رئيس لجنة الهدنة المشتركة السماح بعودة المدنيين إلى قرى المنطقة العزلاء ومستعمراتها واستعمال شرطة مدنية محدودة العدد تؤلف محلياً للمحافظة على الأمن الداخلي في المنطقة العزلاء، وتكون خطة الاخلاء المنصوص عليها في الفقرة د من هذه المادة بمثابة دليل لرئيس اللجنة”. “وتُنشأ على جانبي المنطقة العزلاء مناطق أخرى توضع فيها قوات دفاعية استناداً إلى تعريف اصطلاح القوات الدفاعية” المتفق عليه. وكما أشرنا سابقاً فقد تحدد خط الهدنة بين القوات السورية والإسرائيلية بشكل تفضيلي في الملحق الأول للاتفاقية على النحو التالي: 1) من نقطة تلاقي الحدود اللبنانية – السورية – الفلسطينية (308,7 – 294,2) وفي المشرق حتى النقطة (212,8 – 294,7). 2) من النقطة 212,8 – 294,17 باتجاه الجنوب على طول وادي العسل حتى مقام الشيخ المخفي. 3) خط يسير من مقام المخفي حتى مقام النبي هود. 4) خط يتجه من مقام النبي هود حتى النقطة 290,4 – 212,7. 5) من النقطة 290,4 – 212,7 حتى النقطة 276,8 – 211,0. 6) من النقطة 276,8 – 211,0 حتى نقطة في وادي الصمادي (276,7 – 210,9). 7) من النقطة 276,7 – 210,9 باتجاه الجنوب على طول وادي الصمادي حتى نقطة الالتقاء مع الطريق (276,6 – 210,3). 8) في الجنوب على طول الطريق في نقطة 277,6 – 209,9 بمحاذاة شرق الدردارة. 9) وفي الغرب حتى نقطة 272,6 – 2094,7 الكائنة على ضفة الحولة. 10) في الجنوب على الضفة حتى نقطة 271,7 – 209,2 عند مصب الشريعة. 11) في الشمال الغربي على طول الضفة الغربية لبحيرة الحولة حتى نقطة 272,9 – 208,5. 12) خط يسير من النقطة 272,9 – 208,5 حتى النقطة 269,1 -205,2. 13) خط يسير من النقطة 269,1 – 205,2 حتى النقطة 265,1 – 208,8 على الشريعة. 14) في الجنوب على طول الشريعة حتى النقطة260,0 – 208,7. 15) خط يسير من النقطة 260,0 – 208,7 حتى النقطة 258,2 -208,5. 16) خط يسير من النقطة 258,2 – 208,5 حتى النقطة 257,0 -207,0. 17) خط يسير من النقطة 257,0 – 207,0 حتى النقطة 256,0 -207,4. 18) من النقطة 256,0 – 207,4 باتجاه الجنوب على طول المناضل السوري – الفلسطيني حتى الحد رقم 61 (246,3 – 210,6). 19) من الحد رقم 61 باتجاه الشرق على الحد الفاصل السوري حتى الحد رقم 62. 20) من الحد رقم 62 باتجاه الجنوب على طول الفاصل السوري حتى الحد رقم 66 (240,1 – 211,7). 21) خط يسير من الحد رقم 66 في نقطة كائنة على الضفة الشرقية لبحيرة طبرية (239,0 – 209,6). 22) من النقطة 239,0 – 209,6 باتجاه الجنوب على طول ضفة بحيرة طبرية حتى النقطة 234,8 – 206,4. 23) من النقطة 234,8 – 206,4 باتجاه الجنوب حتى مفترق الطريق (234,5 – 206,3) ومن هنا في الجنوب الشرقي على طول الضفة الغربية لسكة الحديد والجهة الغربية للطريق حتى الحصن الذي في المنطقة 233,4 – 207,7). 