يافا

على أثر مندوب ثورة القدس في 4/4/1920 اشتدت الحركة الوطنية الفلسطينية واتقد الشعور القومي في نفوس الفلسطينيين. فعقد المؤتمر العربي الفلسطيني* الأول، ثم دعي إلى عقد المؤتمر الثاني في القدس في 14/7/1920. ثم اجتمع المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث في حيفا في آذار 1921 وقرر رفض الانتداب ووعد بلفور* وطالب بوقف الهجرة اليهودية وانشاء حكومة وطنية في فلسطين. وردا على مقررات المؤتمر المذكور شرع الصهيونيون يعربون عن مطالب متطرقة لتحويل فلسطين كلها إلى وطن قومي يهودي، وراحوا يظهرون الازدراء لمطالب العرب وقرارات مؤتمرهم. وقامت الصحف الصهيونية تشن حملات قاسية على العرب وتدعوهم إلى الرحيل على فلسطين إلى الصحراء. أعلنت بريطانيا تمسكها بالانتداب ووعد بلفور وتمادت في السماح بهجرة اليهود إلى فلسطين فارتفعت أعدادهم بصورة كبيرة في بيسان 1921. وفي الوقت نفسه أخذ الصهيونيون يقومون بمظاهرات يتحدون فيها العرب – وبصورة خاصة في مدينة يافا* ميناء فلسطين الوحيد يومئذ – وانطلق شأنهم يستقبلون المهاجرين الجدد في ميناء يافا بحماسة واعتزاز وينقلونهم إلى تل أبيب* في مهرجانات رفعوا خلالها العلم اليهودي (الصهيوني). وقاموا في تل أبيب وبتاح تكفا* (مليس) وغيرها من المستعمرات الصهيونية في منطقة يافا بأعمال تحرش واستفزاز لأهالي يافا ومنطفتها. فلما رأى العرب في يافا هذا التدفق المخيف للهجرة احتجوا بلسان الجمعية الاسلامية – المسيحية وطالبوا بوقف الهجرة وهددوا بمنع انزال المهاجرين اليهود إلى البر مهما كلفهم الأمر. ثم قرر بحارة ميناء يافا أن يقاطعوا البواخر التي تنقل المهاجرين اليهود ويمتنعوا عن تفريغها. وأيد عرب فلسطين واللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني موقف يافا وبحارتها فتوترت الحالة فيها وهاجت الخواطر في فلسطين عامة. وثمة عامل آخر آثار هياج العرب هو قرار الحكومة اعتبار اللغة العربية لغة رسمية في البلاد إلى جانب اللغتين العربية والانكليزية. ورفض موسى كاظم الحسيني رئيس بلدية القدس تطبيق هذا القرار في بلديبته فوقع اصطدام بينه وبين السلطة البريطانية انتهى. بعد ثورة 1920، باستقالته (أو بالأخرى اقالته) من رئاسة البلدية. وقد انطلقت شرارة الثورة من يافا لكونها المركز الرئيس لتلقي سبيل الهجرة الصهيونية بالاضافة إلى وجود عدد كبير من الصهيونيين إلى الشمال منها في مستعمرة تل أبيب الناشئة. وفي اليوم الأول من أيار 1921 (عيد العمال) قام الصهيونيون في تل أبيب والمستعمرات بمظاهرات كبرى هتفوا خلالها هتافات معادية للعرب، وخطب زعماء المظاهرات يطالبون بالثأر للدماء اليهودية التي سفكها هؤلاء في ثورة القدس وواكبت فئة من الجنود الانكليز وقوة من أفراد الشرطة اليهود المظاهرة الصهيونية الكبيرة التي جرت في تل أبيب بحجة المحافظة على الأمن. ولكن المتظاهرين اتجهوا نحو حي المنشية في مدينة يافا دون أن تمنعهم القوات الرسمية المواكبة للمظاهرة. ولما وصلوا إلى الحي المذكور آخذوا يرددون الهتافات العدائية ضد العرب ويستفزون السكان. وحينئذ هب أهل يافا لرد المتظاهرين فوقع اصطدام دموي عنيف سقط خلاله قتلى وجرحى من الفريقين وانتهى برد المظاهرة. وصباح الثاني من أيار عاود الصهيونيين مهاجمة بيافا. وكان بينهم عدد غير قليل من المسلحين فنشبت معركة عنيفة بين العرب والصهيونيين أسفرت من وقوع اصابات كثيرة بالمهاجمين الذين ردوا على أعقابهم. وفي هذا اليوم نفسه هاجم الصهيونيين قرية العباسية* (وكانت تسمى حينئذ اليهودية) المجاورة ليافا وقتلوا عدد من أهلها وارتكبوا أبشع الجرائم ضد النساء والشيوخ والأطفال. فثارت ثائرة العرب وهاجم أهل يافا الصهيونيين في تل أبيب وقامت القرى العربية المجاورة ليافا بمهاجمة المستعمرات اليهودية، واشتبك أبناء عشيرة أبو كشك* مع القوات البريطانية التي كانت تحمي الصهيونيين وتمنع وصول النجدات إلى يافا. وفي يوم 3/5/1921 تواصلت الاضطرابات وأعمال العنف في يافا ووقعت حوادث قتل في كلا الجانبين العربي والصهيوني وحلت بمتاجر اليهود أضرار بالغة. وأدت