الميثاق الوطني الفلسطيني

شهدت منظمة التحرير الفلسطينية* اثر حرب 1967* وتصاعد العمل الفدائي المسلح تطورات هامة على الصعيدين السياسي والتنظيمي. وكانت احدى ثمرات هذه التطورات اقرار المجلس الوطني الفلسطيني* في دورته الرابعة (القاهرة 10-17/7/1968) الميثاق الوطني الفلسطيني الذي جاء تعديلاً جوهرياً للميثاق القومي الفلسطيني*. احتوى الميثاق الوطني الفلسطيني على ثلاث وثلاثين مادة – أي بزيادة أربع مواد على الميثاق القومي- متسلسلة من غير تبويب. ولكن عدد المواد ليس الفارق الوحيد بين الميثاقين. فقد تم حذف عدد من مواد الميثاق واضافة مواد جديدة وتعديل مواد أخرى. تناول التعديل أول ما تناول اسم الميثاق فسمي “المثاق الوطني الفلسطيني” بدلاً من “الميثاق القومي الفلسطيني”، كما تم حذف المقدمة التي تصدرت الميثاق السابق. نصت المادة الأولى من الميثاق الوطني الفلسطيني على أن “فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني، وهي جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير. والشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية”. وقد عززت هذه المادة النزعة الفلسطينية إلى التمسك بالشخصية الفلسطينية والاستقلال الفلسطيني فحلت عبارة “فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني” محل عبارة “فلسطين وطن عربي” التي وردت في مطلع المادة الأولى من الميثاق القومي السابق. وتطابق نص المادة الثانية من الميثاق الوطني مع نص مثيلتها في الميثاق السابق فقررت أن “فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة اقليمية لا تتجزأ”. وأما المادة الثالثة فقد تناولت حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وأن “الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الشرعي في وطنه ويقرر مصيره بعد أن يتم تحرير وطنه وفق مشيئته ويمحض ارادته واختياره”. وهذه المادة قرنت حق الشعب الفلسطيني في وطنه بحقه في تقرير مصيره في مادة واحدة. في حين تضمنت المادة الثالثة من الميثاق السابق مطلع هذه المادة مقترنا بعبارة وهو جزء لا يتجزأ من الأمة العربية وجاء النص على حقه في تقرير مصيره في مادة مستقلة. تناولت المادة الرابعة من الميثاق الوطني الشخصية الفلسطينية فبينت أنها “صفة أصيلة لازمة لا تزول، وهي تنتقل من الآباء إلى الأبناء” مستخدمة المادة الخامسة من الميثاق السابق بعد أن أضافت إليها عبارة “وأن الاحتلال الصهيوني وتشتيت الشعب العربي الفلسطيني نتيجة النكبات التي حلت به لا يفقدانه شخصية وانتماءه الوطني الفلسطيني في وجه محاولات العدو الصهيوني الرامية إلى اذابة معالم الشخصية الفلسطينية والانتماء الوطني”. عرفت المادة الخامسة من الميثاق الوطني الفلسطينيين كما عرفتهم المادة السادسة من الميثاق السابق بأنهم “المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون اقامة عادية في فلسطين حتى عام 1947، سواء من أخرج منها أو من بقي فيها. وكل من ولد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو فلسطيني”. وحددت المادة السادسة اليهود الفلسطينيين قائلة إن “اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني لها يعتبرون فلسطينيين”. وجاء نص هذه المادة مختلفا اختلافاً واسعاً عن نص مثيلتها في الميثاق السابق. فقد حدد اليهودي الفلسطيني كما حدد العربي الفلسطيني بصفة الاقامة العادية في فلسطين، وهذا أمر أغفلته مادة الميثاق السابق. ثم انه أسقط الشروط التي وضعها النص السابق، وهي الرغبة “بأن يلتزموا العيش بولاء وسلام في فلسطين”. واسقط كذلك الشرط الغامض حول الأصل الفلسطيني لليهودي. ولكن نص هذه المادة لم يحدد تاريخ بدء الغزو الصهيوني لفلسطين، شأنه في ذلك شأن نص المادة الميثاق السابق. وجاء في المادة السابعة من الميثاق الوطني أن “الانتماء الفلسطيني والارتباط المادي والروحي والتاريخي بفلسطين حقائق ثابتة، وأن تنشئة الفرد الفلسطيني تنشئة عربية ثورية واتخاذ كافة وسائل التوعية والتثقيف لتعريف الفلسطيني بوطنه تعريفاً روحياً ومادياً عميقاً وتأهيله للنضال والكفاح المسلح والتضحية بماله وحياته لاسترداد وطنه حتى التحرير واجب قومي”. وبذلك أضافت إلى المادة الثامنة من الميثاق السابق عبارات جديدة تحمل معاني ذات دلالات هامة. فقد عدت الانتماء الفلسطيني والارتباط المادي والروحي والتاريخي بفلسطين حقائق ثابتة، وتوجهت إلى الفرد الفلسطيني عندما نصت على “تنشئة الفرد الفلسطيني تنشئة عربية ثورية” بدلاً من “الجيل الفلسطيني” في عبارة المادة الثامنة من الميثاق السابق. وحددت كمثيلتها السابق وسائل التنشئة بأنها التوعية والتثقيف، ولكنها أضافت وسائل تهيئة الفرد للنضال والكفاح المسلح والتضحية بالمال والحياة لتحرير الوطن. وصفت المادة الثامنة طبيعة المرحلة النضالية التي تمر بها الشعب العربي الفلسطيني فقالت إن “المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفغاح الوطني لتحرير فلسطين. ولذلك فان التناقضات بين القوى الوطنية الفلسطينية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب ان تتوقف لصالح التناقض الأساسي بين الصهيونية والاستعمار من جهة والشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية. وعى هذا الأساس فان الجماهير الفلسطينية سواء من كان منها في أرض الوطن أو في المهاجر تشكل منظمات وأفراداً جبهة وطنية واحدة تعمل لاسترداد فلسطين وتحريرها بالكفاح المسلح”. وقد جاءت هذه المادة تعديلاً جوهرياً لنص ومضمون التاسعة من الميثاق السابق. فقد حددت طبيعة المرحلة النضالية وطبيعة الوحدة الوطنية الفلسطينية بعبارات واضحة وتحليل دقيق المواقع النضالي الفلسطيني، وهو ما لم تتطرق إليه مثيلتها في الميثاق السابق. كما أنها أسقطت النص السلبي المعادي للانتماء الحزبي والايمان العقائدي الذي اتسمت به المادة التاسعة من الميثاق السابق. ودعت إلى توظيف كل الجهود لصالح التناقض الرئيس مع الصهيونية والاستعمار، وإلى انتهاج أسلوب الكفاح المسلح في حل هذا التناقض، وإلى تشكيل جبهة وطنية من منظمات وأفراد. وهي أمور غابت من الميثاق السابق. وقدمت المادة التاسعة من الميثاق الوطني نصاً جديداً. فقد قررت أن “الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحيرير فلسطين، وهو بذلك استراتيجية وليس تكتيكاً. ويؤكد الشعب العربي الفلسطيني تصميمه المطلق وعزمه الثابت على متاعة الكفاح المسلح والسير قدماً نحو الثورة الشعبية المسلحة لتحرير وطنه والعودة إليه وعلى حقه في الحياة الطبيعية فيه وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه”. وقد وضعت هذه المادة بتأثير الكفاح المسلح الذي بدأت منظمات المقاومة الفلسطينية تمارسه قبل وضع هذا الميثاق بعدة سنوات، ووضحت لمواجهة مشاريع التسوية السياسية التي طرحت بعد عدوان الخامس من حزيران لتصفية القضية الفلسطينية. وأتت المادة العاشرة من الميثاق الوطني بجديد حين قالت ان “العمل الفدائي يشكل نواة حرب التحرير الشعبية الفلسطينية، وهذا يقتضي تصعيده وشموله وحمايته وتعبئة كافة الطاقات الجماهيرية والعلمية الفلسطينية وتنظيمها واشراكها في الثورة الفلسطينية المسلحة وتحقيق التلاحم النضالي الوطني بين مختلف فئات الشعب الفلسطيني وبينها وبين الجماهير العربية ضمانا لاستمرار الثورة وتصاعدها وانتصارها”. وكانت هذه المادة منسجمة مع حجم العمل