24) من الحصن 232,4 – 207,7 على طول الطريق حتى نهر اليرموك وعلى الحدود في النقطة 232,3 – 209,5. أما انسحاب القوات العسكرية وشبه العسكرية بمعداتها الحربية من المنطقة العزلاء المحددة في المادة 5 من الاتفاق فيتم خلال اثني عشر أسبوعا تبدأ من يوم التوقيع على الاتفاق. وقد حدد الملحق رقم 2 منهاج هذا الانسحاب من حيث المكان والزمان. وقد نصت المادة السابعة من الاتفاقية السورية – الإسرائيلية على أصول مراقبة تنفيذ أحكامها. وهي تتطابق حرفيا مع المادتين المتماثلتين في الاتفاقية الأردنية – الإسرائيلية والاتفاقية اللبنانية – الإسرائيلية ولا تختلف من ناحية الجوهر عن النص المماثل في الاتفاقية المصرية – الإسرائيلية. كما أن المادة الثامنة من الاتفاقية السورية – الإسرائيلية تتطابق مع مثيلاتها في الاتفاقيات العربية – الإسرائيلية السابقة من ناحية عدم الحاجة إلى التصديق عليها، وناحية اجراءات تعديلها وشروطه. وأما المادة السادسة من الاتفاقية فتتناول موضوع أسرى الحرب. وهي تكاد تتطابق مع سابقاتها من الاتفاقيات العربية – الإسرائيلية إلا أن فيها نصاً منفرداً يقضي بأن تحل جميع المسائل التي لم تجر تصفيتها في هذا الاتفاق صراحة وفقاً لمبادىء الاتفاقية الدولية المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب والمواقع عليها في جنيف في 27/7/1929. وهذا النص أيضاً كان نتيجة خبرة السوريين في التعامل مع الإسرائيليين في موضوع تبادل الأسرى، وبناء على تجارب الأقطار العربية الأخرى مع الإسرائيليين في هذا الموضوع. دخلت اتفاقية الهدنة السورية – الإسرائيلية حيز التنفيذ فور توقيعها في 20/7/1949، ولكن من الناحية النظرية فحسب. فما كاد الحبر الذي وقعت به يجف حتى بدأ خرق (إسرائيل) لأحكامها، الأمر الذي كان موضع ادانة لجنة الرقابة المشتركة على الهدنة مئات المرات. بل لقد تجاوزت انتهاكات (إسرائيل) لاتفاقية الهدنة السورية – الإسرائيلية انتهاكاتها للهدنة مع الأقطار العربية الأخرى بعدة مرات. وهنا أيضاً دعي مجلس الأمن الذي كان قد نادى أصلاً باتفاقيات الهدنة العربية – الإسرائيلية وباركها إلى التدخل غير مرة لتحمل مسؤولياته في صياغة الاتفاقية من الانتهاكات الإسرائيلية الفاضحة. وفيما يلي بضعة أمثلة عليها: 1) في شهر أيار 1951 نشب قتال بين سورية (وإسرائيل) حول المنطقة المنزوعة السلاح، الأمر الذي حمل مجلس الأمن على التدخل واصدار قرار برقم 92 وتاريخ 8 أو طلب فيه وقف اطلاق النار واحترام اتفاق الهدنة. 2) بعد عشرة أيام من ذلك أصدر مجلس الأمن قرارا برقم 93 وتاريخ 18/5/1951 طلب فيه من (إسرائيل) أن تسمح فورا بعودة العرب الذين أجلوا عن المنطقة المنزوعة السلاح. 3) استمرت (إسرائيل) في الاعتداءات واستهدفت فيما استهدفت تجفيف بحيرة الحولة* الواقعة في المنطقة المنزوعة السلاح تهيؤا للتصرف بها، الأمر الذي أدى إلى مزيد من الاشتباكات بينها وبين القوات السورية. وتدخل مجلس الأمن من جديد بقراره رقم 100 (تاريخه 27/10/1953) الذي طلب فيه من (إسرائيل) وقف العمل في تصريف المياه في المنطقة المنزوعة السلاح (الحولة). ولكن هذه لم تمثل وتابعت عملياتها ببطء، ولكن بثبات، ضاربة عرض الحائط باتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن حتى أتمت مشروعها التوسعي هذا تحت سمع الأمم المتحدة وبصرها. 