ثورة 1936 – 1939 – الجزء الرابع

1) عام 1938: أخذت الثورة، مستفيدة من انشغال بريطانيا في أزمة ميونخ الأوروبية عام 1938، تزداد عنفاً نتيجة للتنظيم الجيد والخبرة الممتازة الذين اكتسبتهما في المرحلة السابقة، فامتدت سيطرة الثوار على معظم الطرق وعلى الكثير من المدن. وأظهروا نشاطاً بارزاً في مناطق الجليل وجنين ونابلس والمنطقتين الوسطى والجنوبية. ونجحوا في تدمير محطات السكك الحديدية الواقعة بين القدس واللد وبين خان يونس ورفح، وبين اللد والحدود الأردنية. وهاجموا أيضاً معظم مراكز الشرطة، وقتلوا في أحدها الضابط موفات مدير شرطة جنين في مكتبه. وبحلول الصيف كان الثوار قد سيطروا تماماً على معظم المناطق الجبلية في البلاد إلى درجة أنهم كانوا يسيرون في مدينة نابلس بحرية تامة في وضح النهار وبأسلحتهم الكاملة. ومما يدل على عنف الثورة ونجاحها النسبي انخفاض معدل الهجرة اليهودية إلى عشرة آلاف مهاجر في ذلك العام في مقابل 62.000 مهاجر يهودي دخلوا البلاد عام 1930، وما أورده التقرير البريطاني لعام 1938 عن الزيادة في نفقات الأمن العام، والعمليات التي قام بها الثوار، والتي ركزت على أهداف اقتصادية ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى بريطانيا، وخاصة خط أنابيب شركة النفط العراقية. وقد بلغت تلك النفقات 1.034.825 جنيهاً استرلينياً عام 1938 في حين كانت نحو 867.295 جنيهاً عام 1937، و641.276 جنيهاً عام 1936. وقد أورد التقرير المذكور عدد الإصابات على الشكل التالي: مقتل 63 جندياً بريطانياً وجرح 200، إضافة إلى مقتل 12 شرطياً وجرح 15 آخرين. كما قتل 255 صهيونياً وجرح 390 مقابل 503 شهداء من العرب و598 جريحاً. أما العمليات التي جرت في عام 1938 فهي كما أحصاها التقرير: العمليات عددها –         هجوم وعمليات قنص ضد أفراد صهيونيين –         هجوم وعمليات قنص ضد قوات الجيش والشرطة البريطانية –         هجوم على وسائل المواصلات –         إطلاق نار على المستعمرات والأحياء اليهودية –         إلقاء قنابل –         عمليات خطف –         إتلاف أملاك يهودية –         تخريب هواتف –         تخريب سكك حديدية وطرق –         تخريب أملاك حكومية أخرى –         تخريب خط أنابيب شركة النفط العراقية –         عمليات إغتيال ومحاولات إغتيال 176 986 335 651 331 215 410 720 341 210 104 490 انحصر ميدان نشاط الثورة في البداية تقريبا في المنطقة الشمالية وفي جبال الخليل ثم امتد حتى شمل أراضي فلسطين كلها. وقد اعترف قادة القوات البريطانية في تقاريرهم المنتظمة بأنه لم يكن يمر أسبوع دون وقوع معركة كبرى. وقد ازداد عدد الثوار بشكل ملحوظ في المنطقة الواقعة شرق طريق جنين – نابلس خلال الفترة الممتدة من الأسبوع الأول من شهر شباط إلى الثالث من آذار، وهي الفترة التي وقعت فيها معركة اليامون.  ويعترف الأستاذ هيامسون أن الثوار سيطروا على معظم البلاد عام 1938.حين يقول: “خضعت مدينة القدس القديمة ومدن أخرى، خلال أوقات معينة، لسيطرة الثوار”، ويعترف أيضاً بأن الجماعات العربية أصبحت، منذ تموز 1938، منظمة تنظيماً جيداً وغدت تقاد من قبل قيادة واحدة. 