ثورة 1936 – 1939 – الجزء الخامس

ظهرت القافلة المعادية قادمة من اتجاه طولكرم، وكانت مؤلفة من 20 سيارة. وحينما وصلت إلى النقطة المعينة في الساعة 8:40 صباحاً انفجرت الألغام وأطلق الكمينان النار على القافلة. وردت القوة البريطانية بنيران الدبابات والرشاشات والمدافع الخفيفة. ولما ترك الكمينان موقعيهما حسب الخطة المرسومة تبعهما الجنود البريطانيون منشطرين إلى قسمين، وسرعان ما وقعا تحت رحمة نيران خط الدفاع الرئيس فوجدت القوة البريطانية نفسها محاصرة لا تستطيع التقدم ولا الانسحاب، فاستنجدت بالقيادة. ولم يمض وقت طويل حتى ظهرت الطائرات وأخذت تنقض على مواقع المجاهدين الذين استطاعوا أن يسقطوا ثلاثاً منها بأسلحتهم العادية. وتبع ظهور الطائرات تدفق نجدات المدافع والدبابات والرشاشات على ساحة المعركة. وحاولت القوة البريطانية الالتفاف على مواقع المجاهدين، ولكنها ردت على أعقابها. وحوالي الساعة 14.00 بلغت المعركة أقصى حدتها، إذ كثف الإنكليز القصف بالمدرعات والمدافع الثقيلة والطائرات. واضطرت القيادة العربية إلى الأمر بالانسحاب إلى خط الدفاع الثاني على مرتفعات تساعد أكثر على الدفاع والمقاومة. وفي هذه الأثناء أخذ العدو ينسحب من المعركة أيضاً تحت حماية نيران كثيفة وغزيرة أطلقتها طائراته وأسلحته المختلفة. وقد ظلت قوات العدو مرابطة حول ساحة المعركة حتى تم لها إخلاء الجرحى والقتلى، ثم انسحبت بعد غروب الشمس. وهكذا استمرت المعركة حتى الساعة 15:30 على جبهة طولها 12 كم قاتل فيها الثوار قتالاً عنيفاً وعنيداً. وقد نفدت ذخيرتهم في المرحلة الأخيرة من المعركة. اعترفت القيادة البريطانية بمقتل ضابطين أحدهما طيار، وبجرح ثلاثة أحدهم إصابته خطيرة، وبمقتل عريف وجرح اثنين آخرين، واعترفت بسقوط طائرة وإصابة ثلاث أخرى بنيران البنادق، وادعت استشهاد “14 من رجال العصابات”. أما الثوار فقد أعلنوا مقتل 80 جندياً بريطانيا بينهم عدة ضباط. عدا الجرحى، وإصابة ثلاث طائرات وتعطيل رابعة، والاستيلاء على رشاش طائرة من طراز “برن”. كان من بين الشهداء محمود أبو يحيى من جبل العرب (سورية)، وإليه يعود الفضل في صمود خط الدفاع الرئيس. وكان الشيخ سليمان الصاتوري، وهو فلسطيني، من أكثر المقاتلين شجاعة وحكمة. وقد استشهد فيما بعد في معركة كفرعبوش. ويبدو واضحاً من دراسة هذه المعركة مدى الدقة والتنظيم في خطة القتال وحسن تدريب المجاهدين. فقد تم تحديد أماكن تمركز المفارز بدقة فائقة لضمان إيقاع أكبر الخسائر في صفوف العدو والمحافظة على النفس. وأنجز الكمين الذي أوكلت إليه مهمة استدراج العدو إلى المواقع الأساسية مهمته طبقاً للخطة الموضوعة بمهارة وجرأة. ونجحت المفارز المخصصة للدفاع الجوي في تخفيف الضغط عن الثوار،وحرمت العدو من الغطاء الجوي بعد إصابة عدد من طائراته، مما أثر في سير المعركة لصالح الثوار في البداية. تلقى الشعب العربي الفلسطيني أخبار هذه المعركة الظافرة بارتياح كبير، وقويت الروح المعنوية لديه. في حين قررت الحكومة البريطانية بعد هذه المعركة اتخاذ إجراءات أكثر صرامة وشدة في التعامل مع “رجال العصابات” من أجل إعادة النظام، ومنها إعلان حالة الطوارىء. هذا وقد تم تعيين الجنرال جون ديل بدلاً من بيرز قائداً عاماً للقوات البريطانية في فلسطين وشرق الأردن يوم 15/9/1926، وأرسلت إلى فلسطين تعزيزات كثيرة من الجنود والمعدات. س– معركة اليامون: تقع قرية اليامون* على بعد 9 كم شمال شرقي جنين، وكان يتولى قيادة منطقة نابلس – جنين عند حدوث المعركة يوم 3/3/1938 الشيخ عطية أحمد عوض* أحد رجال ثورة الشيخ عز الدين القسام*. أقدم الشيخ عطية، في وقت سابق، على رأس أربعة فصائل من الثوار، على تطويق مدينة جنين من جميع جهاتها، ونجح في الإغارة على مراكز الشرطة والجيش البريطاني فيها، والاستيلاء على كل ما فيها من ذخيرة وبنادق. وقام فصيل من قواته بمهاجمة قوات الجيش المتمركزة في نابلس، ونصب فصيل آخر كميناً للدوريات العسكرية على طريق نابلس – جنين. وعلى أثر هذه المعارك الناجحة للثوار أصدر البريغادير ايفتس قائد اللواء السادس عشر البريطاني أوامر لقواته بالتوجه إلى منطقة جنين وتمشيطها، خاصة بعد شق الكثير من الطرق في الجبال لتسهيل حركة القوات. توقع الشيخ عطية أن تقوم القوات البريطانية بعملية انتقامية كبيرة ضد قواته، لذلك استعد لمعركة طويلة. فقام بالاستطلاعات الضرورية، ودرس الموقف، ثم قرر احتلال مراكز مشرفة على نقاط التقرب المحتملة، ووزع قواته بحيث احتل فريق من الثوار مواقع في رابا (قرية تقع عل بعد 12 كم جنوبي شرق جنين) واحتل فريق آخر رؤوس الجبال من كفردان (قرية تقع على مبعدة 8 كم غربي جنين) إلى اليامون. بدأت المعركة عند الساعة العاشرة من صباح 3/3/1938 بعد نجاح القوة البريطانية في فرض طوق حول مواقع الثوار، واستمرت حتى حلول الظلام عندما استطاع الثوار فتح ثغرة في الطوق ومن ثم الانسحاب. وقد اشترك في المعركة نحو ثلاثة آلاف جندي بريطاني، بالإضافة إلى مفرزة من قوات الحدود الأردنية، وتسع طائرات استدعيت بعد 15 دقيقة من بداية الاشتباك مقابل 300 ثائر فلسطيني. وقد اعترفت القوات البريطانية بجرح ضابط ومقتل جندي وجرح آخرين وإصابة خمس طائرات إصابات طفيفة. وادعت استشهاد 60 ثائراً وأسر 16 آخرين. أما الثوار فقد أعلنوا من جانبهم استشهاد تسعة منهم كان أحدهم الشيخ عطية نفسه، بالإضافة إلى أكثر من ثلاثين مناضلاً من النجدات العربية التي التحقت بموقع المعركة من القرى المجاورة، وأحصوا مقتل وجرح أكثر من 70 بريطانيا. وقد حاولت القيادة البريطانية خلال هذه المعركة مفاجأة الثوار والقضاء على قيادة الثورة في المنطقة باستدراج أكبر عدد من المقاتلين والقوات المحلية. ولكن الثوار استطاعوا الصمود على جبهة طولها كيلومتران حيث قاتلوا قتالاً عنيداً بأسلحة عنيفة واجهوا بها المدفعية الثقيلة والطائرات التي أدت دوراً فعالاً في تلك المنطقة الجبلية الوعرة. ورغم ذلك اعترف البريطانيون بأن الثوار تمكنوا من الانسحاب بنجاح بعد قتال في ظروف غاية في الصعوبة والتعقيد، وفي مواقع لم تكن ملائمة لهم على الإطلاق. وقد أظهر الثوار، رغم خسائرهم الكبيرة، مقدرة كبيرة على خوض معركة دفاعية ناجحة نسبياً، خطط العدو لها وحشد من