الفدائي ودوره في العام الذي صدر فيه الميثاق. ونصت المادة الحادية عشرة على أن “يكون للفلسطينيين ثلاثة شعارات: الوحدة الوطنية، والتعبئة القومية، والتحرير”. وأتى هذا النص متطابقاً فقط مع مطلع المادة العاشرة من الميثاق السابق اذ حذفت المادة الجديدة عبارة “وبعد أن يتم تحرير الوطن يختار الشعب الفلسطيني لحياته العامة ما يشاء من النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية”. وتطابق ما جاء في المادة الثانية عشرة من الميثاق الوطني مع ما جاء في المادة الحادية عشرة من الميثاق السابق. فقد قالتا كلتاهما ان “الشعب العربي الفلسطيني يؤمن بالوحدة العربية. ولكي يؤدي دوره في تحقيقها يجب عليه في هذه المرحلة من كفاحه الوطني أن يحافظ على شخصيته الفلسطينية ومقوماتها، وأن ينمي الوعي بوجودها وأن يناهض أيا من المشروعات التي من شأنها اذابتها أو إضعافها”. كذلك أكد نص المادة الثالثة عشرة من الميثاق الوطني ما جاء في نص المادة الثانية عشرة من الميثاق السابق عن علاقة الوحيدة العربية بتحرير فلسطين. فذكر إن “الوحدة العربية وتحرير فلسطين هدفان متكاملان يهيىء منهما تحقيق الآخر. فالوحدة العربية تؤدي إلى تحرير فلسطين يؤدي إلى الوحدة العربية والعمل لهما يسير جنباً إلى جنب”. وتطبق نص المادة الرابعة عشرة مع نص المادة الثالثة عشرة من الميثاق السابق في أن “مصير المة العربية، بل الوجود العربي ذاته، رهن بمصير القضية الفلسطينية، ومن هذا الترابط ينطلق سعي الأمة العربية وجهدها لتحرير فلسطين، ويقوم شعب فلسطين بدوره الطليعي لتحقيق هذا الهدف القومي المقدس”. وأدخلت المادة الخامسة عشرة على المادة الرابعة عشرة من الميثاق السابق تعديلا جوهريا انطوى على رؤية جديدة لدور الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية في تحرير فلسطين. فقد نصت على أن “تحرير فلسطين من ناحية عربية هو واجب قومي لرد الغزوة الصهيونية والامبريالية عن الوطن العربي الكبير وتصفية الوجود الصهيوني في فلسطين تقع مسؤولياته كاملة على المة العربية شعوباً وحكومات وفي طليعتها الشعب العربي الفلسطيني. ومن أجل ذلك فان على المة العربية أن تعيىء جميع طاقاتها العسكرية والبشرية والمادية والروحية للمساهمة مساهمة فعالة مع الشعب الفلسطيني في تحرير فلسطين. وعليها بصورة خاصة في مرحلة الثورة الفلسطينية المسلحة القائمة الآن أن تبذل وتقدم للشعب الفلسطيني كل العون وكل التأييد المادي والبشري وتوفير له كل الوسائل والفرص الكفيلة بتمكينه من الاستمرار للقيام بدوره الطليعي في متابعة ثورته المسلحة حتى تحرير وطنه”. بذلك جعلت هذه المادة تحرير فلسطين  واجباً قومياً ربطته بالخطر الصهيوني الذي يتهدد الوطن العربي بأسره، لا فلسطين وحدها، كما دللت على ذلك حرب حزيران 1967 عندما استطاعت (إسرائيل) أن تستولي على أراضي دول عربية أخرى. وطابقت المادة السادسة عشرة مثيلتها من الميثاق السابق حين قررت أن “تحرير فلسطين، من ناحية روحية، يهيىء للبلاد المقدسة جواً من الطمأنينة والسكينة تصان في ظلاله جميع المقدسات الدينية وتكفل حرية العبادة والزيارة للجميع من غير تفريق ولا تمييز، سواء على أساس العنصر أو اللون أو اللغة أو الدين، ومن أجل ذلك فان أهل فلسطين يتطلعون إلى نصرة جميع القوى الروحية في العالم”. وأتت المادة السابعة عشرة بنص جديد يتعلق بالدافع الانساني الكامن وراء تحرير فلسطين لأن “تحرير فلسطين، من ناحية انسانية، يعيد إلى الانسان الفلسطيني كرامته وعزته وحريته، لذلك فإن الشعب العربي الفلسطيني يتطلع إلى دعم المؤمنين بكرامة الانسان وحريته في العالم”. وبينت المادة الثامنة عشرة من الميثاق أن “تحرير