2)     عام 1939: كانت عملية القدس آخر عملية كبيرة قام بها الثوار الفلسطينيون ضد السلطة البريطانية والمنظمات الصهيونية وهذا لا يعني أن المعارك قد توقفت ضد البريطانيين، لكن معدلها هبط، إذ بلغ مجموع العمليات 952 عملية مختلفة في ذلك العام. وقد أفلت زمام المبادرة من الثوار وانتقل إلى أيدي القوات البريطانية التي تحولت مع المنظمات  الصهيونية إلى موقع الهجوم. وأصبح موقف الثوار العرب حرجاً للغاية لاستحالة تمكنهم من فرض المعركة بالشروط التي تلائمهم كالسابق. فالقوات البريطانية بدأت في عملية نزع سلاح عامة بالتعاون مع الصهيونيين والعناصر المعادية للثورة، واستطاعت خلالها الاستيلاء على 2.076 بندقية، 785 مسدساً، و335 بندقية صيد. وتمكنت حتى تموز 1939 من احتلال وتفتيش 758 قرية. وأدى الضغط المتزايد إلى إنهاك الثوار واهتزاز تنظيماتهم وافتقارهم إلى القيادة العسكرية والسياسية الفعالة القادرة على تحدي تفوق الخصم الساحق. فالقيادة العسكرية لم تعد موجودة في الداخل من الناحية الفعلية، وخاصة بعد استشهاد القائد العام عبد الرحيم الحاج محمد في صانور في آذار 1939، واضطرار عارف عبد الرازق إلى تسليم نفسه للسلطات الفرنسية على الحدود اللبنانية، ووجود عبد القادر الحسيني خارج البلاد منذ إصابته في خريف 1938. أما القيادة السياسية التي كانت في الأصل بعيدة في دمشق فلم تعد موجودة حتى هناك بعد قيام السلطات الفرنسية بتضييق الخناق على أعضائها عشية نشوب الحرب العالمية الثانية. وقد كان واضحاً ضمن هذه الظروف استحالة تحقيق نصر عسكري ساحق على القوات البريطانية، خاصة أن الثوار لم يعتقدوا أبداً بإمكانية تحقيق هذا الهدف لأسباب تتعلق بالإمكانات وميزان القوى الذي كان يميل من ناحية العدد وقوة الميزان بنسبة 20/1 إلى جانب البريطانيين والصهيونيين. وقد ترافق ذلك بعد غياب الاستراتيجية العسكرية وعدم توفر الإمكانات الفعالة، إضافة إلى غياب القيادة العسكرية السياسية الموحدة وعدم ملاءمة الوضع الدولي نظراً لما مثله الاستعمار من هيمنة على العلاقات الدولية في تلك الفترة من الزمن. وعلى الرغم من كل ذلك حققت الثورة هدفاً أساسياً مرحلياً من الأهداف التي ناضلت من أجل تحقيقها، وهو موافقة بريطانيا في مؤتمر سان جيمس* بلندن عام 1939 على الحد من عدد المهاجرين اليهود ومن عمليات بيع الأراضي لهم خلال مدة انتقالية مدتها عشر سنوات يعقبها إيقاف كامل للهجرة إلى البلاد، إلا في حال موافقة العرب أنفسهم. وهذا يعني صراحة طي مشروع التقسيم الذي أوصت به اللجنة الملكية عام 1937 والذي كان السبب المباشر في عودة الثورة إلى الاندلاع في خريف العام المذكور. ومن النتائج الهامة للثورة كشفها القيادات المتخاذلة المحلية والأنظمة العربية التي تدخلت في قضية فلسطين بشكل أسهم في إجهاض الثورة، إضافة إلى كشفها الحلف الإمبريالي – الصهيوني في المنطقة الذي ترك بصماته على تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية والعربية بصورة أوضح منذ عام 1936 وحتى يومنا هذا. وأخيراً لا يمكن إنكار حقيقة كون الثورة العربية الكبرى في فلسطين قد قدمت أنموذجاً حياً للنضال من أجل التحرر والدفاع عن الوطن والحفاظ على فلسطين عربية. وقد أفادت ثورة 1936 – 1939، بتجربتها النضالية الغنية والفريدة، الثورة الفلسطينية الناشئة منذ مطلع عام 1965 وأَثْرتها بدروس كثيرة. ك- نسف مدينة