أجلها قوات كبيرة، بعد أن أفقدوه عنصر المفاجأة. وأظهروا أيضاً براعة فائقة في حرية الحركة والتخلص من الطرق، وبالتالي الحفاظ على قواتهم من أجل معارك قادمة. ع- معركة بئر السبع: بحلول شهر أيلول عام 1938 امتدت الثورة إلى منطقة بئر السبع جنوباً بعد أن اعتقد البريطانيون خطأ بأن المنطقة لن تساهم بقليل أو بكثير في الثورة لبعدها وقلة عدد السكان الصهيونيين فيها. ففي يوم 9/9/1938 بدأ قائد منطقة الخليل عبد الحليم الجولاني (أبو زيدان) يعد خطة هجوم على مدينة بئر السبع للاستيلاء على أسلحة الجيش والشرطة هناك لتسليح قواته ومؤيديه. وقد جهز لتلك العملية 60 مناضلاً نقلتهم أربع سيارات شحن كبيرة بالإضافة إلى بعض الثوار من غزة، أما قوة البريطانيين فكانت خمسة أفراد شرطة وضباطاً، مع بعض أفراد الشرطة العرب. تم تنفيذ خطة الهجوم عند ظهر اليوم المذكور فبعد تطويق المدينة من جهاتها الأربع تمكن فصيل القيادة من دخولها والاستيلاء على مخازن السلاح، وفيها أكثر من 600 قطعة سلاح. وبذلك استطاع الجولاني تسليح بعض أفراد الشعب والتفرغ للعمليات الحربية بصورة أكثر تنظيماً. وبعد إخلاء دائرة الشرطة قام الثوار بإحراقها. وكان من نتيجة المعركة مقتل ضابط الشرطة البريطاني وجرح عدد آخر من الشرطة، والاستيلاء على بعض الوثائق الهامة. وقد انسحب الثوار في الصباح بعد انجاز مهمتهم. وكانت هذه المعركة أول معركة كبيرة تقع في الجنوب. وقد نجحت بسبب ما توافر لها من مفاجأة وسرية وتفوق عددي. ف- معركة طبرية: وضع قائد المنطقة الشمالية (منطقة الجليل) أبو إبراهيم الكبير ومعاونوه خطة عسكرية للهجوم على مدينة طبرية. وقد حشد لهذه العملية التي قادها بنفسه 300 ثائر. وتلخصت الخطة بتقسيم قوة الهجوم إلى خمس مجموعات تقوم الأولى بالهجوم على دار الحكومة والثانية بالهجوم على معسكر الجيش البريطاني المقابل لدار الحكومة وتتولى المجموعة الثالثة احتلال الحي اليهودي الذي يقع في وسط المدينة للاستيلاء على الأسلحة في الحي، في حين تتمركز المجموعتان الأخيرتان على طريق طبرية – سمخ، وعلى طريق صفد – طبرية لمنع وصول النجدات. بدأت العملية في الساعة العاشرة مساء من ليلة 3/10/1938، واستمرت خمس ساعات انسحب الثوار بعدها دون أن يصابوا بأدنى خسارة بعد أن قتلوا 19 مستوطناً صهيونياً. وقد اعترضتهم أثناء الانسحاب قوة معادية من الفصائل المتحركة للجيش البريطاني على مقربة من حطين* فوقعت معركة اشتركت فيها أيضاً المفارز الخاصة البريطانية، واستشهد فيها عدد من الثوار قبل أن يتمكن الآخرون من الإفلات من الطوق. ص- معركة القدس: كان يتمركز في القدس أكثر من ثلاثمائة شرطي وكثير من الجنود حين قرر الثوار السيطرة عليها. فقد اجتمع قادة الثوار العاملون داخل القدس، وعلى رأسهم قائد المنطقة عارف عبد الرازق*، على أثر الاستفزازات الإنكليزية لمشاعر الأهلين باحتلال القوات البريطانية مخفر البراق في المدينة، ووضعوا خطة للسيطرة عليها بعد تقدير الموقف بناء على المعلومات التي تم تجميعهم نتيجة للاستطلاعات التي قام بها الثوار وأنصارهم من أفراد الشرطة العربية. في صباح 