فلسطين، من ناحية دولية، هو عمل دفاعي تقتضيه ضرورات الدفاع عن النفس. ومن أجل ذلك فان الشعب الفلسطيني الراغب في مصادفى جميع الشعوب يتطلع إلى تأييد الدول المحبة للحرية والعدل والسلام لإعادة الوضاع الشرعية إلى فلسطين واقرار المن والسلام في ربوعها، وتمكين أهلها من ممارسة السيادة الوطنية والحرية القومية”. وقد تماثلت هذه المادة السادسة عشرة من الميثاق السابق، ولكنها أسقطت عبارة “كما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة” الواردة في النص السابق، وربطت التحرير بحق الدفاع عن النفس، وهو حق طبيعي معترف به وليس مقيدا بما هو منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة فقط. وفيما يتعلق برفض قرار التقسيم لعام 1947 ووعد بلفور* وصك الانتداب* نصت المادة التاسعة عشرة من الميثاق الوطني، كما نصت المادة السابعة عشرة من الميثاق السابق، على أن “تقسيم فلسطين الذي جرى عام 1947 وقيام إسرائيل باطلان من أساسهما مهما طال عليهما الزمن لمغايرتهما لارادة الشعب الفلسطيني وحقه الطبيعي في وطنه. ومناقضتهما للمبادىء التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وفي مقدمتها حق تقرير المصير”. وجاء نص المادة العشرين متطابقا كذلك مع ما جاء في الميثاق السابق عدا فارق بسيط. فقد أورد النص الجديد عبارة “تصريح بلفور” بدلاً من “وعد بلفور” وأصبحت العبارة “يعتبر باطلاً كل من تصريح بلفور وصك الانتداب وما ترتب عليهما. وان دعوى الترابط التاريخية أو الروحية بين اليهود وفلسطين لا تتفق مع حقائق التاريخ ولا مع مقومات الدولة في مفهومها الصحيح. وان اليهودية بوصفها دينا سماويا ليست قومية ذات وجود مستقل، وكذلك فان اليهود ليسوا شعبا واحدا له شخصيته المستقلة وانا هم مواطنون في الدول التي ينتمون إليها”. وقد أضاف الميثاق الوطني مادة جديدة لم ترد في الميثاق السابق، وهي المادة الحادية والعشرون التي أكدت أن “الشعب العربي الفلسطيني، معبراً عن ذاته بالثورة الفلسطينية المسلحة، برفض كل الحلول البديلة عن تحرير فلسطين تحريراً كاملاً، وبرفض كل المشاريع الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، أو تدويلها” في مقابل ما طرح على الساحتين العربية والدولية بعد الخامس من حزيران 1967 من ترويج للتسوية السياسية على أساس قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 لعام 1967. عرفت المادة الثانية والعشرون الصهيونية بأنها “حركة سياسية مرتبطة ارتباطاً عنصرياً بالامبريالية العالمية، ومعادية لجميع حركات التحرر والتقدم في العالم، وهي حركة عنصرية تعصبية في تكوينها، عدوائية توسعية استيطانية في أهدافها، وفاشية نارية في وسائلها، وأن إسرائيل هي أداة الحركة الصهيونية وقاعدة بشرية جغرافية للامبريالية العالمية، ونقطة ارتكاز وثوب لها في قلب الوطن العربي لضرب أماني الأمة العربية في التحرر والوحدة والتقدم. ان إسرائيل مصدر دائم لتهديد السلام في الشرق الأوسط والعالم أجمع. ولما كان تحرير فلسطين يقضي على الوجود الصهيوني والامبريالي فيها ويؤدي إلى استتباب السلام في الشرق الأوسط، لذلك فان الشعب الفلسطيني يتطلع إلى نصرة جميع أحرار العالم وقوى الخير والتقدم والسلام فيه ويناشدهم جميعاً على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم تقديم كل عون وتأييد له في نضاله العادل المشروع لتحرير وطنه” وقد أتى هذا التعريف أكثر دقة وشمولا مما ورد في المادة التاسعة عشرة من الميثاق السابق. فقد أظهر بوضوح الصلة العضوية بين الصهيونية والامبريالية العالمية وأكد أن هدف النضال الفلسطيني المسلح هو القضاء على الوجود الصهيوني والامبريالي في فلسطين