يافا القديمة: كانت مدن نابلس والقدس ويافا أكثر مدن فلسطين غلياناً وتفجيراً خلال ثورة 1936 – 1939 في فلسطين، حتى إن القائد العام للقوات البريطانية نفسه لم يجرؤ مثلاً على زيارة نابلس إلا بعد إرسال كتيبة مشاة إليها معززة بمدافع الهاوتزر. وكانت عمليات المقاومة أكثر انتشاراً في القدس. أما فيما يتعلق بيافا فقد نفذت فيها أعلى نسبة من عمليات القنص وقذف القنابل ضد الجيش البريطاني والشرطة، ولم يكن أحد من المسؤولين السياسيين أو القادة العسكريين البريطانيين يستطيع دخولها دون التعرض لمحاولة القتل أو الاغتيال. وقد اتخذت القيادة البريطانية خلال الأشهر الأولى للثورة، وخاصة خلال الفترة التي تولى القيادة فيها الجنرال بيرز، سلسلة من الإجراءات الانتقامية داخل تلك المدن، وكان أبرزها نسف بلدة يافا القديمة بقصد الرد على تلك الهجمات. طالب بيرز في تقريره إلى وزارة الطيران “بضرورة إعادة النظام والأمن إلى مدينة يافا وإعادة تشغيل مرفئها باستخدام عمال آخرين بدلاً من العمال المضربين إذا أصروا على مواصلة الإضراب”. وهذا لا يتم في نظره ما بقيت الحالة الأمنية في المدينة متدهورة وغير مستقرة. لذلك قدم اقتراحاً يتضمن القيام بنسف أجزاء من مدينة يافا القديمة لتحقيق هذا الغرض. ويتناقض هذا الاقتراح تناقضاً كلياً مع ادعاء السلطات البريطانية آنذاك أن الهدف من عملية النسف كان توسيع وتحسين المدينة القديمة بشق طريقين فيها. في صباح يوم 16/6/1936 ألقت طائرة حربية كانت تحوم فوق المدينة الانذار التالي: “إن الحكومة على وشك البدء في مشروع يرمي إلى توسيع وتحسين البلدة القديمة في يافا، وذلك بناء طريقين يفيدان المدينة بكاملها. وستبدأ الخطوات الأولى الضرورية بهدم وإزالة بعض الأبنية المزدحمة وغير الصحية مستغلين فرصة وجود فرق المهندسين الملكية الآن في فلسطين للبدء في هذه الأعمال”. وكانت قد صدرت الأوامر للمقدم أوتيرسون – كيلسو بإجراء الاستطلاعات اللازمة ووضع خطة سياسية بالتعاون مع حاكم اللواء الجنوبي كروسبي ومساعده مفتش الشرطة العام فولي. وقد قدم في البداية اقتراحاً يوصي فيه استخدام قوات المشاة لاحتلال المدينة ومن ثم تنفيذ عملية النسف. ولكن الخوف من وقوع الخسائر الكثيرة في صفوف القوات البريطانية جعل تنفيذ هذه العملية أمراً مستعبداً. وفي النهاية قررت القيادة البريطانية تنفيذ الخطة التالية وقد قسمت إلى أربع مراحل: (1)       إطلاق نار كثيفة ومستمرة ضد مراكز الثوار حتى اسكات نيراهم. (2)       فرض عمل إجباري على سكان المدينة لإزالة المتاريس والحواجز. (3)       نسف المناطق الشرقية والغربية من البلدة القديمة وشق طريق عبرها. (4)       نسف المناطق الشمالية والجنوبية من المدينة القديمة وشق طريق أخرى وسطها. بدأ تنفيذ المرحلة الأولى بإطلاق نار كثيفة على أماكن القناصة العرب ومواقعهم من رشاشات الفيكرز ذات الكثافة النارية العالية والتأثير الفعال بالمقارنة بأسلحة الثوار البدائية. وقد استمرت تلك الاشتباكات 18 يوماً متواصلة حتى اليوم الذي بدأ فيه العمل لتنفيذ المرحلة الثالثة في 18/6/1936. وقد أدى نجاح المرحلة الأولى إلى تنفيذ المرحلة الثانية، فأمرت القوات البريطانية الوجهاء وأصحاب المحلات والسكان في المنطقة المعنية بعد تطويقها