13/9/1938 بدأ الثوار ينفذون الخطة، فأعلنوا الاضراب العام داخل الأسوار، وفرضوا منع التجول من أجل تسهيل تحركهم. وفي الساعة الثانية صباحاً قامت جميع مفارز الثوار العاملة في القدس بالهجوم على مراكز الشرطة واحتلالها والاستيلاء على أسلحتها دون مقاومة تذكر، وكان من بينها مخفر البراق الذي احتل بعد قتل أربعة من الإنكليز. تابعت المفارز تنفيذ الخطة المرسومة باتقان ودقة وسرعة حتى أصبحت مدينة القدس بحلول منتصف شهر تشرين الأول 1938 بيد القوات العربية. وحدثت أثناء سيطرة القوات العربية عدة اشتباكات متفرقة قتل فيها عدد من الإنكليز، واستشهد أكثر من 40 عربياً معظمهم من أفراد الشعب العزل. وقد اعترف قائد منطقة القدس البريطاني الجنرال هاينغ في تقريره المؤرخ في 19/10/1938 بهذه العملية قائلاً: “أصبحت المدينة المقدسة بحلول السابع عشر من تشرين الأول 1938 تحت السيطرة الفعلية للثوار”. واعترف مدير الشرطة العام شارلز تيجريت بأن الثوار قد أسسوا خلال تلك المدة محكمة خاصة بهم في منطقة الحرم. ولم تستطع الحكومة استعادة السيطرة على القدس إلا بعد أن قررت القوات العسكرية البريطانية تطويقها واحتلالها بفرقة المشاة السابعة التي لم تتمكن من دخول المدينة إلا بعد استخدام عدد كبير من السكان المحليين كدرع بشري أمام القوات المهاجمة، وبعد التهديد بضرب الأماكن المقدسة بالمدافع، مما أجبر الثوار على الانسحاب. المراجع: –         محمد عزة دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، بيروت 1959. –         محمد حافظ يعقوب: نظرة جديدة إلى تاريخ القضية الفلسطينية (1918 -1948)، بيروت 1973. –   مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وزارة الدفاع اللبنانية: القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني، بيروت 1973. –         عبد القادر ياسين: كفاح الشعب الفلسطيني قبل العام 1948، بيروت 1975. –         عبد الوهاب الكيالي: تاريخ فلسطين الحديث، بيروت 1973. –         عيسى السفري: فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية، يافا 1937. –         إحسان النمر: تاريخ جبل نابلس والبلقاء، نابلس 1972. –   بيان نويهض الحوت: (إعداد) وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية (1918 – 1939) من أوراق أكرم زعيتر، بيروت 1979. –         صبحي ياسين: حب العصابات في فلسطين، القاهرة 1967. –         محمد الشاعر: الحرب الفدائية في فلسطين، بيروت 1967. –         أكرم زعيتر: يوميات الحركة الفلسطينية، 1935 – 1939، بيروت 1980. –         خيرية قاسمية: فلسطين في مذكرات القاوقجي (1936 – 1948) بيروت 1975. –         صالح مسعود بو يصير: جهاد شعب خلال نصف قرن، بيروت 1968. –         محمود العابدي: صفد في التاريخ، عمان 1977. –       Haining’s Report, 19. 10. 38. Co 733/ 379/ 75528/ 74/ 38. –       Hayamson, A. M.: Palestine under the Mandate, London 1950. –       Tegart Papers, Box 2, File 4. DS. 126-2. Wavell’s Dispatch, 7. 4. 38. Co 733/ 379/ 75528/ 74/ 38.