مفندا بذلك مزاعم الدعاية الصهيونية التي ودعت باستمرار أن الفلسطينيين يريدون القضاء على اليهود وشهرت بالنضال الوطني الفلسطيني ووصفته بأنه معاد للسامية. كما بينت هذه المادة بجلاء دور (إسرائيل) كقاعدة متقدمة للحركة الصهيونية والامبريالية العالمية في المنطقة العربية أقيمت بهدف تنفيذ خطط الدوائر الامبريالية ومصالحها في التصدي للطموحات العربية إلى التحرر والتقدم والوحدة. وأتمت المادة الثالثة والعشرون متطابقة مع المادة العشرين من الميثاق السابق فنصت على أن “دواعي الأمن والسلم ومقتضيات الحق والعدل تتطلب من الدول جميعها، حفظاً لعلاقات الصداقة بين الشعوب واستبقاء لولا المواطنين لأوطانهم، أن تعتبر الصهيونية حركة غير مشروعة وتخرم وجودها ونشاطها”. واحتفظت المادة الرابعة والعشرون بمطلع المادة الحادية والعشرين من الميثاق القومي القائل: “يؤمن الشعب العربي الفلسطيني بمبادىء العدل والحرية والسيادة وتقرير المصير والكرامة الانسانية وحق الشعوب في ممارستها”. وحذفت المقطع التالي “ويؤيد جميع المساعي الدولية التي تهدف إلى اقرار السلم على أساس الحق والتعاون الدولي الحر” تجنباً لأي انطباع يفهم منه أن واضحي الميثاق قد يؤيدون المساعي الدولية التي كانت تبذل في ذلك الوقت لتحقيق تسوية سياسية على أساس قرار مجلس الأمن الدولي 242. كما تم حذف المادة الثانية والعشرين من الميثاق السابق وهي تقول: “يؤمن الشعب الفلسطيني بالتعايش السلمي على أساس الوجود الشرعي، اذ لا تعايش مع العدوان ولا سلم مع الاحتلال والاستعمار”. وجاءت المادة الخامسة والعشرون من الميثاق الوطني مماثلة للقسم الأول من المادة الثالثة والعشرين من الميثاق السابق فنصت على أنه “تحقيقاً لأهداف هذا الميثاق ومبادئه تقوم منظمة التحرير الفلسطينية بدورها الكامل في تحرير فلسطين”. ولكنها حذفت عبارة “وفق النظام الأساسي لهذه المنظمة” لورود مادة خاصة عن النظام الأساسي في الميثاق. ونصت المادة السادسة والعشرون على أن “منظمة التحرير الفلسطينية الممثلة لقوى الثورة الفلسطينية مسؤولة عن حركة الشعب العربي الفلسطيني في نضاله من أجل استرداد وطنه وتحريره والعودة إليه، وممارسة حق تقرير مصيره فيه، في جميع الميادين العسكرية والسياسية والمالية وسائر ما تتطلبه قضية فلسطين على الصعيدين العربي والدولي”، فعدلت بذلك نص المادة الخامسة والعشرين من الميثاق السابق انسجاما مع التطورات التي شهدتها الساحتان الفلسطينية والعربية، وفي مقدمتها أن منظمة التحرير الفلسطينية على الممثل لقوى الثورة الفلسطينية، مؤكدة بذلك شرعية الثورة بالإضافة إلى تأكيدها ارتباط حقوق العودة وتقرير المصير بالتحرير. أما المادة السابعة والعشرون فقد تماثل جزء منها مع ما جاء في المادة السادسة والعشرين من الميثاق السابق، وهو: “تتعاون منظمة التحرير الفلسطينية مع جميع الدول العربية كل حسب امكانياتها”، ثم أضافت عبارة: “وتلتزم بالحياد فيما بينها في ضوء مستلزمات معركة التحرير وعلى أساس ذلك”. وعادت المادتان لتتطابقا في النهاية بقولهما: “ولا تتدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة عربية”. وأضاف الميثاق الوطني مادة جديدة لم تكن في الميثاق السابق، وهي المادة الثامنة والعشرين التي نصت على ما يلي: “يؤكد الشعب العربي الفلسطيني أصالة ثورته الوطنية واستقلاليتها، ويرفض كل أنواع التدخل والوصاية والتبعية”. كما أضاف المادة التاسعة والعشرين التي قررت أن “الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الأول والأصيل في تحرير واسترداد وطنه، ويحدد موقفه عن كافة الدول والقوى على أساس مواقفها من قضيته ومدى دعمها له في ثورته لتحقيق