بإزالة مختلفة الحواجز والمتاريس في الشوارع وإعادة النظام إليها. واستيقظ سكان المدينة القديمة صباح يوم 16/6/1936 على دق أجراس وأصوات منادين ومنشورات تلقيها طائرة تتضمن قرار الحكومة البدء بعملية (تجميل المدينة). وهددت باستخدام القوة في حالة حدوث أي مقاومة لتنفيذ خطة الحكومة، ووعدت بدفع تعويضات مناسبة لأصحاب المساكن المنسوفة أو المتضررة. بدأت أولى خطوات العملية عند الساعة الرابعة من صباح يوم 18/6/1936 بعد قيام إحدى كتائب المشاة بتطويق المنطقة وتفتيش كل من يغادرها، وقيام كتيبة أخرى بتأمين التغطية الضرورية لفرقة النسف، في حين وضعت سريتان من المشاة وسرية ثالثة مدرعة في الاحتياط، بالإضافة إلى البارجة الحربية “أكتيف” التي عهد إليها تأمين المنطقة المشرفة على البحر. وهكذا بدأت عملية النسف. وبحلول المساء تم شق طريق بعرض عشرة أمتار تمتد من مركز شرطة العجمي شرقاً حتى دير اللاتين غرباً. أدى نجاح المرحلة الثالثة من العملية إلى البدء في تنفيذ المرحلة الرابعة بعد فترة قصيرة. وقد صرح بيرز بأن سبب السرعة في تنفيذ المرحلة الأخيرة من العملية كان من أجل عدم ترك أي مجال للمحكمة العليا للفصل في عملية النسف بعد قيام العرب برفع شكوى إليها بهذا الشأن. استؤنفت أعمال النسف لإنجاز المرحلة الرابعة يوم 29/6/1936، وتم الانتهاء منها في اليوم التالي بعد تدمير بعض المناطق الواقعة شمالي المدينة وجنوبيها. يتضح مما تقدم مدى التناقض في أهداف السلطات البريطانية المعلنة ونياتها الحقيقية في نسف المدينة القديمة. ويظهر مدى اعتدائها على السكان العرب وحقوقهم. وقد برز هذا واضحاً في إعلانها عن سبب واه وغير مقنع لنسف المدينة القديمة مرتين خلال شهر واحد، الأولى يوم 18/6/1936 والثانية يومي 29 و30/6/1936. وقد نسف في المرة الأولى 70 بيتاً تسكنها 150 عائلة، وفي المرة الثانية نحو 150 بيتاً تسكنها نحو 300 عائلة. وتمت إزالة حوالي 850 “براكة” خشبية في مناطق أخرى في المدينة يسكنها نحو 4.000 شخص. هذا بالإضافة إلى هدم وتشقق عدد كبير آخر من البيوت المجاورة. ويقدر عدد الذين أصبحوا بلا مأوى بعشرة آلاف نسمة. وقد تجاوز الضرر المدينة القديمة، وأصاب كنيسة الخضر الموجودة في حي العجمي إذ تصدعت بتأثير النسف بالديناميت. وأصيب مسجد الشيخ رسلان ودمر جزء من مئذنته وتناثرت الحجارة على كنيسة دير الروم مما سبب خراباً كبيراً في سطحها واتلافاً لبعض المصابيح المعلقة فيها. أما كنيسة دير اللاتين المعروفة بالقلعة فقد أثر فيها الديناميت تأثيراً كبيراً وأتلف محتوياتها وشوه منظرها الخارجي. ولم يزد التعويض الذي وعدت بريطانيا بتقديمه للمتضررين على عشرين مليماً لكل فرد من أفراد العائلة دون القيام بعمل يذكر في سبيل إيواء هؤلاء المشردين. وعلى الرغم من الهدوء النسبي في مدينة يافا وبعض المدن الأخرى إثر عملية النسف بدا واضحاً للسلطة البريطانية أن العملية لم تحقق الهدف الاستراتيجي الذي نفذت من أجله، وهو ترويع الثوار والسكان ووقف الاضراب. فبعد أقل من شهر على العملية، وفي يوم 27/7/1936 الذي صادف مرور مائة يوم على بدء الاضراب، نفذت عمليات كثيرة غطت معظم أنحاء البلاد. وقد كتب بيرز على أثرها لقيادته “إن القوات التي تعمل تحت قيادتي لم تعد قادرة على سحق التمرد