النساء العربيات دورا كبيرا في حث الرجال على المقاومة ومساعدتهم. ويستفاد من تقارير أعدها مسؤولين بريطانيون في حكومة الانتداب أن الصهيونيين هم الذين بدأوا التحرش بالعرب واطلاق النار عليهم في يافا فرد هؤلاء بأن هاجموا منزلا مخصصا لاستقبال المهاجرين الصهيونيين الجدد. وأوضحت هذه التقارير أن المسلمين والمسيحيين العرب كانوا متضامين في القتال ضد اليهود. ولم تخف تلك التقارير ابراز تحيز القوات والسلطات البريطانية إلى الجانب الصهيوني. فقد تم “وضع حرس يهودي في سيارات مدرعة بريطانية”، وقام الصهيونيون “بتفتيش العرب على مرآى من الجنود البريطانيين”، “وشوهد يهودي مدني وهو يصدر الأوامر إلى الجنود البريطانيين باطلاق النار على الجمهور”. لم تلبث الاصطدامات بين العرب من ناحية، واليهود والانكليز من ناحية ثانية، أن امتدت إلى مناطق قلقيلية* وطولكرم* والرملة* واللد*، في حين قامت المظاهرات الصاخبة في المدن الفلسطينية وقرر كثير من الشباب حمل السلاح والتوجه إلى يافا. على أن أخطر الأحداث والأعمال العنيفة وقعت في منطقة يافا فما سمع القرويون ورجال القبائل في المناطق المجاورة يتعرض العرب للقتل على أيدي اليهود في يافا سارعوا إلى مسرح الحوادث. وفي الخامس من أيار تجمع نحو ثلاثة آلاف عربي شمال مستعمرة بتاح تكفا (ملبس) التي تبعد عن يافا نحو 16 كم، كما تجمع حشد آخر من عدة فئات من الرجال جنوبي المستعمرة. غير أن قوات الانتداب البريطانية تولت مواجهة هذه النجمعات وشتت أفرادها وألحقت بها اصابات فادحة بلغت نحو 60 شهيدا وعددا آخر من الجرحى. وحتى تتمكن قوات الحكومة من اخماد ثورة العرب لجان إلى زعائمهم وقادتهم تطلب منهم المساعدة لوقفها ووعدتهم بالاسراع في اعادة النظر في سياستها والعمل على انصاف العرب. فحضر إلى يافا موسى كاظم الحسيني* والحاج محمد أمين الحسيني* وبطريرك اللاتين بفلسطين برلاسيا وعملوا على تهدئة الخواطر. ثم تبين أن الحكومة لجأت إلى هذه الحيلة لتهدئة شعور العرب ريثما تصل القوات المسلحة التي طلبتها من قبرص وقناة السويس. فلما وصلت هذه القوات انقض الجيش ورجال الشرطة على العرب في يافا وسائر المناطق المحيطة بها فوقعت اصطدامات دامية عنيفة واستطاعت الحكومة اخماد الثورة بعد استمرارها 15 يوما. هلك في هذه الثورة 47 شخصا من اليهود والقوات المسلحة وخرج 146،واستشهد من العرب 157 وجرح منهم نحو 700. وقد سقط أكثر الشهداء والجرحى العرب برصاص الجنود البريطانيين وقوات الشرطة، ولا سيما في حي المنشية والعباسية وعرب أبو كشك. وشكلت الحكومة محاكم عسكرية أصدرت أحكاما بالسجن على عدد من المجاهدين والقادة من بينها حكام بخمسة عشرا عاما على الشيخ شاكر أبو كشك زعيم قبيلة عرب أبو كشك بعد أن أحرقت بيته وغرمته 2,000 جنيه فلسطيني وفرضت على كل من قلقيلية وطولكرم وقاقون* 6,000 جنيه. شكلت الحكومة البريطانية – جريا على عادتها – لجنة للتحقيق في أسباب الثورة. وقد تألف هذه اللجنة برئاسة قاضي القضاة البريطاني في فلسطين سير توماس هيكرافت (عرفت باسم “لجنة هيكرافت”*) وقدمت تقريرها إلى الحكومة وفيه عزت أسباب الاضطرابات إلى خطتها فيما يتعلق بانشاء الوطن القومي اليهودي، وإلى تذمر العرب من محاباتها لليهود ووقوفها دون رغبة أهل البلاد في حكم أنفسهم بأنفسهم. وأعربت الحكومة البريطانية في لندن عن رغبتها في اجراء مباحثات مع الفلسطينيين بشأن الأوضاع في فلسطين فعقد المؤتمر العربي الفلسطيني الرابع في القدس في 25/6/1921 وقرر ارسال وفد إلى لندن لمباحثة الحكومة البريطانية والدعاية لقضية فلسطين. وقد قضى الوفد نحو عام في لندن أخرى خلاله مع الحكومة ابريطانية مفاوضات رسمية لم تسفر عن أي شيء فعاد إلى فلسطين في آب 1922.   المراجع:   عبد الوهاب الكيالي: تاريخ فلسطين الحديث، بيروت 1973. عبد الوهاب الكيالي: وثائق المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال البريطاني والصهيونية، بيروت 1968. بيان نويهض الحوت: القيادات والمؤسسات السياسي في فلسطين (1917-1948)، بيروت 1981.   يافا (جوامع -): رَ: الجوامع والمساجد