أهدافه”. وقد انعكس في هاتين الاضافتين التطور الذي حصل على الساحتين الفلسطينية والعربية. ففي حين أكد الميثاق الوطني عدم تدخل منظمة التحرير الفلسطينية في الشؤون الداخلية للدول العربية والتزام” الحياد فيما بينها على ضوء مستلزمات معركة التحرير وعلى أساس ذلك “ثبت بالمقابل مبدأ رفض “كل أنواع التدخل والوصاية والتبعية” الذي غاب عن الميثاق السابق. كما أكد الميثاق الوطني أن موقف الشعب العربي الفلسطيني من كافة الدول والقوى يتحدد على ضوء مواقفها “من قضيته ومدى دعمها له في ثورته لتحقيق أهدافه”. وحملت المادة الثلاثون من الميثاق الوطني شيئاً جديداً لم يرد في الميثاق السابق، وهو “المقاتلون وحملة السلاح في معركة التحرير هم نواة الجيش الشعبي الذي سيكون الدرع الواقي لمكتسبات الشعب العربي الفلسطيني”. وتطابقت المادة الحادية والثلاثون مع مثيلتها السابعة والعشرين من الميثاق السابق بالنص على أن “يكون لهذه المنظمة علم وقسم ونشيد. ويقرر ذلك كله بموجب نظام خاص”. كما تطابقت المادة الثانية والثلاثون مع الثامنة والعشرين من الميثاق السابق فنصتا على أن “يلحق بهذا الميثاق نظام يعرف بالنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية تحدد فيه كيفية تشكيل المنظمة وهيئاتها ومؤسساتها واختصاصات كل منها وجميع ما تقتضه الواجبات الملقاة عليها بموجب هذا الميثاق”. وكانت المادة الثالثة والثلاثون كمثيلتها التاسعة والعشرين من الميثق القومي اذ قالت: “لا يعدل هذا الميثاق إلا بأكثرية ثلثي مجموع أعضاء المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية في جلسة خاصة يدعى إليها من أجل هذا الغرض”. وعوة على هذه التعديلات والاضافات التي أدخلها الميثاق الوطني الفلسطيني على الميثاق السابق تم اسقاط مادتين من مواده هما: 1) المادة التاسعة التي نصت على أن “المذاهب العقائدية سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية لا تشغل أهل فلسطين عن واجبهم الأول في تحرير وطنهم، والفلسطينيون جميعاً جبهة وطنية واحدة يعملون لتحرير وطنهم بكل مشاعرهم وطاقاتهم الروحية والمادية”. فقد كان وجود هذه المادة غير منسجم انسجاماً واقعياً مع تطور الحركة الوطنية الفلسطينية وفكرها السياسي، ولهذا تم اسقاطها من الميثاق الوطني الفلسطيني. كما أن القوى الفلسطينية التي ساهمت في وضع الميثاق الوطني وكانت تنتمي إلى تيارات سياسية وفكرية متعددة وافقت على صيغة ائتلاف جبهوي وطني ضمن اطار منظمة التحرير الفلسطينية. 2) المادة الرابعة والعشرون التي نصت على أن “لا تمارس هذه المنظمة أية سيادة اقليمية على الضفة الغربية في المملكة الأردنية الهاشمية ولا قطاع غزة ولا منطقة الحمة. وسيكون نشاطها على المستوى القومي الشعبي في الميادين التحريرية والتنظيمية والسياسية والمالية”. فقد تم وضعها في الميثاق السابق استجابة لشروط أطراف عربية منحت تأييدها لمنظمة التحرير الفلسطينية مقابل وضع هذه المادة. وقد أسقطت هذه المادة من الميثاق الوطني بعد أن أكدت مواد الميثاق حق الشعب العربي الفلسطيني في السيادة على وطنه وتقرير مصيره فيه. وبذلك مثل الميثاق الوطني الفلسطيني التطورات والتغييرات التي شهدتها الساحتان الفلسطينية والعربية، وفي مقدمتها تصاعد الكفاح المسلح الفلسطيني. ولا سيما بعد الخامس من حزيران 1967. وبروز الدور القيادي لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب العربي الفلسطيني.   المراجع:   راشد حميد (اعداد): مقررات المجلس الوطني الفلسطيني 1964-1974، بيروت 1975. فيصل حوراني: الفكر السياسي الفلسطيني (1964-1974)، دراسة للمواثيق الرئيسة لمنظمة التحرير الفلسطينية، بيروت 1980.