بالسرعة المطلوبة، ولذلك أطلب إرسال كتيبتي مشاة محمولتين على الأقل ليصبح كل لواء مشكلاً من أربع كتائب بالإضافة إلى كتيبتي احتياط وفوج خيالة مفرزين للمهمات المحدودة، وخاصة في مناطق الأردن وبئر السبع”. ويضيف بيرز قائلاً: “لقد بات من الضروري حتى يعود الهدوء بسرعة إلى البلاد وضع فرقة كاملة مؤلفة من ثلاثة ألوية، بما فيها القوات الموجودة أصلاً في البلاد يبلغ عددها 10.389 ضابطاً وجندياً، بما فيها القوات الجوية، تحت تصرف القائد العام. إضافة إلى السرب 33 القاذف المتمركز أصلاً في قاعدة الإسماعيلية بهدف تكليف عمليات القصف”. ل- معركة نور شمس: إحدى أهم معارك ثورة 1936 – 1939. وتقع قرية نور شمس شرقي طولكرم على مبعدة 3 كم منها، وتشرف على طريق حيفا – تل أبيب التي كانت القوافل الصهيونية تسلكها محروسة بالقوات البريطانية. حينما وقعت معركة نور شمس يوم 21/6/1936 كانت القوات البريطانية في فلسطين تتألف من 6 كتائب من المشاة والمدرعات والمدفعية، وسرب من الطائرات القاذفة، وبعض قطع الأسطول في البحر المتوسط. قاد المعركة عبد الرحيم الحاج محمد* وقبل أن تبدأ قام القائد عبد الرحيم باستطلاع دقيق لساحة المعركة بعد أن وصلت إليه معلومات تفيد بقرب مرور قافلة صهيونية محروسة بقوة مسلحة بريطانية. بدأت المعركة في الساعة 10:00 من صباح 21/6 واشترك فيها خمسون مناضلاً عدا الذين تطوعوا عند الاشتباك من القرى المجاورة. وقد تراوح تسليح القوة بين البنادق الحربية القديمة وبعض القنابل اليدوية. أما القوة المعادية فكانت تتألف من ست سيارات ركاب يحرسها فصيل مشاة بريطاني محمول ومعزز بمصفحتين. وقدر عدد الصهيونيين والجنود البريطانيين بنحو 170 فرداً عززوا عند الاشتباك بثلاث طائرات حربية استخدمت للمرة الأولى في مواجهة مباشرة ضد الثوار. وقدمت نجدة من القوات البريطانية المتمركزة في مدينة نابلس قدرت بفصلين محمولين. وقد تمكن الثوار من اشغال هذه النجدة ومنعها من الوصول إلى أرض المعركة بكمين نصب لها قرب دير شرف على معبدة 20م تقريباً من طولكرم. تلخصت خطة القائد عبد الرحيم بتقسيم قواته إلى ثلاث مفارز مهمة المفرزة الأولى تغطية مقدمة القافلة وحصرها بالنيران من الأمام، ومهمة المفرزة الثانية ضرب قلب القافلة بعد وقوعها في الفخ، أما المفرزة الثالثة فقد كان واجبها مؤخرة القافلة، واختار القائد مكانه في قلب المفرزة الثانية. وقد تمركز ثائران في نقطين مخفيتين ومموهتين جيداً في مقدمة الكمين على يمين الطريق، وتمركز ثائر ثالث على يسار الطريق للمراقبة وإعطاء الانذار بقدوم العدو وإطلاق النار عند دخول آخر سيارة للقافلة ضمن منطقة الكمين، وفور اصطدام السيارة الأولى بمانع من الحجارة تمت تهيئته مسبقاً على الطريق. استمرت المعركة نحو سبع ساعات لم يعترف البريطانيون بعدها بوقوع خسائر في قواتهم أو في الصهيونيين الذين كانوا يرافقونهم بل أعلنوا عن استشهاد ما بين 21 – 25 ثائراً. أما المصادر العربية فقد أعلنت عن استشهاد ثلاثة من الثوار ومقتل ما يقارب خمسين جندياً من القوات البريطانية وتدمير ثلاث سيارات وإسقاط طائرة حربية. ويبدو واضحاً من سير المعركة أن القائد عبد الرحيم الحاج محمد قادها ونفذها بجرأة ومرونة فائقة، فقد اختار وقت تنفيذها نهاراً مع علمه بأن خسائر