4) في 11/12/1955 قامت القوات الإسرائيلية بهجوم مركز غادر على الأراضي السورية في منطقة بحيرة طبرية*. وتدخل مجلس الأمن من جديد فأصدر قراره رقم 111 (وتاريخه 19/1/1956) الذي دان الهجوم الإسرائيلي واعتبره غير مبرر وفقاً لتقارير مراقبي الهدنة. 5) في 16/3/1962 تكررت الاشتباكات السورية – الإسرائيلية في منطقة طبرية ذاتها بما حمل مجلس الأمن على التدخل مرة أخرى واصدار قرار برقم 171 وتاريخ 9/4/1962 دان فيه (إسرائيل) لهجومها هذا. كل ما تقدم كان غيضا من فيض الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاقية الهدنة بين سورية (وإسرائيل) التي انهارت عمليا صباح الخامس من حزيران 1967 (رَ: حرب 1967) عندما اجتاحت القوات الإسرائيلية – في عدوان واسع ومبيت وبقصد التوسع الواضح – الجبهة السورية بأكملها واحتلت قسماً كبيراً من الجولان* رغم نداءات مجلس الأمن المتكررة بطلب وقف اطلاق النار (القرارات 233 و235 و236 في حزيران 1967). ولم تتوقف القوات الإسرائيلية عن العدوان إلا في اليوم العاشر من حزيران. وتجدر الإشارة إلى أن مجلس الأمن لم يطلب خلال عدوان 1967 – خلافاً لكل السوابق الدولية – من المعتدي العودة إلى خطوط وقف اطلاق النار المتفق عليها بموجب اتفاقية الهدنة السورية – الإسرائيلية لعام 1949، الأمر الذي مكن القوات الإسرائيلية من تحدي الرأي العام العالمي وممارسة احتلال فعلي لأراضٍ تابعة للسيادة السورية. وأما القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 22/11/1967 برقم 242 والقاضي بانسحاب (إسرائيل) من الأراضي العربية المحتلة فقد أهملته (إسرائيل) تماماً. وكانت حرب 1973* فتمكنت القوات السورية من دفع هذه القوات إلى الوراء حتى حدود اتفاقية الهدنة لعام 1949 في بعض المواقع. ورغم أن العمليات العسكرية السورية لم تحقق أهدافها تماماً لأسباب خارجة عن إرادة القيادة السورية فان حرب تشرين 1973 وحرب الاستنزاف السورية – الإسرائيلية* التي خاضتها سورية وحدها خلال الثلث الأول من سنة 1974 أقنعت (إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية الواقفة وراءها بضرورة الخروج من الأزمة. فكان أن وقعت اتفاقية فصل القوات بين سورية وإسرائيل في جنيف في 31/5/1974 ورسمت بموجبها خطوط جديدة لوقف اطلاق النار كمرحلة نحو تسوية شاملة للنزاع العربي – الإسرائيلي على كل الجبهات العربية مع الأخذ بعين الاعتبار حقوق الشعب العربي الفلسطيني الوطنية الثابتة (رَ: فصل القوات على الجبهة السورية، اتفاقية). لذلك يمكن القول ان اتفاقية الهدنة الدائمة الموقعة بين سورية – (وإسرائيل) في 2/7/1949 سقطت فعلياً وقانونياً، وأن ما يحكم العلاقة بين الطرفين المتحاربين هو اتفاقية فصل القوات المشار إليها وقد باركها مجلس الأمن بضراوة رقم 350 الصادر في 31/5/1974، وهو القرار الذي أنشأ قوة جديدة تعمل تحت سلطة الأمم المتحدة وتراقب استمرار فصل القوات (UNDOF) وتجدد مهمة هذه القوات مرة كل ستة أشهر. المراجع: محمد طلعت الغنيمي: قضية فلسطين أمام القانون الدولي، الاسكندرية 1967. مجلة السياسة الدولية (القاهرة) العدد 3، تموز 1974. MOORE, J.N.(ED) The Arab Israeli Conflict, Princeton 1977.