قواته قد تكون أكثر وفرص النصر قد تكون أقل لأن القوافل الصهيونية كانت تتوقف ليلاً وتحيط نفسها بالحراسة البريطانية المشددة. إن صمود الثوار بأسلحتهم القديمة سبع ساعات متواصلة في وجه القوة البريطانية الكبيرة دليل قاطع على مدى الاستعداد للتضحية والتصميم على خوض النضال المسلح. ويبدو واضحاً أن العملية قد أعد لها إعداداً جيداً من حيث التخطيط وحشد القوة وتوزيعها وتحديد مكان الكمين في منطقة وعرة تساعد على إبقاء زمام المبادرة في أيدي قوة الكمين وتكسبه المرونة أثناء خوض المعركة وتمكنه من إيقاع أكبر الخسائر في صفوف العدو. م- معركة الجاعونة: تعرف بلدة الجاعونة* عند الصهيونيين باسم “روشبينا”، وتقع على الطريق بين صفد وطبرية إلى الشرق من مدينة صفد، وكانت تسكنها أكثرية يهودية. ولما بدأت فصائل ثورة عام 1936 تعمل في منطقة صفد تعرضت طريق صفد – طبرية لعدة هجمات من المجاهدين ابتداء من شهر حزيران 1936، فكانوا ينصبون الكمائن لسيارات الركاب الصهيونية التي تسير بين صفد وطبرية بحراسة المصفحات البريطانية، فوقعت معركة جب يوسف ليلة 21/22 حزيران وكان يقود المجاهدين فيها عبد الله الأصبح* من الجاعونة وعبدالله الشاعر من صفد. قاد عبد الله الشاعر مجموعة من المجاهدين في كمين نصبه “لباص” صهيوني قادم من طبرية إلى صفد يوم 12/8/1936. وكان موقع الكمين قبل الجاعونة بكيلومترين. وقد سد المجاهدون الطريق وكمنوا بين الصخور، ولما واصلت السيارة الصهيونية تحت الحراسة البريطانية انهال المجاهدون عليها بالرصاص، واستمر الاشتباك نحو ساعتين، وأخذت قوة الحراسة تطلب النجدات. أسفرت هذه المعركة عن مقتل ثمانية من الركاب الصهيونيين، وقتل وجرح عدد من الحرس البريطاني. وتمكن المجاهدون من الانسحاب قبل وصول النجدات البريطانية دون خسائر في صفوفهم، وقد اتسمت هذه العملية بالمفاجأة والجرأة. ن- معركة بلعة: معركة بلعة التي وقعت يوم 3/9/1936 من أكبر معارك ثورة 1936. وتبعد قرية بلعة نحو 7 كم عن مدينة طولكرم، ونحو 1.5 كم عن طريق نابلس – طولكرم. بلغ عدد الثوار الذين اشتركوا في المعركة خمسين رجلاً مسلحين بالبنادق المتنوعة والرشاشات الخفيفة وبعض الألغام. وكانوا متطوعين قدموا من أنحاء فلسطين وسورية والعراق. وقد اختاروا موقع بلعة لارتفاعه وإشرافه على طريق نابلس – طولكرم حيث تمر القوافل الصهيونية بحماية القوات                       البريطانية. وقد نظم القائد فوزي القاوقجي خط الدفاع الرئيس فوق المرتفعات المشرفة على الطريق العام على شكل أربع مفارز تتقاطع نيرانها فيما بينها فلا يستطيع العدو الدخول بين المفارز دون أن تناله نيرانها، وأعد أيضاً مفرزتين لتبثا الألغام على الطريق وتكمنا على مقربة منه وتناوشا العدو، ثم لتنسحب كل منهما باتجاه محدد بغية شطر قوة العدو إلى قسمين واستدراجه إلى حيث يقع تحت النار المجدية لخط الدفاع الرئيس. وتم أيضاً تركيز عدد من المفارز الصغيرة من الرماة المهرة في أماكن ملائمة للدفاع الجوي لصد الطائرات إذا ما اشتركت في القتال. وصلت قوة المجاهدين بصورة سرية إلى نقطة التجمع في قرية بلعة ليلة 2/9/1936. وتم إبلاغ قادة المفارز التعليمات، وعرف كل منهم مهمته. وفي صباح يوم 3/9/1936 تمركز المجاهدون في مواقعهم المحددة. الجزء الخامس